الآثار الاجتماعية والاقتصادية لقرار إلغاء برنامج إحلال المستوردات
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا منذ أكثر من عقد، اعتمدت الحكومة لسنوات على سياسة إحلال المستوردات ودعم الصناعة لحماية الإنتاج المحلي من السلع الأجنبية، وذلك عبر حواجز جمركية وتشريعات تحمي المنتج السوري. لكن في الآونة الأخيرة أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة تغييرات جوهرية في هذا النهج، تتضمن إلغاء بعض برامج حماية الصناعة الوطنية وتخفيفاً أو إلغاءً لرسوم جمركية كانت مفروضة على واردات كثيرة، وما أعقب ذلك من إلغاء للتراخيص الممنوحة للصناعيين في إطار برامج سابقة، مما أثار جدلاً واسعاً لما له من انعكاسات عميقة على الصناعة والعمال.
سياسات الإلغاء: ما المقصود؟
بدلاً من دعم الصناعة المحلية عبر سياسات حمائية (كالرسوم الجمركية على الواردات أو تراخيص إحلال المستوردات)، اتجهت السلطات نحو تخفيف أو إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المواد وفتح الباب لواردات أكثر حرية دون حماية كافية للصناعات المحلية. واتبعت تبسيط إجراءات الاستثمار وإلغاء بعض القيود، ما يجعل بيئة الاستيراد أكثر انفتاحاً على السلع الأجنبية، إضافةً إلى إلغاء التراخيص أو البرامج التي كانت تمنح امتيازات للصناعيين في سياق إحلال المستوردات. هذه السياسة قد يكون هدفها في الظاهر تحفيز النشاط الاقتصادي وفتح الأسواق وخفض أسعار السلع للمستهلك، لكن لها تأثيرات حقيقية على الصناعة الوطنية.
الآثار الاقتصادية السلبية على الصناعة الوطنية
زيادة المنافسة غير المنضبطة من السلع المستوردة: فعند تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات دون حماية الصناعة الوطنية، تصبح السلع الأجنبية أرخص بكثير من المنتج المحلي، وذات تكلفة إنتاج أقل، نظراً لأن أسعار السلع المستوردة مدعومة أو أقل كلفة، وهي قادرة على احتلال الأسواق المحلية بسرعة.
وضع كهذا يجعل المصانع السورية غير قادرة على المنافسة، خصوصاً إذا كانت تواجه مشاكل بنيوية مثل ضعف الطاقة وارتفاع تكاليفها وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل. وهذه النقطة ظهرت في تحليلات صحفية دولية تحدثت عن وفرة السلع المستوردة وكيف أنها تقوض الإنتاج المحلي وتدفع الشركات نحو الإغلاق.
إغلاق المنشآت الصناعية: عندما تفقد المصانع المحلية قدرتها على المنافسة بسبب دخول سلع مستوردة بأسعار أقل، فإنها تتعرض لهبوط في المبيعات وتجبر على خفض الإنتاج أو التوقف عن العمل، وفي حالات كثيرة تغلق نهائياً إذا لم تعد مربحة. وهذا الإغلاق ليس مجرد رقم اقتصادي، بل يعني تراجعاً كاملاً في القدرة الإنتاجية الوطنية، وفقدان قيمة مضافة في الاقتصاد، وتقليل مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.
تأثيرات سلبية على العمال
إن إغلاق المنشآت الصناعية له آثار اجتماعية وإنسانية جسيمة، أهمها فقدان الوظائف وفرص العمل. فمع توقف المصانع يواجه العمال بطالة مفاجئة أو دائمة، وفقدان مصدر دخل أساسي لهم، وتراجع الوضع الاقتصادي والمعيشي، وانهيار قدرتهم على تلبية الاحتياجات الأساسية.
فقدان مهارات وفرص التشغيل: فالعامل الذي يخرج من بيئة صناعية قد يجد صعوبة في إيجاد فرص عمل بديلة في المهارة نفسها والحفاظ على مستوى معيشي مستدام لأسرته. بالإضافة إلى ذلك، فإن هجرة اليد العاملة الماهرة إلى خارج البلاد أو إلى قطاعات غير منظمة يزيد من فقاعة البطالة الهيكلية.
ثغرات في سلسلة التوريد وتحول الاقتصاد نحو الاستيراد: مع ضعف الصناعة الوطنية يتغير هيكل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد على الإنتاج المحلي إلى اقتصاد يعتمد أساساً على الاستيراد. وهذا يعني خروج العملة الصعبة من الاقتصاد المحلي، وزيادة عجز في الميزان التجاري، وضعف قدرة الاقتصاد على التحمل في أزمات مستقبلية أو تقلبات سعر الصرف.
انعكاسات سلبية على المجتمع الأوسع
لا تقتصر الآثار على العمال وحدهم، بل تمتد إلى الأسر التي تعتمد على دخل العامل، والمجتمعات المحلية التي كانت تعتمد على الصناعات كمصدر دخل، والأسواق المحلية التي تفقد تنوع السلع الوطنية، والآثار على الاقتصاد الوطني الذي يصبح أقل قدرة على النمو المستدام.
وهناك أمثلة عديدة من قطاعات إنتاج أساسية كالنسيج والدواء والإسمنت في سوريا تضررت من إلغاء برامج إحلال المستوردات، وكيف ساهم هذا الإلغاء في توقف وتعثر الإنتاج وتسريح آلاف العمال، حيث أدى إلغاء الرسوم الجمركية على السلع المنسوجة المستوردة دون حماية المنتج المحلي إلى زيادة حدة المنافسة على الورش والمصانع التي كانت تكافح بالفعل في ظروف الحرب والأزمة، مما أدى إلى مزيد من الإغلاق وفقدان آلاف الوظائف. وإن عدداً كبيراً من الورش في دمشق وحلب خرجت عن الإنتاج بعد دخول سلع مستوردة رخيصة إلى السوق. وقد كان قطاع النسيج يستوعب آلاف العمال في حلب والمدن الكبيرة، إلا أن نسبة كبيرة من تلك القوى العاملة تفرقت أو انتقلت إلى دول مجاورة مع تدهور الإنتاج.
قطاع الأدوية: قبل الأزمة كان هناك نحو 63 مصنعاً دوائياً في سوريا يعمل معظمها في إنتاج أدوية أساسية ويغطي نحو 90% من احتياجات السوق المحلية ويوفر نحو 17 ألف فرصة عمل مباشرة في هذا القطاع. وفي فترات لاحقة توسع العدد ليصل حسب تقارير إلى ما يقارب 87 إلى 110 معامل دوائية بعد تسهيلات تشريعية في السنوات الأخيرة رغم التحديات، لكن الكثير منها لا يعمل بكامل طاقته بسبب مشكلات الطاقة وتوريد المواد الأولية. وانعكاس إلغاء الرسوم الجمركية قد يخلق منافسة غير عادلة على المنتج المحلي، ما يقلل من إنتاج المصانع المحلية، وفي أسوأ الأحوال يدفع بعضها نحو الإغلاق وفقدان وظائف آلاف العمال والكوادر الفنية.
قطاع الأسمنت: يمثل قطاعاً صناعياً رئيسياً في سوريا مدفوعاً سابقاً ببرامج إعادة الإعمار واحتياجات البناء. ففي مدينة طرطوس وحدها يوجد معمل أسمنت بطاقة إنتاجية تقدر بعدة آلاف من الأطنان يومياً مع دور كبير في تلبية الطلب المحلي. وقبل سنوات الأزمة كان القطاع يساهم بعدد كبير من الوظائف في مناطق الصناعة الرئيسية ويعتمد عليه في مشاريع الإنشاءات. وهناك تقديرات حديثة تشير إلى أن حاجة سوريا من الأسمنت في مرحلة إعادة الإعمار تصل من 6 إلى 9 ملايين طن سنوياً، وقد ترتفع في السنوات المقبلة مع فرص استيعاب العمال في صناعة الإنتاج والبناء. وبسبب إلغاء برنامج إحلال المستوردات، يمكن أن يشهد قطاع الأسمنت تباطؤاً في الإنتاج المحلي إذا ما زاد الاعتماد على الواردات دون سياسة داعمة للصناعة.
الخلاصة
رغم أن تخفيف القيود وفتح الأسواق قد يساهم نظرياً في خفض أسعار بعض السلع للمستهلك، فإن إلغاء برامج إحلال المستوردات وإلغاء الرسوم الجمركية دون حماية مؤسسية للصناعة الوطنية يؤدي إلى تدهور الصناعة الوطنية، وإغلاق المنشآت الصناعية، وفقدان آلاف العمال لوظائفهم، وتزايد الاعتماد على الاستيراد، وتفاقم البطالة والفقر. ولهذا، فإن السياسات تحتاج إلى توازن دقيق بين حماية الرساميل المحلية والعمال وفتح الأسواق بشكل يضمن تنمية مستدامة ودعم القطاعات الإنتاجية بدلاً من إخلائها لصالح الواردات غير المنظمة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265