كيف تغير شكل الطبقة العاملة خلال الحرب والأزمة الاقتصادية؟

كيف تغير شكل الطبقة العاملة خلال الحرب والأزمة الاقتصادية؟

لم تغيّر الحرب والأزمة الاقتصادية في سوريا شكل الاقتصاد فقط، بل غيّرت أيضاً شكل الطبقة العاملة نفسها. فالعامل السوري الذي كان قبل سنوات يعمل في مصنع أو ورشة أو أرض زراعية ضمن نمط عمل أكثر استقراراً، وجد نفسه اليوم ينتقل تدريجياً إلى عالم مختلف تماماً: أعمال يومية، وظائف مؤقتة، مهن غير مستقرة، واقتصاد رقمي هش يقوم على التطبيقات والمنصات والعمل غير المنظم.

هذا التحول لم يكن مجرد تبدل في نوع الوظائف، بل تغيراً عميقاً في البنية الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة، وفي مفهوم العمل ذاته، وحتى في طبيعة العلاقة بين العامل والدولة والسوق.
قبل الحرب، ورغم كل المشكلات الاقتصادية الموجودة آنذاك، كانت شريحة واسعة من العمال تعمل ضمن قطاعات واضحة نسبياً: الصناعة، الزراعة، المؤسسات العامة، الورش الحرفية، والنقل التقليدي. كان هناك، ولو بدرجات متفاوتة، شيء من الاستقرار المهني، وإمكانية التخطيط للحياة، ووجود حد أدنى من الضمانات الاجتماعية أو النقابية. العامل في المصنع كان يعرف مكان عمله، وأجره الشهري، وساعات عمله، وحتى مستقبله الوظيفي إلى حد ما. والفلاح، رغم الصعوبات، كان مرتبطاً بالأرض ودورة الإنتاج الزراعي التقليدية. أما اليوم، فقد انهارت أجزاء كبيرة من هذا العالم القديم.
الحرب دمّرت بنية اقتصادية كاملة. آلاف المعامل أغلقت أو تضررت أو خرجت من الخدمة. مناطق صناعية كاملة فقدت قدرتها الإنتاجية، والزراعة تعرضت لضربات قاسية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وشح المحروقات، وتراجع الدعم، وصعوبة التسويق، والتغيرات المناخية، إضافة إلى النزوح والهجرة وفقدان اليد العاملة. ومع انهيار قطاعات الإنتاج التقليدية، لم يختفِ العمال، بل انتقلوا إلى أشكال أخرى من العمل، غالباً أكثر هشاشة وأقل استقراراً. وهنا بدأ التحول الكبير في شكل الطبقة العاملة السورية.


«عمّال النجاة»


ظهرت طبقة واسعة من «عمال النجاة»، وهم أشخاص لا يملكون وظيفة مستقرة، بل ينتقلون باستمرار بين أعمال مؤقتة ومتفرقة فقط لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. شخص يعمل صباحاً في تحميل البضائع، ومساءً في التوصيل، ويقضي أياماً أخرى في أعمال البناء أو البيع الجوال أو الخدمات المؤقتة. العمل هنا لم يعد مهنة مستقرة، بل سلسلة متواصلة من المحاولات اليومية للبقاء.
هذا التحول غيّر أيضاً العلاقة النفسية مع العمل. في السابق، كان العمل جزءاً من هوية الإنسان الاجتماعية؛ العامل الصناعي أو الحرفي كان يشعر بانتمائه إلى مهنة معينة. أما اليوم، فكثيرون يعملون في أي شيء متاح دون أي ارتباط مهني حقيقي، لأن الأولوية لم تعد للتخصص أو التطور المهني، بل لتأمين الدخل بأي وسيلة.
ومن أبرز التحولات أيضاً صعود الاقتصاد غير المنظم بشكل هائل. فجزء كبير من العمال اليوم يعمل خارج أي إطار قانوني واضح: دون عقود، دون تأمين صحي، دون ضمان اجتماعي، ودون حماية من الفصل أو الاستغلال. هذا الاقتصاد غير الرسمي لم يعد هامشياً، بل أصبح في كثير من الأحيان هو القاعدة الأساسية لسوق العمل.


انتشار «العمل الرقمي»


ومع توسع الأزمة، ظهرت أنماط جديدة من العمل لم تكن منتشرة سابقاً بهذا الشكل، وعلى رأسها العمل الرقمي والعمل عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية. كثير من الشباب اتجهوا إلى خدمات التوصيل، والعمل الحر عبر الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، وإدارة الصفحات، والعمل عن بعد لصالح جهات خارجية. في الظاهر، يبدو هذا التحول وكأنه يفتح فرصاً جديدة، لكنه في الواقع يحمل تناقضات كبيرة. فهذه الأعمال غالباً لا توفر استقراراً حقيقياً، والدخل فيها متقلب، والمنافسة شديدة، والحماية القانونية شبه غائبة. العامل هنا يتحمل كل المخاطر وحده: الإنترنت، الكهرباء، المعدات، الوقت، وحتى الخسائر المحتملة.
اقتصاد التطبيقات مثلاً خلق نموذجاً جديداً للعامل: شخص يعمل لساعات طويلة دون أن يكون موظفاً رسمياً. لا يملك حقوق العامل التقليدي، وفي الوقت نفسه لا يملك حرية صاحب العمل الحقيقي. إنه يعمل باستمرار تحت ضغط التقييمات والخوارزميات والمنافسة، دون أي ضمان حقيقي للمستقبل.

وهذا التحول لم يؤثر فقط على طبيعة العمل، بل على شكل الطبقة العاملة نفسها. فالطبقة العاملة التقليدية كانت أكثر وضوحاً وتنظيماً، لأن العمال كانوا مجتمعين في مصانع ومؤسسات وأماكن إنتاج مشتركة، ما يسمح بوجود روابط جماعية ونقابية ومطالب موحدة نسبياً. أما اليوم، فقد أصبحت الطبقة العاملة أكثر تشتتاً وتفككاً. العامل يعمل وحده، أو ضمن فرق صغيرة مؤقتة، أو عبر الهاتف والتطبيقات. وهذا التشتت جعل من الصعب تشكل وعي جماعي موحد أو حركة مطلبية قادرة على الضغط والتأثير.
حتى مفهوم «الدوام» نفسه تغيّر. ففي الاقتصاد الهش، لا يوجد وقت عمل واضح ولا وقت راحة واضح. العامل الرقمي أو عامل التوصيل أو العامل اليومي يعيش في حالة استعداد دائم للعمل، لأن أي توقف قد يعني خسارة فرصة دخل يحتاجها بشدة.
ومن النتائج الخطيرة لهذا التحول أيضاً تراجع فكرة الأمان الاجتماعي. فالأجيال السابقة، رغم الصعوبات، كانت ترى في الوظيفة وسيلة لبناء مستقبل: منزل، عائلة، تقاعد، استقرار نسبي. أما اليوم، فكثير من الشباب لا يشعرون أن العمل الحالي يمكن أن يبني حياة مستقرة أصلاً. إنه فقط يؤمن البقاء من شهر إلى آخر.
كما ساهمت الهجرة في إعادة تشكيل الطبقة العاملة. فخروج أعداد كبيرة من الكفاءات والعمال المهرة خلق فراغات كبيرة داخل سوق العمل، ودفع كثيراً من القطاعات للاعتماد على عمالة أقل خبرة أو أكثر هشاشة. وفي المقابل، أصبحت التحويلات المالية من الخارج جزءاً أساسياً من بقاء أسر كاملة، ما غيّر أيضاً طبيعة الاعتماد الاقتصادي داخل المجتمع.


النساء العاملات


لا يمكن تجاهل أثر هذا التحول على النساء أيضاً. فالأزمة دفعت أعداداً متزايدة من النساء إلى سوق العمل، لكن غالباً ضمن ظروف هشة وغير مستقرة، كالأعمال المنزلية والإنتاج المنزلي والعمل الرقمي البسيط والبيع عبر الإنترنت. ورغم أن هذا التوسع منح بعض النساء استقلالاً اقتصادياً نسبياً، إلا أنه جرى في كثير من الأحيان ضمن بيئة غير محمية وقليلة الاستقرار.
إن ما حدث خلال سنوات الحرب والأزمة لم يكن مجرد تراجع اقتصادي، بل إعادة تشكيل كاملة لعالم العمل. انتقل الاقتصاد من الاعتماد النسبي على الإنتاج المنظم إلى اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على الخدمات المؤقتة، والعمل الهش، والنجاة الفردية، والاستهلاك السريع، والمنصات الرقمية. لكن المشكلة أن هذا النموذج، رغم قدرته على خلق فرص مؤقتة، لا يبني اقتصاداً مستقراً على المدى الطويل. فالاقتصاد الذي يعتمد على العمالة الهشة واليومية أكثر عرضة للاضطرابات، وأقل قدرة على خلق تنمية حقيقية أو استقرار اجتماعي.


تهديد الخبرات والعمل الكريم المستقل


كما أن استمرار هذا الواقع يهدد بتآكل الخبرات المهنية والإنتاجية المتراكمة. فعندما يترك العامل الماهر مهنته الأساسية ويتحول إلى أي عمل مؤقت للبقاء، يخسر المجتمع تدريجياً جزءاً من خبراته الصناعية والزراعية والحرفية.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف الموجودة، بل بنوعية هذه الوظائف وطبيعتها. فليس كل عمل يعني بالضرورة حياة كريمة أو استقراراً اجتماعياً. يمكن لاقتصاد كامل أن يبدو «نشطاً» بينما يعيش معظم العاملين فيه في حالة دائمة من القلق والهشاشة وعدم اليقين.
لقد تغيّرت الطبقة العاملة السورية كثيراً خلال سنوات الحرب والأزمة، لكن هذا التغيّر لم يكن خياراً حراً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لانهيار اقتصادي طويل دفع الناس إلى إعادة تعريف معنى العمل نفسه. واليوم، لم يعد التحدي فقط في خلق فرص عمل، بل في إعادة بناء مفهوم العمل الكريم والمستقر، قبل أن يتحول الاقتصاد كله إلى مساحة واسعة من الأعمال المؤقتة والنجاة اليومية بلا مستقبل واضح.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279