بصراحة الزيادة الجديدة على الأجور: ترميم لتضخم سابق وسبب لتضخم قادم
ما إن صدر مرسوم الزيادة الجديدة مع بداية عطلة عيد الفطر حتى بدأت النقاشات والأسئلة تدور حولها. وبعيداً عن التحليل الاقتصادي الذي نتركه لأهل الاختصاص، لا بد لنا من جولة بين تلك الطروحات والأسئلة، خاصة أن الزيادة فُعِّلَت كمثيلاتها وبالتسلسل المعتاد نفسه الذي يبدأ بارتياح وترحيب ومباركة مؤقَّتة تدوم لأيامٍ قليلة أو ساعات، لندخل بعدها المرحلة التالية والدائمة، التي عنوانها الحذر والتخوف، وصولاً إلى مواجهة نتائجها بشكل واقعي مُعاش. ويمكن تلمُّس ذلك من مضامين الطروحات والأسئلة المفتوحة التي عجَّت بها وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها. فموظفو القطاع العام خَبِروا كل ذلك. فالبعض اعتبر أن الزيادة مجرد إجراء إسعافي اضطراري يهدف إلى ترميم جزء من القوة الشرائية المفقودة التي تآكلت بالفعل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بشكل جليّ، أي أنَّ التضخم المتسارع وارتفاع حدة الاستياء المعيشي والخدمي استدعى الزيادة. في حين رأى البعض أن الزيادة بحد ذاتها ستعود وترفع الأسعار بنسبة أعلى من القيمة الشرائية للزيادة، وأنَّ ما أُعطي باليد اليمنى سيؤخذ باليسرى، حتى وإن ادَّعت الحكومة أن تمويل الزيادة ذاتيٌّ وحقيقي وليس من طباعة ورق جديد. وبرزت جملة من الآراء التي ذهبت إلى أبعد من ذلك، والتي اعتبرت أن التضخم تحوَّل من دوري إلى بنيوي، وأن أي زيادة على الأجور دون برنامج اقتصادي متكامل معتمد على الإنتاج الحقيقي، سينقل الكتلة النقدية الجديدة إلى جيب الحكومة أولاً من خلال زيادة أسعار المحروقات والخبز وسعر الصرف والرسوم والضرائب وحزمة من رسوم الخدمات الجديدة، وإلى جيب التجار ثانياً من خلال رفع أسعار المواد بنسبة تفوق زيادة كلفة إنتاجها لتوسيع هامش الربح.
إن المفارقات بين حالة الارتياح المؤقت والتوجُّس المزمن ومقاومة النتائج التي تصيب العاملين بأجر لم تأتِ من فراغ. فالحساب البديهي لأي زيادة في ظل السوق السوري المتفلِّت من عقاله لن يكون سوى إزاحة لخط الفقر، الذي يصيب الأغلبية الطبقية في البلاد من مكان إلى آخر، إزاحةً أكثر حدة. وإنْ كان الهدف من أي زيادة هو تحسين الوضع المعيشي لموظفي القطاع العام من خلال الرقم فقط، فإنَّ ذلك شبه مستحيل، إلا إنْ كانت تصحبه مجموعة أخرى من الإجراءات، وعلى رأسها تفعيل دور دولةٍ قوي يطلق الإنتاج الزراعي والصناعي والتجارة الداخلية، مع تفعيل مفهوم الأجر غير المباشر بدعم واحتكار السلة الاستهلاكية من غذاء ودواء وطاقة ومواصلات، ويحمي الإنتاج الوطني، ويخفض رسوم الجمارك على كلّ المواد الأولية الداخلة في الصناعة السورية والزراعة، مع إيقاف كل ظواهر التلاعب بسعر الصرف. أما أن نكتفي بزيادة الأجر رقمياً دون حماية لقوته الشرائية، فذلك كصبِّ الماء في قِدْرٍ مخرومة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270