ما الغاية من الزيادات النوعية للأجور لبعض القطاعات دون غيرها؟

ما الغاية من الزيادات النوعية للأجور لبعض القطاعات دون غيرها؟

تعتمد السلطات السورية الحالية في زيادة الرواتب أسلوب الزيادات النوعية لبعض فئات الموظفين باختصاصات معينة دون بقية الموظفين، وهذا الأسلوب جديد على القطاع العام في سوريا، بينما ينص قانون العاملين الأساسي في الدولة على أن أي زيادة تصدر بموجب مراسيم جمهورية تشمل جميع الموظفين دون استثناء وتشمل جميع قطاعات الدولة ومؤسساتها.

وإذا كانت تصريحات وزير المالية تفيد بأن الزيادات تستهدف الموظفين حسب طبيعة عملهم، فهذا يفتح الباب على سؤال: من يحدد طبيعة العمل داخل المديريات؟ وبالتالي قد يفتح باب الوساطات والمحسوبيات، ويترك لإدارة كل مؤسسة على حدة تحديد من يستفيد من هذه الزيادات ومن لا يستفيد، دون رقابة أو معايير يمكن تتبعها والتدقيق بها والرقابة عليها وضمان نزاهتها وأحقيّتها في الوقت عينه.


تساوي الحد الأدنى للأجور والحد الضروري للمعيشة أولاً


إن التفكير بأي زيادة رواتب لفئة محددة من الموظفين دون غيرها في سوريا لا يمكن النظر إليه كإجراء اقتصادي معزول، بل هو مسألة تمس جوهر العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي. ففي ظل واقع اقتصادي متدهور يتسم بارتفاع حاد في الأسعار (وخصوصاً في المواد الغذائية) وتآكل القدرة الشرائية للجميع دون استثناء، يصبح التمييز في الرواتب عملاً إضافياً لتفكيك التوازن الاجتماعي بدلاً من إصلاحه. ولا يمكن الحديث بذلك قبل تحقيق شرط التساوي بين الحد الأدنى للأجور والحد الأدنى للمعيشة، ولاحقاً يمكن قوننة مجموعة من الأفكار التي تمايز بين القطاعات بأعمالها وأجورها.
أول ما يبرز هو أن جميع الموظفين بمختلف قطاعاتهم يعيشون ضمن البيئة الاقتصادية نفسها من حيث: أسعار الغذاء، وتكاليف السكن، وأعباء النقل والخدمات. وبالتالي فإن تخصيص زيادات لفئة دون أخرى يخلق فجوة غير مبررة بين أشخاص يتشاركون المعاناة اليومية نفسها. هذه الفجوة لا تعكس فروقاً حقيقية في الحاجة أو مستوى المعيشة، بل تبدو أقرب إلى تمييز شرائحي أو فئوي يضعف الإحساس بالإنصاف والعدالة، علماً أن القوانين لحظت بعض تلك الضرورات في الكثير من المواضع وعالجتها بنسبة تعويض طبيعة العمل.
من جهة أخرى يؤدي هذا التفاوت إلى شعور عميق بالغبن لدى الفئات المستثناة. فالموظف الذي لم تشمله الزيادة يرى أن دخله يتآكل يوماً بعد يوم، بينما يتحسن دخل زميله جزئياً، رغم أن كليهما يواجه الضغوط نفسها. هذا الشعور لا يبقى ضمن إطار نفسي فقط بل ينعكس على الإنتاجية والانتماء الوظيفي، حيث يفقد العامل الدافع للعمل في ظل إحساسه بأن جهده غير مقدَّر أو أن النظام غير عادل، وهذا يغذي تناقضات ليس لها داعٍ في مثل هذه الظروف، فما زالت الرواتب لا تؤدي غاية الكفاف والستر.
كما أن هذه السياسات تعزز الانقسام داخل الجهاز الوظيفي نفسه. فبدلاً من أن يكون هناك تضامن بين الموظفين في مواجهة الأزمة الاقتصادية، تتشكل طبقات داخلية: محسَّنة نسبياً وأخرى متروكة، ما يخلق احتقاناً اجتماعياً صامتاً قد يتطور إلى صراعات أو توترات داخل المؤسسات.


تصنيف جديد بين من يعاني ومن يعاني أكثر


الأخطر من ذلك كله أن هذه الزيادات النوعية والجزئية لا تعالج أصل المشكلة بل تُفاقمها. فعندما ترتفع رواتب شريحة معينة دون زيادة الإنتاج أو ضبط الأسواق، غالباً ما ينعكس ذلك على الأسعار، ما يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تلتهم هذه الزيادات بسرعة وتضر أكثر بالفئات التي لم تحصل على أي تحسين. وهكذا تصبح الزيادة المحدودة عاملاً إضافياً في تسريع تدهور القوة الشرائية العامة.
من منظور العدالة الاجتماعية، فإن أي سياسة رواتب يجب أن تقوم على مبدأين أساسيين: الشمول النسبي، وربط الأجور بتكاليف المعيشة الفعلية. وأيّ تحسين للدخل يجب أن يستهدف جميع العاملين بشكل متوازن مع مراعاة الفروقات الوظيفية المعقولة، وليس خلق فجوات حادة بينهم. كما يجب أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية أوسع تشمل ضبط الأسعار ودعم السلع الأساسية وتحفيز الإنتاج.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه في سياق هذه الزيادات النوعية هو: من أين يتم تمويلها؟ ففي ظل عجز مالي مزمن، وتراجع الإيرادات العامة للدولة نتيجة ضعف النشاط الاقتصادي وتآكل القاعدة الضريبية، لا تبدو مصادر التمويل واضحة أو مستدامة. فإذا كانت هذه الزيادات تُموَّل من خلال إعادة توزيع داخلية للموازنة، فهذا يعني عملياً اقتطاع الموارد من بنود أخرى قد تكون خدمية أو استثمارية، ما ينعكس سلباً على مجمل الاقتصاد والخدمات العامة. أما إذا جرى تمويلها عبر التوسع في الإصدار النقدي، فإن ذلك يحمل مخاطر تضخمية مباشرة، تؤدي إلى تآكل قيمة الزيادة نفسها خلال فترة قصيرة، وتفاقم الأعباء على جميع المواطنين، وخصوصاً الفئات غير المشمولة بأي تحسين. وفي حال كان التمويل قائماً على زيادة الرسوم أو الضرائب، فإن العبء سينتقل بشكل غير مباشر إلى المجتمع ككل، بما في ذلك الفئات التي لم تستفد أصلاً من هذه الزيادات. وعليه، فإن غياب الشفافية في توضيح مصادر التمويل لا يقل خطورة عن غياب العدالة في توزيع الزيادات نفسها، إذ يجعل هذه السياسات عرضة للتشكيك في جدواها واستدامتها، ويعزز الانطباع بأنها حلول مؤقتة ترحِّل الأزمة بدلاً من معالجتها.
في النهاية يمكن القول إن زيادة رواتب فئة دون أخرى في وضع مثل الذي في سوريا لا تعتبر حلاً، بل هي إعادة توزيع للمعاناة نفسها. فهي لا ترفع مستوى المعيشة فعلياً، بل تعيد ترتيب من يعاني أكثر ومن يعاني أقل، دون أن تمس جذور الأزمة الاقتصادية التي تطال الجميع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273