كيف يمكن إنقاذ العمال في سورية؟ بين الممكن والمطلوب

كيف يمكن إنقاذ العمال في سورية؟ بين الممكن والمطلوب

لم تعد أوضاع العمال في سورية تحتمل المعالجات الجزئية أو الحلول المؤقتة. فالفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتآكل الحماية الاجتماعية، كلها مؤشرات على خلل بنيوي عميق في سوق العمل. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن إنقاذ العمال؟ وإذا كان الجواب نعم، فما الذي يمكن فعله عمليّاً ضمن الظروف القائمة، وما الذي يبقى في إطار المطلوب على المدى الأبعد؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين مستويين: الإجراءات الممكنة فوراً ضمن الإمكانات الحالية، والإصلاحات الهيكلية المطلوبة التي تحتاج إلى إرادة وسياسات طويلة الأمد.


أولاً: ما هو الممكن الآن؟


رغم تعقيد المشهد الاقتصادي، لا تزال هناك خطوات يمكن اتخاذها للتخفيف من معاناة العمال، دون الحاجة إلى تغييرات جذرية فورية:
1. ربط الأجور بتكاليف المعيشة
إذا كانت الحجة ضخامة الموضوع للتنفيذ الفوري لكن يمكن اعتماد آلية تعديل دورية للأجور (شهرية أو كل ثلاثة اشهر) مرتبطة بمؤشر أسعار أساسي معترف عليه ومتفق عليه بين اختصاصيين ذوي كفاءة و النقابات و الحكومة. حتى زيادات محدودة ولكن منتظمة، يمكن أن تخفف من التآكل المستمر في القدرة الشرائية.
2. دعم غير مباشر بدلاً من زيادات شكلية
في كثير من الأحيان، تفقد زيادة الرواتب قيمتها بسرعة بسبب التضخم. لذلك، يمكن توجيه الدعم نحو تخفيف النفقات الأساسية للعامل، مثل: دعم النقل (بطاقات نقل مدعومة) ودعم المواد الأساسية عبر قنوات منظمة، إضافة إلى تخفيض تكاليف الخدمات (كهرباء، اتصالات) للفئات ذات الدخل المحدود. هذا النوع من الدعم قد يكون أكثر فاعلية من زيادة رقمية في الراتب.
3. تنظيم جزئي لسوق العمل غير الرسمي
بدلاً من تجاهل الاقتصاد غير المنظم، يمكن العمل على إدماجه تدريجياً من خلال تبسيط إجراءات تسجيل الأعمال الصغيرة وتخفيض الرسوم والقيود، مع تقديم حوافز للانتقال إلى العمل النظامي. هذا لا يحل المشكلة بالكامل، لكنه يقلل من هشاشة العمال تدريجياً.
4. تفعيل الرقابة على شروط العمل
حتى في ظل ضعف الإمكانات، يمكن تحسين شروط العمل عبر تشديد الرقابة على ساعات العمل والحد من الأجور المتدنية بشكل فاضح، وفرض حد أدنى من السلامة المهنية مع تطبيق الحد الأدنى من القانون. يمكن أن يحدث ذلك فرقاً ملموساً.


ثانياً: ما هو المطلوب على المدى الأبعد؟


إذا كانت الإجراءات السابقة تخفف الأعراض، فإن الحل الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب.
1. إعادة بناء منظومة الأجور
المشكلة ليست فقط في انخفاض الأجور، بل في غياب هيكل عادل ومنطقي للأجور. المطلوب هو: تحديد حد أدنى للأجور مرتبط فعلياً بسلة المعيشة، وتقليص الفجوات الكبيرة بين القطاعات، وربط الأجر بالإنتاجية بشكل مدروس. هذا يتطلب سياسة اقتصادية واضحة، لا مجرد قرارات متفرقة.
1. تعزيز الحماية الاجتماعية
لا يمكن الحديث عن استقرار سوق العمل دون وجود شبكة أمان حقيقية، تشمل: تأميناً صحياً فعالاً، وتعويضات بطالة (حتى لو كانت محدودة)، ونظام تقاعد يحفظ كرامة العامل. الحماية الاجتماعية ليست عبئاً اقتصادياً، بل استثمار في الاستقرار.
2. إعادة تفعيل دور النقابات
في وضعها الحالي، لا تؤدي النقابات الدور المطلوب في تمثيل العمال. المطلوب هو: تعزيز استقلالية النقابات وتمكينها من التفاوض الحقيقي على الأجور، وإشراكها في رسم السياسات الاقتصادية. وبدون تمثيل فعلي، يبقى صوت العامل ضعيفاً ومشتتاً.
3. خلق فرص عمل منتجة لا هشة
المشكلة ليست فقط في قلة فرص العمل، بل في نوعيتها. فالكثير من الوظائف الحالية منخفضة الإنتاجية، غير مستقرة، ولا توفر أي أمان. والحل يتطلب توجيه الاقتصاد نحو قطاعات منتجة (صناعة، زراعة، خدمات ذات قيمة مضافة)، بدلاً من الاعتماد على أنشطة هامشية.
4. ضبط العلاقة بين السوق والدولة
ترك سوق العمل لقوى السوق وحدها، في ظل ضعف الرقابة، يؤدي حتماً إلى اختلالات. وفي المقابل، التدخل العشوائي قد يزيد التعقيد. المطلوب هو: دور منظم للدولة، لا مسيطر بالكامل ولا غائب، مع اتباع سياسات واضحة توازن بين مصلحة العامل وصاحب العمل، وبيئة قانونية مستقرة يمكن التنبؤ بها.


التحدي الأكبر: فجوة الثقة


حتى مع وجود سياسات جيدة، يبقى هناك تحدٍ أساسي: فجوة الثقة. فالكثير من العمال لا يثقون بأن أي إصلاحات ستنعكس فعلياً على حياتهم، نتيجة تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة.
إعادة بناء هذه الثقة تتطلب: شفافية في القرارات، وضوحاً في الأهداف، ونتائج ملموسة، حتى لو كانت تدريجية.


بين الممكن والمطلوب: هل هناك طريق؟


قد يبدو الفارق بين الممكن والمطلوب كبيراً، لكنه ليس مستحيلاً. فالتجارب الاقتصادية تُظهر أن التحسن لا يأتي دفعة واحدة، بل عبر خطوات تراكمية. المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بشكل متكامل.
إنقاذ العمال لا يعني فقط تحسين أوضاعهم المعيشية، بل إعادة التوازن إلى المجتمع ككل. فالعامل ليس مجرد عنصر في العملية الإنتاجية، بل هو أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن استمرار الوضع الحالي يعني تعميق الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة، واتساع رقعة الفقر، وتزايد هشاشة سوق العمل. في المقابل، فإن اتخاذ خطوات - ولو كانت محدودة - يمكن أن يضع البلاد على مسار مختلف.
بين الممكن والمطلوب، هناك مساحة للعمل، تبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة، وتنتهي بسياسات تضع العامل في مركز الاهتمام، لا على هامشه. لأن أي اقتصاد لا يحمي عماله، لا يمكن أن يكون اقتصاداً مستقِراً أو قابلاً للاستمرار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275