الإضراب العام في المملكة المتحدة 1926: قصة الصراع الذي هز بريطانيا

الإضراب العام في المملكة المتحدة 1926: قصة الصراع الذي هز بريطانيا

في عام 1921، حاول أصحاب المناجم فرض تخفيضات على الأجور، لكن الحكومة أعلنت حالة الطوارئ وتراجعوا. لكن الأزمة لم تحل، بل تفاقمت. ففي عام 1925، أعلن أصحاب المناجم أنهم سيخفضون الأجور بنسبة 13% ويزيدون ساعات العمل من 7 إلى 8 ساعات يومياً. كان عمال المناجم يعملون في ظروف قاسية: ساعات طويلة، مخاطر صحية دائمة (أمراض الرئة، الانهيارات)، وأجور لا تكاد تسد الرمق. وفي 31 يوليو 1925، هدد عمال المناجم بالإضراب، ووقفت نقابات السكك الحديدية والنقل إلى جانبهم، ووعدوا بتنظيم إضراب تضامني.

تراجعت الحكومة المحافظة برئاسة ستانلي بلدوين في اللحظة الأخيرة، وقررت منح إعانة مالية لصناعة الفحم لمدة 9 أشهر للحفاظ على الأجور الحالية، وشكلت لجنة رويال (لجنة تحقيق ملكية) برئاسة السير هربرت صموئيل لدراسة مستقبل صناعة الفحم.
احتفلت النقابات بهذا اليوم باعتباره «الجمعة الحمراء»، لكنهم أدركوا لاحقاً أنها لم تكن إلا مجرد مهلة.
بعد 9 أشهر، أصدرت اللجنة تقريرها المخيب للآمال، حيث رفضت المطالبة بتأميم المناجم، وأوصت بتخفيض الأجور بنسبة 13.5% وزيادة ساعات العمل وتقليص الدعم الحكومي.


رفض قرارات اللجنة وبداية الإضراب


رفض عمال المناجم التقرير، وأعلنوا في مايو 1926 رفضهم القاطع للتخفيضات. حينها، قرر المؤتمر العام لنقابات العمال (TUC) – الهيئة الأم للنقابات البريطانية – دعم عمال المناجم، وأصدر إنذاراً نهائياً للحكومة: إذا لم تتدخل لوقف التخفيضات، سيُعلن إضراب عام في 3 مايو. ورغم تكثيف المفاوضات ومحاولة رئيس الوزراء بلدوين الوساطة، إلا أنه في صباح 4 مايو 1926، استيقظت بريطانيا على مشهد لم تشهده من قبل، حيث توقف 1.7 مليون عامل عن العمل في قطاعات النقل (السكك الحديدية، الموانئ، الحافلات، الشاحنات)، الكهرباء، الطباعة، الحديد والصلب، البناء، المواد الكيميائية. أصبحت لندن شبه مشلولة: دون مترو، دون حافلات، ولا صحف، والموانئ مغلقة بالكامل، لا سفن تغادر أو ترسو، كل ذلك تحت شعارهم الأساسي: «ليس من أجل أنفسنا فقط، بل من أجل عمال المناجم ولكل العمال!»
شكلت النقابات لجان إضراب محلية في كل مدينة وبلدة. وكانت المهام: تنظيم الاعتصامات السلمية، وتوزيع المواد الغذائية على المضربين وعائلاتهم (من صندوق الإضراب المركزي)، وإصدار نشرات إخبارية بديلة (صحف مطبوعة سراً)، ولجنة لمنع العنف والتخريب.
كان الانضباط النقابي مذهلاً. وكرد فعل على الإضراب، قامت الحكومة بإجراءات غير مسبوقة:
1. إعلان حالة الطوارئ بموجب قانون الدفاع عن العالم 1920.
2. تجنيد متطوعين من الطبقة الوسطى والطلاب لتشغيل الخدمات الأساسية، أُطلق عليهم لقب «الحكومة المنظمة للحصار».
3. استخدام الجيش لقيادة القطارات والشاحنات العسكرية.
4. إذاعة بريطانيا (BBC) تحت سيطرة الحكومة: بثت دعاية مناهضة للإضراب، وأطلقت على المضربين اسم «الثوار».
5. تخزين المواد الغذائية تحسباً لنقص التموين.
من 6 إلى 8 مايو كانت ذروة الإضراب، فقد وصل عدد المشاركين إلى أكثر من 2 مليون في بعض الأيام.


انفراط عقد التحالف النقابي


أدرك قادة النقابات أن الإضراب لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، فصندوق الإضراب بدأ ينفد، والحكومة لا تتراجع. ورغم إطلاق الوساطات، إلا أن رئيس الوزراء بلدوين رفض أي ضمانات رسمية، وأصر على أن ينتهي الإضراب دون شروط أولاً.
في صباح 12 مايو، أعلن المؤتمر العام لنقابات العمال (TUC) إنهاء الإضراب دون تحقيق أي من مطالبه. ذهبوا إلى داونينغ ستريت ليخبروا بلدوين بقرارهم. قال بلدوين عبارته الشهيرة: «أحتاج إلى توقيعكم على الاستسلام».
انسحب قادة النقابات وعاد العمال إلى أعمالهم. إلا أن عمال المناجم رفضوا العودة واستمروا في الإضراب بمفردهم وحيدين لمدة 7 أشهر إضافية. لكن بدون دعم النقابات الأخرى، كانوا معزولين تماماً. صمدوا حتى نوفمبر، حين اضطر آخرهم للعودة إلى العمل تحت شروط أسوأ مما عُرض عليهم في البداية.


النتائج والتداعيات والتأثيرات السياسية


تم تخفيض الأجور بنسبة 10-20%، وزيادة ساعات العمل، وتسريع إغلاق المناجم غير المربحة، وخسارة 200 ألف عامل منجم بين 1926 و1930. وتراجع أعداد العضويات من 5.5 ملايين عام 1926 إلى 4.4 ملايين عام 1928. وأصدرت الحكومة قانون النزاعات الصناعية 1927 (أداة الانتقام) لتقطيع أوصال الحركة النقابية. وأبرز بنوده:
• تجريم الإضرابات التضامنية (أي إضراب لدعم نقابة أخرى).
• حظر الإضرابات التي تهدف إلى إكراه الحكومة سياسياً.
• فرض نظام الاشتراك الفردي بدل الاشتراك الجماعي (إضعاف تمويل حزب العمال).
• حظر إضرابات الخدمات العامة.
ظل هذا القانون ساري المفعول حتى ألغاه حزب العمال عام 1946.


العوامل الذاتية لفشل الإضراب


1. الاعتماد على تضامن وهمي غير منظم: فقد تخلى المؤتمر العام لنقابات العمال عن عمال المناجم، وانهارت المقاومة. «قوة النقابات في وحدتها، وهزيمتها في انقسامها».
2. الاستعداد المالي واللوجستي لم يكن كافياً: حيث صمدت الحكومة لأنها كانت مستعدة مادياً ولوجستياً، في حين أن النقابات استنزفت صندوق الإضراب في 9 أيام فقط.
3. الحضور الإعلامي كان متواضعاً: في حين استخدمت الحكومة BBC والصحيفة الرسمية لتشكيل الرأي العام ضد المضربين.
4. بدأ الإضراب دون خطة واضحة لكيفية «الفوز» أو كيفية «الانسحاب بشرف»، فانتهى باستسلام. لا إضراب عام بلا استراتيجية خروج.
لم ينس عمال المناجم هذه التجربة أبداً. ظل إضراب 1926 جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية للطبقة العاملة البريطانية. في إضراب المناجم الكبير 1984-1985، كان شعار عمال المناجم: «لن نكرر 1926». وإلى اليوم، يظل الإضراب العام 1926 أضخم حركة احتجاج عمالي في تاريخ بريطانيا، ودرساً قاسياً تعلمت منه كافة القوى النقابية الأوروبية والعالمية. وكما قال المؤرخ كريستوفر فارمر: «لم يكن إضراب 1926 مجرد إضراب، بل كان حرباً أهلية باردة – انتصرت فيها الحكومة، لكن العمال دفعوا الثمن لعقود».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271