العمال يدفعون ثمن عقلية «البزنس» وانتشار المحسوبيات
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

العمال يدفعون ثمن عقلية «البزنس» وانتشار المحسوبيات

تزداد صعوبة إحصاء وحصر عدد موظفي القطاع العام الذين جرت بحقهم إجراءات الفصل أو إنهاء العقود على مستوى البلاد، فلا يكاد يمر أسبوع حتى تخرج علينا قوائم اسمية جديدة بذلك، وبأغلب القطاعات والوزارات والمديريات، وآخرها قرارات إنهاء عقود مئات عمال الكهرباء في أكثر من محافظة ومدينة. في حين ندرت تلك القرارات المعاكسة الاستثنائية كالموافقة على تجديد عقود عشرة موظفين هنا أو هناك، والتي غالباً ما يصاحبها حملة ترويج إعلانية وكأنها إنجاز خارق أو مكرمة عظيمة، لا جزءاً من حق مسلوب أو مُهمل. وبالبحث عن القاسم المشترك بين كل تلك القرارات المجحفة والارتجالية، يمكن رصد عقلية «البزنس» التي تدار بها معظم الجهات الحكومية المنتجة والخدمية، بدلاً من عقلية الإدارة المسؤولة للموارد على مختلف أنواعها والبشرية ضمناً. أضف على ذلك ارتفاع مستوى ظاهرة المحسوبيات والواسطة.

بدأت تزداد ظاهرة إحداث شواغر وظيفية بشكل متعمد من خلال إنهاء عقود الموظفين الأساسيين الذين ناضلوا سنوات طويلة ليتم تثبيتهم، وهناك من تجاوزت مدة خدمته 12 سنة. ويجري هذا الإنهاء تحت ذرائع وتبريرات غير مفهومة ومعايير لا تتجاوز مقولة «حفاظاً على المصلحة العامة» أو لعدم الحاجة، وتبقى تحت عنوان الذريعة؛ لأن ما يجري لاحقاً توظيف جديد بحجة الحاجة لملء الشواغر. أي إن من أحدث الشاغر وجعله مبرراً لإنهاء عمل موظف هو نفسه من يعود ويملأ الشاغر الوظيفي بموظف موصى به من جهة أو شخص ذي نفوذ ما. وهذا ما جعل العمال المتضررين يعترضون ويرفعوا أصواتهم للمطالبة بإيقاف هذه الإجراءات بحقهم ومحاسبة الجهات القائمة عليها، كونهم اعتبروا ما يحصل يصب في خانة الفساد الإداري الذي تدّعي تلك الجهات نفسها بأنها تحاربه، وهو بمثابة شعار لعملها وقراراتها.

تأخر الحلول يعزز الفئوية ويهدد الوحدة المجتمعية

مرت أكثر من سنة على بدء سلسلة القرارات الحكومية التي وضعت مئات آلاف الموظفين خارج أعمالهم، وحتى اليوم لم يستطع أحد أن يحدد من المسؤول عن ذلك بشكل مؤكّد وما الهدف منه وحقيقة مصلحة القطاع العام بذلك، مما ترك المجال واسعاً للتفسيرات والتحليلات؛ جزء منها يصب في مجرى ومسار خطير ما زال السوريون يسعون لإيجاد مخرج آمن منه، لأنه يهدد الوحدة الوطنية والمجتمعية ومفهوم المواطنة والعدالة ويعزز الفئوية بأشكالها وأصنافها الكثيرة. ومن المخيف فعلاً أن تصيب تلك التفسيرات التي توصلت إليها مجموعات كبيرة من الموظفين والعمال المتضررين، الذين لا يخفون ذلك بل يصرحون به جهاراً نهاراً على مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات العمالية ومجموعات التواصل بينهم، في ظل صمت مطلق من الجهات الحكومية على تلك الاعتراضات. وإن خرجت عن صمتها وصرحت أو علقت عليها، فتكتفي بالخطاب نفسه الذي تناقضه بسلوكها وإجراءاتها، وخير مثال على ذلك قضية موظفي الجمارك والمنافذ البحرية والبرية وموظفي الاتصالات ومشفى أمراض القلب، والقائمة تطول.

ما زالت الفرصة قائمة

لا يمكن فهم إهمال أصحاب القرار السياسي لهذا الملف لحد الآن رغم مرور كل تلك المدة وتطور نتائجه الكارثية على مؤسسات القطاع العام والعمال معاً، ورغم وضوح انعكاساته السلبية على الوحدة المجتمعية من جهة وعلى الوضع المعيشي القاهر الذي ازداد سوءاً على جميع المتضررين منه من جهة أخرى. وإن كان لا بد للمسؤولين من إبراز عقلية الدولة، فهذا هو الوقت المناسب لذلك. فأن تأتي متأخراً خيرٌ من ألَّا تأتي أبداً. فلأي دولة دور مناط بها ومسؤولية عليا لا يجوز لأي سبب كان التخلي عنها أو إهمالها أو الاكتفاء بمراقبة أحداثها وتغيراتها ونتائجها. فالنأي بالنفس وغياب الدور يفتح الاحتمالات على عواقب لا يمكن حصرها أو معالجتها لاحقاً. لذلك يجب وضع هذا الملف ضمن الملفات الكبرى والمهام الوطنية الماثلة أمام السلطة بقرارها وأمام الحكومة لوزاراتها ومؤسساتها وإجراءاتها، وأن تكون العدالة هدفاً لا يعلوه هدف وضرورةً لا تعلوها ضرورة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264