بصراحة الاتحاد العام للنقابات في مواجهة الخصخصة
ما زالت قضية الخصخصة على صفيح ساخن منذ أن بدأ سيل التصاريح الحكومية المنذرة بذلك وحتى الآن. وجرى حولها العديد من المواقف الرافضة لها جملة وتفصيلاً، خاصة المتعلقة بالقطاعات الخدمية الأساسية كالكهرباء والصحة. وهذا لا يعني الموافقة على التفريط بالقطاع الإنتاجي الذي ما زالت الحكومة تسارع الخطى باتجاه تسليمه للمستثمرين. وشهدنا خلال المؤتمرات النقابية التي انعقدت في الشهرين الأول والثاني من هذا العام درجة الرفض الثابت والمبدئي من قبل المؤتمرين لهذا التوجه، حتى أننا سمعنا من عمال النسيج: «عطونا المعامل نحنا منشغلها ومنربح»، في تعبير بسيط على أن معاملهم مُخسَّرة وليست خاسرة، وبأن كل ما يقال حول ذلك مجرد ذرائع، محمِّلين السياسات الاقتصادية الممتدة لسنوات وعقود مسؤولية الموت السريري لمعاملهم ومؤسساتهم الإنتاجية. وهذا الدفاع المستميت عن القطاع العام ليس بجديد، بل هو موقف وفعل واعٍ ناتج عن الواقع الموضوعي للطبقة العاملة ومصالحها الكبرى، والتي ترى أن الضمان الأساسي لأمنها الاجتماعي بجوانبه كافة هو مستوى دور الدولة في الحياة الاقتصادية الاجتماعية، وأن كل تراجع لهذا الدور يعني بالضرورة تراجعاً في أمنها الصحي والمعيشي والخدمي. وآخر ما حُرر من مواقف جاء على لسان رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال السيد فواز الأحمد، الذي أثار عدة تساؤلات حول الخصخصة كخيار وحيد وأساسي، في إشارة منه لإصرار الحكومة على اعتباره كذلك. وكتب على منصة «إكس» منشوراً بذلك جاء فيه: «كيف يمكن أن تكون الخصخصة ناجحة في اقتصاد يعاني من دخل محدود جداً للمواطنين؟ فالخصخصة تتطلب قوة شرائية واستقراراً اقتصادياً حتى تستطيع الشركات الخاصة تقديم الخدمات بحجم وجودة مناسبة، وهذا غير متوفر حالياً في سورية التي تواجه أزمة معيشية كبيرة». ويضيف: «الخصخصة تعني دخول الشركات الخاصة التي غايتها الأساسية الربح، وليس بالضرورة تقديم الخدمات العامة بجودة أو أسعار مناسبة للمواطنين، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود. وهذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتقليل جودة الخدمات».
إن النقاش الهادئ والمحاجّة الموضوعية للنقابات مع الحكومة -وإن أخذ في بعض الأحيان الطابع الدبلوماسي- في التعاطي، أمرٌ ضروري، وهو أحد أدوات الدفاع عن المصالح الطبقية. لكنه لا يغني بتاتاً عن صياغة الموقف الرصين والعلمي والعملي لها. وذلك لن يتم إلا بالاستفادة من كامل الوزن الفعلي للطبقة العاملة، وصياغة برنامجها ووضع خططها ومهامها، وإعداد الدراسات والإحصاءات، وتقديم الحلول، وتبني نهج اقتصادي متكامل البنى منسجم مع الواقع ومستمد منه. وهذا يستدعي استنفاراً على مستوى القواعد العمالية النقابية، وتفعيل دور الاتحادات المهنية ومركز الدراسات العمالية، لدراسة واقع القطاع العام وتقديم رؤية لإنقاذه واستنهاضه، لثني أي حكومة عن التفريط به لصالح جيوب المستثمرين الذين لا يرحمون أحداً في سبيل الربح والمال.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275