هل سيحصل عمال القطاع الخاص غير المنظم على زيادة الأجور؟
فرح عمار فرح عمار

هل سيحصل عمال القطاع الخاص غير المنظم على زيادة الأجور؟

ما إن تم الإعلان عن مرسوم الزيادة الأخيرة على الأجور حتى بدأ النشاط العمالي في القطاع الخاص غير المنظم للمطالبة بزيادة الأجور، خاصة بعد تآكل متسلسل للقوة الشرائية لأجورهم شهراً إثر شهر. وما زالت المطالبات ضمن حدود المطالبات الناعمة والتي يمكن القول عنها إنها خجولة بعض الشيء، نظراً لضعف قواهم وغياب فرص العمل الجدية البديلة. فلا أحد يرغب في المخاطرة بعمله في مثل الأوضاع الاقتصادية التي تشهدها البلاد، فالخلل الكبير بين العرض والطلب على اليد العاملة وتخبّط سوق العمل وفوضاه والانزياحات الكبرى التي يشهدها. وتفاوتت مطالب الزيادة بين القطاعات والوظائف والأفراد. وفي رصد مبدئي ومحدد تبين أن عمال وموظفي القطاعات التكنولوجية والرقمية هم الأكثر نشاطاً وإلحاحاً على ذلك، فشركات الإعلان الإلكتروني والتصميم وصناعة المحتوى شهدت ضغوطاً عمالية كبيرة من كل الكوادر العاملة المطالبة بزيادة الأجور، سواء العاملين بدوام ومهام أو المتعاقدين. وتراوحت المطالبات بين 50-100%، وقد نجح المئات منهم في الحصول عليها وفق معلومات خاصة منهم ومن بعض أصحاب الشركات.

وكذلك فعل موظفو الحواسيب والهواتف الذكية، سواء العاملون في الصيانة أو بيع القطع، ومدربو برامج المحاسبة. فخلال جولتنا في منطقة البحصة ولقائنا مع العديد منهم، أكدوا لنا تلك المطالب التي لم يستطع أرباب العمل التهرّب منها رغم كل محاولاتهم، وذلك بسبب كونها شملت جميع العاملين الذين كانوا بحاجة إلى قرار يخص القطاع العام كي يتمكنوا من المضي في مطالبهم، وهذا ما حصل. وفعلياً، فإن أصحاب الأجور الأسبوعية حصلوا على زيادات تراوحت بين 30-70%، فيما ينتظر أصحاب الأجور الشهرية نهاية الشهر ليعرفوا مقدار الزيادة التي سيحصلون عليها، والتي ستتفاوت وفق خصوصية العمل وأصحابه.


السكوت عن المطالبة بالزيادة من أجل الحفاظ على لقمة العيش


أما في القطاع الإنتاجي فيبدو الأمر مختلفاً تماماً، حيث لم يحصل العاملون فيه إلا على وعود لا يعلم أحد صدقها، وذلك نظراً لانعدام تمسّك أرباب العمل بعمالهم، بل يفضلون استبدالهم بيد عاملة أرخص إن وجدوا لذلك سبيلاً. ومثال ذلك عمال صناعة الجوارب القطنية والتريكو في مجمع الزبلطاني، حيث تآكلت قيمة أجورهم بشكل غير مسبوق وصلت إلى أكثر من 70% مقارنة بعام 2016، وأصبحت المعامل مليئة باليافعين الذين يتقاضون أجوراً بخسة وغير منطقية. وهؤلاء طالبوا بزيادة شحيحة لا تتجاوز 20%، ورغم ذلك فالقليل منهم حصل عليها لمهارته أو حرفته العالية، لصعوبة تأمين بديله بالسهولة المعتادة. وأما موظفو المبيعات في المحلات التجارية الغذائية والألبسة وغيرها، فأخذوا وعوداً بالزيادة بمجرد تحرك الأسواق مع اقتراب عيد الأضحى، دون معرفة قيمة تلك الزيادات أو نسبتها. وما زال تفاوت زيادة الأجور بين الذكور والإناث مستمراً وأكثر وضوحاً من قبل، شأنه شأن التفاوت في الأجر الأساسي المقطوع، خاصة في قطاع المحاسبة و«الكاشير»، حيث إن بعض المولات التجارية والمحلات استثنت المحاسِبات من الزيادة التي أُقرّت رغم قلّتها.


عمال القطاع غير المنظم: الحلقة الأضعف


ارتفعت أجور عمال المياومة والفعالة والعتالة بشكل تدريجي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. وعند سؤالنا عن ذلك أوضح لنا بعض العمال بأن ذلك غير مرتبط بالمرسوم أو بموظفي القطاع العام، ولكنه إجراء دوري مربوط مع زيادة الأسعار. ودائماً ما تكون الزيادة التي يطلبونها أقل من نسبة زيادة الأسعار والمعيشة، وهذا ما أوصل معيشتهم إلى حدود مخيفة غير مسبوقة جراء الخسائر المتراكمة.
لطالما كان القطاع الخاص غير المنظم خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، وهو القطاع الأكثر خضوعاً لمعادلة العرض والطلب المستمرة عكس مصالحهم طوال الوقت. ويظهر الاستغلال فيه بأبشع صوره وأعمق نتائجه، ومن النادر أن يشهد إنصافاً نسبياً للعمال فيه. وإلى اليوم لم تطرح الحكومات حلولاً أو رؤية ما لحل هذه القضية الاجتماعية السلبية، وإن خرجت طروحات فإنها طوباوية الهوى غير قابلة للتنفيذ، لأنها ليست ضمن نهج اقتصادي ممنهج وواضح يضبط السياسات الاقتصادية كلها. فسوق العمل بكامله هو جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني، وبالتالي لا سبيل لحل قضاياه القانونية والمعيشية والاجتماعية بمعزل عن الاقتصاد ككل، وهذا ما يجب أن يتم العمل عليه. فأي إجراء لا يتضمن معالجة معادلة العرض والطلب غير مجدٍ، وهذا يتطلب تحقيق أعلى تشغيل اقتصادي حقيقي يؤمّن فرص العمل ويخفض البطالة إلى أدنى مستوياتها، لا أن نكتفي بمعالجات قانونية لن تجد طريقها للتطبيق، وسيتم الالتفاف عليها وتجاوزها بألف طريقة وطريقة. والواقع مليء بها، من استقالات مسبقة لعقود وهمية وأخرى حقيقية، وليس انتهاءً بتسجيل العمال في التأمينات بغير أجورهم الحقيقية، والقائمة تطول.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275