العامل السوري ومعادلة الأجر والأسعار
شهدت الأسواق خلال الشهرين الأخيرين زيادات غير معقولة في الأسعار، خاصة للمواد الغذائية واللحوم والخضروات، مما جعل تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية تحدياً حقيقياً لغالبية العمال والموظفين. إذ لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى سمة بنيوية في الحياة اليومية تؤدي إلى تآكل مستمر في قيمة الرواتب والأجور، بحيث فقدت جميع الزيادات التي صدرت في الآونة الأخيرة معناها الفعلي.
في الظاهر تبدو المشكلة وكأنها فجوة بين الدخل والإنفاق، لكن في العمق هي تعبير عن اختلالات اقتصادية هيكلية عميقة. فالعامل أو الموظف الذي يحصل على دخل ثابت يجد نفسه في مواجهة سوق متقلبة ترتفع فيها أسعار المواد الأساسية بوتيرة تفوق بكثير أي زيادات حكومية على الأجور. وهنا تظهر مفارقة قاسية: فكلما أُعلنَ عن زيادة في الرواتب، ترافقت معها موجة من ارتفاع الأسعار والغلاء، لتتبخر الزيادة قبل أن تنعكس على مستوى المعيشة.
تراجع الإنتاج
السبب الأول والأكثر وضوحاً يعود إلى تراجع القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري. فالحرب الطويلة أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الزراعية والصناعية، وخروج مساحات واسعة من الأراضي الخصبة عن الاستثمار، إضافة إلى نقص مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومحروقات. هذا التراجع في الإنتاج المحلي أدى إلى انخفاض العرض من المواد الغذائية، مما يخلق ضغطاً تصاعدياً على الأسعار.
سعر الصرف
إلى جانب ذلك، تلعب تقلبات سعر الصرف دوراً حاسماً في تحديد الأسعار. فمع اعتماد السوق بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية، تصبح الأسعار مرتبطة مباشرة بقيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية. وكل تغيّر في سعر الصرف باتجاه الإضرار بالليرة ينعكس فوراً في ارتفاع تكاليف الاستيراد، وبالتالي زيادة في أسعار السلع في السوق المحلية. وبما أن الرواتب تدفع بالليرة، فإنَّ قيمتها الحقيقية تتآكل مع كل انخفاض في سعرها.
العنصر الحاسم
ولكن يبقى العنصر الأبرز والحاسم في تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي هو سياسات الحكومة الانتقالية التي تُحوِّلُ اعتماد البلاد بشكل كامل على الاستيراد (المواد الغذائية والمحروقات والمواد الأولية والأدوية) من خلال خفض الرسوم الجمركية وفتح الأسواق أمام البضائع الأجنبية، وضرب الإنتاج الزراعي والصناعي والحرفي، بصنفيه الخاص والعام، وخصخصة القطاع العام وبيع المعامل والمنشآت الحكومية. حتى مؤسسات التدخل الإيجابي تحولت إلى سوق للبضائع الأجنبية الرديئة، ما حوَّل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد تابع بشكل شبه كامل للخارج ومخاطره.
العامل الثالث يتمثل بضعف آليات الرقابة على الأسعار وانتشار الاحتكار. ففي ظل غياب ضبط فعَّال للأسعار، يتمكن بعض التجار من التحكم بالسوق ورفع الأسعار بشكل يفوق التكلفة الحقيقية، مستفيدين من حالة عدم الاستقرار. كما أن تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك يضيف أعباء إضافية على السعر النهائي، ما يجعل المواد الغذائية تصل إلى المواطن بأسعار مضاعفة. ولكن يبقى تأثير الرقابة على الأسعار محدوداً في ظل تشوهات هيكلية في الاقتصاد السوري من خلال تراجع الإنتاج والاعتماد على الاستيراد.
كما أن العقوبات، والتي ما تزال موجودة فعلياً على الاقتصاد السوري، والتي حدَّت من قدرة البلاد على الاستيراد والحصول على المواد الأساسية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وصعوبة التحويلات المالية، كلها عوامل تساهم في رفع أسعار السلع المستوردة بما فيها المواد الغذائية.
من جهة أخرى، فإن السياسات المتبعة لم تنجح في تحقيق توازن بين الأجور والأسعار. فالزيادات على الرواتب غالباً ما تكون محدودة وتأتي كرد فعل متأخر على موجات الغلاء، دون أن تترافق بإجراءات حقيقية لضبط السوق أو دعم الإنتاج. وبدلاً من أن تؤدي هذه الزيادات إلى تحسين القدرة الشرائية، تتحول إلى عنصر إضافي في تغذية التضخم، خصوصاً في ظل ضعف العرض.
النتيجة المباشرة لهذه العوامل هي تآكل القوة الشرائية للرواتب. فالموظف الذي كان راتبه يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية قبل سنوات، أصبح اليوم عاجزاً عن تأمين جزء كبير منها. وأصبحت الأولويات تقتصر على الغذاء، ومع ذلك لم يعد بالإمكان تأمينه بالكميات والجودة المطلوبة. هذا التراجع في مستوى المعيشة يفرض تغييرات قسرية على نمط الحياة: من تقليص للوجبات إلى الاستغناء عن مواد غذائية أساسية، وصولاً إلى الاعتماد على الديون والمساعدات.
كما أن هذا الواقع يخلق آثاراً اجتماعية بعيدة المدى. فزيادة الفقر تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطبقات، وتراجع الاستقرار الاجتماعي، وارتفاع معدلات الهجرة بحثاً عن فرص أفضل. كذلك، فإن الضغط الاقتصادي المستمر ينعكس على الصحة النفسية للأفراد ويؤثر على إنتاجيتهم في العمل، ما يعمق الأزمة الاقتصادية بدلاً من حلها.
في المحصِّلة، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في سوريا ليس مجرد نتيجة ظرفية، بل هو انعكاس مباشر لتشابك عوامل إنتاجية ونقدية وسياسية. ومع استمرار هذه العوامل دون معالجة جذرية، ستبقى الرواتب والأجور في حالة تآكل مستمر، وسيظل أي تحسن شكلي فيها غير قادر على تعويض الخسارة الفعلية في القدرة الشرائية.
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي والصناعي، وضبط سعر الصرف، وتعزيز الرقابة على الأسواق ومحاربة الاحتكار، إضافة إلى تصميم سياسات أجور مرتبطة بمستوى الأسعار الحقيقي. دون ذلك، سيبقى العامل السوري عالقاً في معادلة قاسية بين الأجور والأسعار، حيث يزداد الإجهاد وتتراجع القدرة على العيش الكريم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271
ميلاد شوقي