الحرب الإقليمية وأزمة الدول المستورِدة: من التبعية إلى الانكشاف البنيوي (سورية نموذجاً)
يتناول بعض السياسيين أفكاراً عن عدم تأثر سورية بالعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران وأنها باتت اليوم خارج سياسة المحاور وأنها في مأمن من تداعياتها العسكرية أو الاقتصادية حتى متناسين موقع سورية الجغرافي واقتصادها الذي بات يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد خاصة المواد الأساسية من غذاء ومحروقات.
ولا يمكن فهم هشاشة الاقتصاد السوري اليوم بمعزل عن موقعه كاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد خاصة في مجالات الطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية ومع أي تصعيد إقليمي كبير كالذي يحصل تتحول هذه الهشاشة إلى أزمة مركبة تتجاوز الاقتصاد لتطال البنية الاجتماعية والسياسية بأكملها.
ففي عالم باتت فيه الاقتصادات مترابطة بشكل غير مسبوق لم تعد الحروب الإقليمية حدثاً محلياً محدود الأثر بل تحولت إلى ظاهر كونية تعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية حتى في الدول التي تقف جغرافيا خارج نطاق الصراع، وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح خاص في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجات سكانها الأساسية، حيث تكشف الحرب هشاشة بنيتها الاقتصادية، وتعري طبيعة تبعيتها للنظام العالمي.
الاستيراد بوصفه تبعية مقنّعة
في الحالة الطبيعية يبدو الاستيراد كخيار عقلاني ضمن تقسيم العمل الدولي حيث تخصص الدول في إنتاج ما تمتلك فيه ميزة نسبية، لكن هذا التصور يخفي حقيقة أعمق: فالدول التي تعتمد بشكل مفرط على الاستيراد خاصة في السلع الحيوية كالطاقة والغذاء لا تمارس خياراً حراً بقدر ما تعيش حالة تبعية بنيوية.
الحرب هنا لا تخلق الأزمة من العدم بل تكشفها إذ يتبين أن هذه الدول لا تملك سيادة اقتصادية حقيقية وفعلية بل تعتمد في بقائها على استقرار خارجي لا تسيطر عليه، ومع اندلاع الحرب يتحول هذا الاعتماد إلى نقطة ضعف حاسمة.
ومنذ سنوات فقدت سورية جزءاً كبيراً من قدرتها الإنتاجية سواء بسبب الحرب أو بسبب العقوبات أو بسبب تفكك البنية الصناعية والزراعية نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة قبل سقوط السلطة وبعده حيث عمقت هذه السياسات من الحالة التبعية للاقتصاد السوري وبات الاعتماد على الاستيراد لتأمين المشتقات النفطية والقمح والمواد الغذائية والأدوية والمواد الأولية.
تفكك سلاسل الإمداد كصدمة أولى
تعد سلاسل الإمداد الشريان الخفي للاقتصاد العالمي، وعندما تندلع الحرب في منطقة استراتيجية تتعرض هذه السلاسل لاضطرابات حادة من إغلاق ممرات بحرية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن أو استهداف مباشر للبنية التحتية.
بالنسبة للدول المستوردة كسورية لا يعني ذلك مجرد تأخير في وصول السلع بل احتمال انقطاعها كلياً، وهنا يظهر البعد الوجودي للأزمة، فالدولة التي لا تنتج غذاءها أو طاقتها تصبح مهددة في قدرتها على تأمين الحد الأدنى من الحياة لمواطنيها.
التضخم المستورد وتعميم الأزمة
من أبرز آثار الحرب انتقال موجة تضخمية عالمية خاصة في أسعار الطاقة والمواد الغذائية وهذا ما يعرف بالتضخم المستورد حيث تنتقل الأزمة من مركزها إلى الأطراف عبر آلية الأسعار.
في هذا السياق لا تملك الدول المستوردة أدوات فعالة للسيطرة على التضخم، لأنها لا تتحكم بمصادره فتجد نفسها أمام معادلة قاسية إما رفع الأسعار داخلياً وتحميل المواطنين الكلفة أو دعم السلع واستنزاف مواردها المالية، وهكذا تتحول الحرب إلى آلية لإعادة توزيع الأعباء على المستوى العالمي حيث تتحمل الدول الأضعف النصيب الأكبر.
الأزمة والانكشاف المالي
مع ارتفاع فاتورة الاستيراد تتزايد الحاجة إلى العملات الأجنبية، في حين قد تتراجع مصادرها مثل الصادرات أو التحويلات وهذا يؤدي إلى ضغط شديد على الليرة السورية ما يخلق حلقة مفرغة وهي انخفاض العملة وارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الدولار ما يؤدي إلى مزيد من الانخفاض.
في هذه اللحظة تدخل الدولة في حلقة مفرغة فتراجع قيمة العملة يرفع كلفة الاستيراد ما يزيد التضخم ويعمق الأزمة الاجتماعية وهنا يظهر بوضوح الطابع البنيوي للأزمة حيث لا تكون المشكلة مجرد صدمة خارجية بل نتيجة لتراكم طويل لنمط اقتصادي هش.
الحرب كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة
من منظور نقدي لا يمكن فهم هذه الديناميات بمعزل عن بنية النظام الرأسمالي العالمي حيث تهمين دول المركز على موارد الإنتاج والتكنولوجيا بينما تدفع دول الأطراف نحو أدوار استهلاكية.
في زمن الحرب تتعزز هذه الهيمنة فالدول المستوردة تضطر للبحث عن بدائل بسرعة، وغالباً ما تقبل بشروط سياسية أو اقتصادية مجحفة مقابل تأمين احتياجاتها وهكذا يتحول الاستيراد من علاقة تجارية إلى علاقة تبعية سياسية.
الأثر الاجتماعي تعميم الهشاشة نحو مزيد من التفكك
لا تتوزع آثار الأزمة بالتساوي داخل المجتمع فالطبقات الفقيرة والمتوسطة هي الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية ومع الوقت تتآكل هذه الطبقات وتتسع فجوة اللا مساواة.
النتيجة المباشرة لكل ما سبق ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتراجع مستوى المعيشة وتوسع الاقتصاد غير الرسمي وزيادة الهجرة الداخلية والخارجية، وفي مجتمع أنهكته الحرب فإن أي صدمة إضافية قد تدفع نحو توترات اجتماعية وازدياد الجريمة وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
في هذ السياق لا تكون الحرب مجرد حدث خارجي بل تتحول إلى عامل داخلي يعيد تشكيل البنية الاجتماعية ويعمق التفاوت ويهدد السلم الأهلي.
من الأزمة الاقتصادية إلى الأزمة السياسية
عندما تعجز الدول عن تأمين السلع الأساسية أو ضبط الأسعار تتآكل شرعيتها السياسية وقد يؤدي ذلك إلى احتجاجات أو اضطرابات داخلية خاصة في الدول التي تعاني أصلاً من هشاشة مؤسساتية وانقسامات حادة في المجتمع كما في الحالة السورية.
وهكذا تنتقل آثار الحرب من الاقتصاد إلى السياسة لتصبح عاملاً في زعزعة الاستقرار الداخلي رغم أن الدولة لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
هل تفتح الأزمة أفقاً للتحول
رغم قتامة الصورة قد تحمل هذه الأزمات إمكانية لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي إذ قد تدفع نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع الشركاء التجاريين وتقليل الاعتماد على الخارج لكن هذه الإمكانية ليست حتمية بل مشروطة بوجود إرادة سياسية وقدرة مؤسساتية وفي كثير من الحالات تؤدي الأزمة إلى تعميق التبعية بدل تجاوزها.
وتكشف الحالة السورية بوضوح أن الدول التي تعتمد الاستيراد لا تقف على هامش الحروب الإقليمية بل في قلب تداعياتها، فالعدوان على إيران لا يهدد التوازنات الإقليمية فقط، بل يضرب بشكل مباشر أسس الحياة اليومية في سورية من الوقود إلى الخبز إلى العملة.
وأن الدول لا تعيش في اقتصاد عالمي فقط، بل في نظام من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، ففي زمن السلم قد يبدو الاعتماد على الاستيراد مستقراً لكنه في زمن الحرب يتحول إلى مصدر تهديد وجودي.
وبهذا المعنى فإن الأزمة السورية ليست فقط نتيجة عوامل داخلية بل هي انعكاس لموقعها في نظام إقليمي يجعلها عرضة لامتصاص الصدمات دون أن تملك أدوات ردها.
وعليه فإن الأزمة التي تعيشها الدول التي تعتمد على الاستيراد ليست طارئة، بل هي تعبير عن خلل بنيوي في موقعها داخل النظام العالمي فالحرب لا تصنع التبعية، بل تكشفها وتعمقها لتضع هذه الدول أمام خيارين إما الاستمرار في نموذج هش يعيد إنتاج الأزمات أو السعي نحو بناء أكبر قدر من الاستقلال الاقتصادي وهو خيار محفوف بالصعوبات لكنه وحده الكفيل بتقليل الانكشاف في عالم مضطرب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
ميلاد شوقي