النقابات العمالية تعاني من مركزية مفرطة وديمقراطية غائبة
إلياس زيتون إلياس زيتون

النقابات العمالية تعاني من مركزية مفرطة وديمقراطية غائبة

تشهد المنظمة العمالية استياء عاماً بين الأوساط العمالية والنقابية بفعل المركزية الشديدة المفروضة عليها، ولا تخلو هيئة تنظيمية بالجسد التنظيمي من هذا الاستياء، بعضه القليل المعلن، وأغلبه الكثير المبطن، خاصة بالمرحلة التي تلت سقوط سلطة النظام البائدة، كونها اشتدت بشكل غير مسبوق، وبأسلوب مباشر ومعلن، وبكافة الجوانب التنظيمية والمالية، وحتى الإعلامية، فليس مسموحاً اليوم لأي لجنة نقابية، أو نقابة، النشر الإعلامي على صفحاتها الخاصة على السوشيال ميديا، بل يجب الالتزام بما تنشره الهيئة الأعلى فقط، وبالجانب المالي، تم إحداث صندوق مركزي للمنظمة، ألغى به أي استقلالية مالية للنقابات، مهما بلغت موازنتها، وأما تنظيمياً، فصلاحية أي هيئة تقتصر على الاقتراح بالترميم والتعيين، والقرار فقط للاتحاد العام الذي يمسك بكل شيء، ويقرر كل شيء، بعيداً عن مفهوم الديمقراطية المركزية المفترض أنه مبدأ أساسي في المنظمات الشعبية.

عانت المنظمة العمالية من المركزية المفرطة والمشوهة، كونها فكت ارتباطها، وغيرت علاقتها «بالديمقراطية الشعبية» وفق المصطلح الوارد بقانون التنظيم النقابي، والذي يعبر بجوهره عن البناء التنظيمي في المنظمة الشعبية العمالية من تحت إلى فوق، مما جعل المركزية حاضرة بقوة والديمقراطية في خبر كان، ولم يكن انتزاع استقلالية النقابات من السلطات التي توالت على البلاد بالأمر الهين واليسير، فقد جاء بعد سلسلة طويلة من النضالات السياسية والنقابية، رغم أنها لم تصل إلى مستوى الاستقلالية الفعلية والحقيقية، نتيجة وضعها في نهاية المطاف تحت وصاية البعث بشكل أو بآخر، ورغم ذلك نجحت بالانفكاك عن جهاز الدولة الرسمي ووصايته، وامتلكت قانونها الذي أعطاها كامل الحق في إدارة شؤون تنظيمها بيد العمال، من خلال الانتخابات الديمقراطية السرية، ووصفها بالشخصية الاعتبارية، وحق سيادة المؤتمرات، ومنذ صدور قانون التنظيم النقابي وتعديلاته اللاحقة، تمكنت القواعد العمالية من إيجاد هوامش ديمقراطية لم تفلح القوى البعثية وأشباهها في ذلك الحين من الإمساك بها، والتحكم بضبطها تماماً، لكن ومع كل دورة نقابية جديدة أخذت المركزية تشتد أكثر، مع تقلص الهوامش الديمقراطية في حركة عكسية، فبدل أن تشتد المركزية مع توسع الإجراءات الديمقراطية، وتضعف بتقلصها، نشأت تلك المعادلة المشوهة المنسوخة بشكل مطابق لجهاز الدولة والسلطة القائمة عليه، وبقي هذا الوضع قائماً ومستمراً حتى أصبح أمراً اعتيادياً ومعدياً، فاختصرت الهيئة العامة باللجنة النقابية، واختصرت اللجنة النقابية برئيسها، واختصرت النقابة برئيس مكتبها، واختصر اتحاد المحافظة برئيسه، واختصر كل أولئك بالمكتب التنفيذي، الذي اختصر بدوره برئيسه، وأصبح المجلس العام مجرد كيان بيروقراطي يسجل حضوره، ويرفع يده للتصويت على كل شيء يمليه عليه المكتب التنفيذي، وأصبحت المؤتمرات النقابية مجرد احتفالية للتصفيق والتصويت بالإجماع، وهذه العلاقة العكسية ولّدت ظاهرة مشوهة أخرى، فتغير مسار القرارات واتجاهها، فبدل أن تصعد من تحت إلى فوق، ثم من فوق إلى تحت، اقتصرت على حركة نصف دائرية من فوق إلى تحت، فالتعيين والترميم والقرارات الإدارية والانتاجية والبرامج والرقابة كلها أصبحت باتجاه واحد و تم الامساك بكافة الهيئات التنظيمية تنظيمياً ومالياً ونقابياً، كل ذلك أزاح المركزية عن دورها، مع غياب المكافئ الطبيعي لها ألا وهي الديمقراطية.


المركزية بتصريف الأعمال تتحول إلى نهج دائم


بعد سقوط سلطة النظام المستبدة، شهدت المنظمة قدوم القيادة النقابية الممثلة للسلطة الجديدة، وباشرت عملها بأعلى درجات المركزية، وتم استيعاب هذا السلوك من العمال والنقابيين وتبريره، كونه موضوعي وضروري في مرحلة تصريف الأعمال، ولملمة التنظيم، ومنع أي تهديد لبنيته وكيانه، مستبشرين بمرحلة جديدة تعيد الأمور إلى نصابها، وتسترد الطبقة العاملة فيها تنظيمها النقابي وقراره ودوره، ومع مرور الأشهر التالية، بدأت مظاهر المركزية تصبح أشد وأوسع رغم زوال التهديدات الأساسية وتجاوز المرحلة الصعبة، مما أثار حفيظة النقابيين داخل المنظمة وخارجها، وبدأت المخاوف تتسرب إلى النفوس، من استمرار هذه الممارسات والقرارات التي شملت جوانب تنظيمية ومالية واستثمارية ونقابية أخرى، والذي ظهر جلياً بالمؤتمرات النقابية المغلقة والمجالس المبرمجة مسبقاً، وبالقضايا الاستثمارية والمالية، وبالتعيين والترميم واقحام الأسماء من خارج المنظمة، دون أي معايير قانونية ونقابية واضحة، وهذا ما انعكس على الهيئات القاعدية التي كانت في أسوأ الأحوال تتمتع بهوامش من الخصوصية والقرار، فاكتملت سوداوية المشهد النقابي المتمثل بمركزية مفرطة وتبعية سياسية وغياب الديمقراطية.


الفرصة أمامنا وقانون التنظيم النقابي ينتظر التطبيق


يرى العمال والنقابيون، أن الفرصة ما زالت سانحة لإصلاح كل ما سبق، خاصة مع مرور كل تلك الأشهر على تواجد أصحاب القرار النقابي الحالي في المنظمة، واطلاعهم على كامل أعمالها وأزماتها، وبالتالي لا يمكنهم التغاضي عن ذلك، أو استمرار المضي به، لما له من ارتدادات لاحقة تهدد المنظمة ووحدتها وكيانها، وهذا ما لا يريده أحد، وهناك مرتكزات أساسية كثيرة يمكن الانطلاق منها، دون التفريط فيها، وأهمها: قانون التنظيم النقابي الذي ما زال صالحاً بجوهره ومواده التنظيمية، والذي ربط المركزية بالديمقراطية بعلاقة طردية واضحة لا لَبس فيها، وأعطى الهيئات العليا صلاحيات مركزية كبرى وأساسية، مشروطة بانتخاب الهيئات سرياً وديمقراطياً من قبل العمال، من اللجنة النقابية وحتى المكتب التنفيذي، وجعل للمجلس العام- المنتخب من الهيئات القاعدية الأدنى- قوة ودوراً مركزياً هاماً، يستطيع من خلاله إقرار برامجه وإصدار قرارات ملزمة تحافظ على مكتسبات العمال والتنظيم، ومنح المؤتمرات النقابية كافة الصلاحيات التي تمنع أي ترهل تنظيمي ومالي أو تفرد بالسلطة أو فساد، ومن السهولة البدء بإجراءات تعيد التنظيم النقابي وقراره للعمال أنفسهم، بدل الوصاية عليهم، وكتم أصواتهم، ومصادرة خياراتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأي تكرار للسيناريوهات السابقة التي سادت المنظمة لعقود عديدة لن تؤدي إلى نتائج مختلفة عن التي أدت لها، بل ستنتج عنها نفس النتائج بأضرار أكبر وأشمل، فالحرية السياسية والنقابية الغائبة لا بد لها من العودة إلى صفوف الطبقة العاملة، والحركة النقابية، فمنها انطلقت وأسست نقاباتها، وعليها فقط صار للاتحاد العام كيان وشأن وكلمة ودور، وكل غياب لأحدها أو كلها يعود سببه للتخلي عن المبادئ الأساسية التي نشأت عليها النقابات واتحادها العام، وعلى القيادة النقابية المتجددة التقاط هذه الفرصة السانحة، لاستعادة الدور التاريخي للطبقة العاملة وتنظيمها النقابي، من خلال استعادة الديمقراطية العمالية، وعدم الاكتفاء بالمركزية النقابية فقط.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279