العاملون في العيد بين الغياب الاجتماعي والاستغلال المادي
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

العاملون في العيد بين الغياب الاجتماعي والاستغلال المادي

مع حلول عطلة عيد الفطر، تعجُّ الأسواق المحلية الكبرى والمتوسطة والمنشآت الخدمية بالزوار والعائلات التي تقصد المنتزهات والمطاعم والمقاهي والمولات التجارية وأسواق الأكل، للقيام بنشاطها الاجتماعي والترفيهي المعتاد، رغم انكفائها في المناطق المفتوحة بسبب حالة الطقس الماطر وتعويضها بالمناطق المغلقة كالمولات. وخلف هذه الأجواء المزدحمة والمبهجة، يحضر عشرات آلاف العمال بمختلف شرائحهم وفئاتهم في هذا القطاع واقعاً مختلفاً تماماً. فحصتهم من العطلة مجرد عمل شاق ومجهد مضاعف بعلّة الذروة المستمرة لساعات طويلة، ومردود مالي شحيح غير عادل لا يتناسب مع جملة التضحيات الاجتماعية والصحية والنفسية التي يتعرضون لها. في حين ترتفع الإيرادات المالية لصاحب العمل والمستثمر أضعافاً مضاعفة بهوامش ربحية عالية نتيجة رجحان كفة الطلب على المنتجات والخدمات في موسم العيد. وللعمل في كل ذلك «أذن الجمل»، إن لم نقل أقل من ذلك.

أرباح مضاعفة والعمال خارج المعادلة


في وقت يفترض أن تتضاعف فيه أجور العمل الإضافي خلال العطل الرسمية بموجب قوانين العمل، حيث تشير المادة 84 من قانون العمل السوري إلى استحقاق العامل أجراً إضافياً لا يقل عن 150% من أجره العادي مقابل ساعات العمل الإضافي، وتصل النسبة إلى 200% في أيام العطل والأعياد - لكن الواقع الميداني يكشف فجوة صارخة بين النص القانوني والتطبيق. فمعظم هؤلاء العمال يؤدون عملهم لساعات تتراوح بين 10 و12 ساعة يومياً طوال أيام العيد، ويوم أو يومين إضافيين، دون أن تحسب ساعات العمل الإضافي وفق النسب القانونية، ويُدفع لهم أجر يومي ثابت لا يختلف عن الأيام العادية. بل إن بعض المنشآت تتذرع بأن «العمل خلال العيد فرصة للكسب» لتبرير رفضها دفع الأجر المستحق. وحين يحاججهم البعض، ستجدهم يقولون جملتهم الشائعة: «ما بقى غير تجي تشاركني برزقي».


غياب قسري عن العائلة بثمن بخس


يضاف إلى الجانب المادي جوانب أخرى، حيث يشكل غياب العامل عن أسرته خلال أيام العيد خسارة معنوية لا تعوَّض. فبينما يقضي أفراد المجتمع أوقاتهم في الزيارات العائلية وصلة الرحم والترفيه والنشاط الروحي، يجد هؤلاء العمال أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم في التواصل الأسري والراحة النفسية التي تتيحها النشاطات الاجتماعية والترفيهية تلك، والتي تشهد تراجعاً بالأساس بسبب ضغوطات الحياة والعمل على مدار اليوم من جهة، وبسبب زيادة الاعتماد على التواصل الاجتماعي الإلكتروني الذي يجتاح المجتمعات لسهولته وانخفاض نفقاته.
سألنا أبا زيد، أحد العاملين في مطعم من مطاعم دمشق الشعبية، على عجالة عن ملخص عمله، فأجاب: «أعمل طوال أيام العيد الثلاثة، وإنْ استمر الازدحام قد أعمل الرابع والخامس أيضاً، من الثامنة صباحاً حتى الحادية عشرة ليلاً. أعود إلى المنزل منهكاً لا أرى أمامي إلا حمام الماء الساخن وفراش النوم، ولا أستطيع مشاركة أطفالي بأي نشاط جدّي كغيري من الآباء، بل أكتفي ببعض الحوارات القليلة ودفع العيديّات والاطمئنان عليهم. صحيح أني أقبض مالاً إضافياً يعينني على سد بعض متطلبات العائلة، لكنه غير عادل نهائياً. فطبيعة عملنا تستحق ثلاثة أو أربعة أضعاف أجر الساعة الاعتيادي، كوننا نقوم بأضعاف الجهد العضلي والعقلي، فالتركيز العالي ضروري لأنه أساس المصلحة. رغم ذلك، نقول الحمد لله أننا ما زلنا نجد عملاً».
لقد أعطى قانون العمل السوري للعمال الحق في الحصول على إجازات تعويضية إذا تم تشغيلهم خلال العطل الرسمية، شريطة عدم احتساب الأجر المضاعف. وهذا نصف حق لا أكثر. ورغم ذلك، يظل حبراً على ورق في معظم منشآت القطاع الخاص، حيث يُطالب العمال بالعمل دون أي تعويض سواء مادي أو معنوي، في ظل غياب تنظيم هذا القطاع وضبطه ضمن القوانين والأنظمة. ولعل أخطر ما يواجه هؤلاء العمال هو هاجس فقدان العمل بعد انتهاء موسم العيد. فبعض المنشآت، خاصة في المطاعم والمقاهي الكبرى، تلجأ إلى تشغيل عمال بشكل مؤقت خلال فترة العيد تحت ذرائع مختلفة، ثم تستغني عنهم فور انتهاء الإجازة دون سابق إنذار أو منحهم مستحقاتهم. مع وجود بعض الاستثناءات حيث تقوم المولات التجارية الكبرى عادة بطلب يد عاملة لأيام العيد فقط، وخاصة في أقسام ألعاب الأطفال والحضانة، ولكن بأجور مخجلة حقاً لا تتجاوز 60 ليرة سورية جديدة للساعة الواحدة، وفي أحسن الحالات قد تصل إلى 80. وهذه الممارسات تجعل من العمالة في القطاع الخدمي الأكثر هشاشة، إذ يتحولون إلى سلعة موسمية تُستخدم عند الحاجة وتُرمى بعد ذلك، دون أي التزامات قانونية أو إنسانية.


الحلول مستحيلة في ظل غياب دور الدولة


تتركز هذه الظاهرة – كما قلنا – بشكل لافت في القطاع الخدمي الذي يشمل المنتزهات والمولات التجارية والمطاعم والمقاهي. وهي منشآت تعتمد بشكل كبير على العمالة ذات الأجور المحدودة، وتعتبر فترات الذروة الموسمية كالعيد فرصة لتحقيق أرباح استثنائية، غالباً على حساب حقوق العمال الأساسية. وتؤكد متابعتنا الميدانية لها أن ساعات العمل خلال أيام العيد في هذه المنشآت تتجاوز ضعف ساعات العمل القانونية التي حددها القانون بـ 8 ساعات يومياً، لتصل إلى ما بين 10 و12 ساعة، دون أن يترافق ذلك مع زيادة حقيقية في الأجر أو توفير بيئة عمل مناسبة.
إن المشهد الذي يتكرر كل عام – بل كل عيد أو موسم – يعكس حالة من الإفلات القانوني وغياب دور الدولة والنقابات عن ظاهرة استغلال العمالة الهشة في القطاع الخاص. ولا يمكن فهم التزام المجتمع بحقوق العمال دون قيام الجهات الحكومية باتخاذ إجراءات قانونية واقتصادية ومعيشية تشكل سداً منيعاً في مواجهتها.
إن إنصاف هؤلاء العمال لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يتطلب رؤية أكثر شمولية من خلال منحهم أجوراً مضاعفة وفق القانون (لا تقل عن 200% من الأجر العادي) لساعات العمل خلال العيد، وتوفير إجازات تعويضية مدفوعة الأجر بعد انتهاء العيد، تعويضاً عن الحرمان الأسري والجهد البدني الكبير، مع تخفيض ساعات العمل إلى 6 ساعات يومياً كحد أقصى خلال أيام العيد، أسوة بالمعايير الدولية التي تراعي ظروف العمال في أوقات الذروة.
إن تحقيق هذه المطالب ليس منَّة على العمال، بل هو حق يجب أن يكفله القانون نصاً وتطبيقاً. وهذا ما تقتضيه الكرامة الوطنية والإنسانية والعدالة الاجتماعية. ويجب أن تكون الأعياد فرصة للوفاء لعرق الكادحين، ومناسبة للزيادة في إنصافهم، لا لزيادة استغلالهم وحرمانهم من أدنى حقوقهم المعيشية والاجتماعية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270