منظمة العمل الدولية تناقش الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص مع النقابات وأرباب العمل
في مداخلة جديدة، صرّح رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال «بأن واقع الأجور الحالي في سورية يعكس تحديات عميقة، حيث لا تزال الأجور تعاني من فجوة كبيرة مقارنة بتكاليف المعيشة نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية معقدة، وأن هذا الواقع يفرض علينا جميعاً - حكومة ونقابات وأصحاب عمل - العمل المشترك لإعادة التوازن إلى منظومة الأجور بما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للعمال. وبأن الاتحاد العام لنقابات العمال يساهم بشكل مستمر في دفع عجلة تحسين الأجور من خلال المطالبة بالزيادات عبر القنوات الرسمية، والمشاركة الفاعلة في الحوارات الاجتماعية، الأمر الذي أسهم في تحقيق زيادات متتالية بواقع 200% ومن ثم 50% وهكذا، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير لتواكب الواقع المعيشي».
جرت المداخلة ضمن أعمال جلسة (مجموعة التركيز التخصصية) التي تنظمها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال، تحت عنوان «الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص في إطار العمل على مواءمة السياسات الوطنية مع معايير العمل الدولية»، والتي عُقدت في مبنى الاتحاد العام بدمشق.
وشهدت الجلسة حضور الأستاذ محمد أنس السبع، مدير منظمة العمل الدولية، والأستاذ محمد البكور، نقيب الاقتصاديين السوريين، والدكتورة رشا سيروب من مكتب منظمة العمل الدولية، إلى جانب مشاركة واسعة من ممثلي اتحاد المحافظات والمعنيين بالشؤون المالية والاقتصادية.
تضمنت الورشة التعريف بأهداف الجلسة ودور منظمة العمل الدولية كطرف فني داعم، مع توضيح أهمية الاتفاقية رقم 131 المتعلقة بتحديد الحد الأدنى للأجور، والاتفاقية رقم 100 الخاصة بالمساواة في الأجر.
كما تم استعراض بعض المؤشرات الاقتصادية عن واقع تطبيق الاتفاقيتين في سورية، وسبل ردم الفجوة بين الحد الأدنى الحالي للأجور وتكاليف المعيشة الفعلية.
وشدّد الأحمد على ضرورة إنفاذ الاتفاقيات الدولية ضمن التشريع الوطني، وخاصة اتفاقية الحد الأدنى للأجور رقم 131، «لما تمثله من إطار متوازن يراعي احتياجات العمال من جهة، ومتطلبات الاقتصاد الوطني من جهة أخرى»، وكذلك الاتفاقية رقم 100 التي تدعو إلى تحقيق المساواة في الأجور بين الرجال والنساء.
بدوره، أكد السبع أن تعزيز منظومة «العمل اللائق» يمثل حجر الزاوية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي في ظل الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن الدخل الكريم هو الضامن الأساسي للاستقرار الاقتصادي، وأن المنظمة تواصل التنسيق مع وزارة العمل لتطوير الأطر التشريعية، ولا سيّما قانون العمل رقم 17 وقانون التأمينات الاجتماعية، بما يتلاءم مع المعايير الدولية التي صادقت عليها سورية. كما شدّد على ضرورة بناء نظام حوكمة متكامل لتحديد الحد الأدنى للأجور، يبدأ بمعالجة النقص في البيانات الإحصائية عبر «المسح الشامل لسوق العمل» المزمع تنفيذه قريباً، وصولاً إلى تفعيل منصات حوار اجتماعي ثلاثية الأطراف تستند إلى مرجعية رقمية دقيقة وواقعية.
من جانبه، أوضح البكور أن «مسألة الأجور ليست مسألة أرقام عابرة، وأن الأجور هي كرامة ومستوى معيشي لائق»، مؤكداً أن لرفع الأجور منعكسات إيجابية على الدخل والإنتاج وانتعاش الأسواق، وذلك عبر دراسات وافية تراعي مستوى معيشة الأسرة والتوزع الجغرافي لردم الفجوة بين الأجور والواقع.
بدورها تحدثت سيروب حول واقع الأجور في سورية، مؤكدة على الضرورة الملحّة لوضع معايير علمية وواضحة لتحديد الحد الأدنى للأجور بما يضمن ردم الفجوة العميقة مع تكاليف المعيشة، وأكدت على أهمية معالجة الفوارق في الأجور بين الجنسين، مستعرضة الأسباب الهيكلية والاقتصادية التي تؤدي إلى وجود هذه الفجوة في سوق العمل، وشددت على ضرورة تبني سياسات تضمن المساواة التامة في الأجر والتعويضات عن الأعمال ذات القيمة المتساوية، التزاماً بالمعايير الدولية وتفعيلاً لدور المرأة في عملية التعافي الاقتصادي.
وتركزت نقاشات المشاركين حول المعايير العلمية التي يمكن اعتمادها في وضع حد أدنى للأجور، والآليات الفنية لتحديده وكيفية البدء في تنفيذه على أرض الواقع. كما بحث المشاركون تقديم مقترحات عملية لتحفيز أرباب العمل على زيادة الأجور والامتثال لتطبيق القوانين والأنظمة بعيداً عن لغة التهديد، بما يضمن مصلحة الطرفين. كما تم تحليل مخاطر غياب التسجيل في التأمينات الاجتماعية، وتحليل استقرار الأجر والحماية القانونية للعمال غير المسجلين. ونوقش أيضاً تباين الحد الأدنى للأجور حسب المناطق الجغرافية والقطاع الاقتصادي، وعدالة توزيع الأجور والمكافآت بين الجنسين. وتطرقت النقاشات إلى أهمية الحوار الاجتماعي واستشراف المستقبل، وتقييم قنوات الاتصال بين أصحاب العمل والحكومة واتحاد نقابات العمال في مفاوضات الأجور.
جلسة أخرى مع أرباب العمل
وأجرت منظمة العمل الدولية أيضاً جلسة نقاش مركزة استضافتها غرفة صناعة دمشق وريفها، وبمشاركة أرباب العمل من اتحادات غرف الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة. وهدفت الجلسة إلى تسليط الضوء على اتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة، وتحديداً الاتفاقيتين رقم 100 ورقم 131، المتعلقتين بتحديد الحد الأدنى للأجور وضمان المساواة في الأجر عن عمل ذي قيمة متساوية. وقد قدّمت المستشارة د. رشا سيروب لمحة عن هذه الاتفاقيات، مؤكدة على أهمية إجراء دراسات لبناء قاعدة معرفية حول الأجور، وتحرير النظام الحالي للأجور، وتعزيز القدرات، وتفعيل الحوار الاجتماعي الثلاثي. هذا الحوار، الذي يجمع بين الحكومة وأرباب العمل والعمال، يُعد ركيزة أساسية لوضع خطط قابلة للتنفيذ تعود بالنفع المتبادل على جميع الأطراف.
تطرقت المناقشات إلى آليات ومعايير احتساب الأجور والزيادات للعاملين، مع التركيز على انعكاسات رسوم التأمينات الاجتماعية على تكاليف الإنتاج والقدرة التنافسية للقطاع الخاص. وقد أوضح ممثلو أرباب العمل أن تحديد الأجور يعتمد على عوامل العرض والطلب، والكفاءات، والخبرات، والعوامل الاقتصادية والإنتاجية، وحذّروا من أن تحديد حد أدنى مبالغ فيه للأجور قد يؤثر سلباً على القطاع الخاص، ويسهم في زيادة البطالة، بل وقد يؤدي إلى توقف بعض المنشآت عن العمل.
في هذا السياق، تم التأكيد من قبل أرباب العمل على أهمية وضع الحد الأدنى للأجور ضمن أطر واقعية ومدروسة. كما طالب الحضور بخفض نسب رسوم التأمينات الاجتماعية، معتبرين أن ذلك من شأنه أن يشجّع أرباب العمل على الالتزام الكامل بها، وأن يساهم في زيادة دخل مؤسسة التأمينات الاجتماعية، مما يعزز استدامتها.
وفي ختام الجلسة، خرج المشاركون بعدد من التوصيات، أبرزها ضرورة تعزيز تمثيل العمال في لجان تحديد الأجور، وتطوير آليات الحوار الاجتماعي، وتوفير بيانات دقيقة تدعم وضع سياسات عادلة ومستدامة للأجور.
كما أكدت منظمة العمل الدولية أنها ستواصل التنسيق مع مختلف الجهات المعنية بهدف التوصل إلى حلول تسهم في رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة في ظل التضخم.
المصادر: الموقع الرسمي لاتحاد نقابات العمال – جريدة الوطن
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275