إجراءات حكومية جديدة تدفع العمال للاستقالة
لم تُكذب بعض الجهات الحكومية مخاوفنا وتوقعاتنا بشأن آلية تعاطيها مع قرار إنهاء الإجازة المأجورة. فقد نقلنا عبر «قاسيون» في العدد رقم 1244 تحت عنوان «تعهد وتعجيز وتطفيش بطعم التسريح» تخوّف الموظفين المعنيين من أن تلتفت إداراتهم على القرار وتخترع أساليب غير اعتيادية لا ترتقي لماهية الجهات الحكومية ودورها. حيث لجأت هذه الجهات إلى ما سُمي «بالتعهد الخطي والشفوي» الذي يقضي بأن يضع الموظفون أنفسهم تحت تصرف الإدارات دون شرط أو قيد أو اعتراض على أي نقل أو ندب أو إجراءات أخرى تراها الإدارات بأنها تصب في «المصلحة العامة»، وكل ذلك خارج الأطر القانونية وخارج التقاليد المتبعة والأعراف.
واستكملنا في العدد 1245 تداعيات هذه الإجراءات التي ستؤدي حكماً إلى استقالات الموظفين المشمولين بالقرار، بمادة صحفية بعنوان «كنا بالإجازات القسرية.. صرنا بالاستقالات القسرية». وسنغطي في هذه المادة حقيقة نوايا بعض الجهات التي لم تعد مجرد نوايا، كما لم تعد بالنسبة للعمال مجرد مخاوف وتكهنات وسوء ظن، لأنها ببساطة أصبحت واقعاً. وسنكتفي ببعض الأمثلة، فالجزء يعبّر عن الكل، عسى أن يتوقف أصحاب هذه القرارات والإجراءات عن اتخاذ القرارات الضارة، ويعيدوا لكل ذي حق حقه.
فقد عاد معظم الموظفين في المؤسسة العامة للتجارة الخارجية (التي جرى حلها بقرار من حكومة الإنقاذ) الذين شملهم قرار الإجازة المأجورة إلى عملهم، واضعين أنفسهم تحت تصرف الإدارة، التي بدورها وضعتهم أمام خيار واحد يتمثل بكتابة التعهد الخطي، شأنهم في ذلك شأن زملائهم التابعين للوزارة المدمجة ذاتها (وزارة الاقتصاد والصناعة). وبعد الانتهاء من جمع التعهدات، بدأت قرارات النقل إلي جهات مثل مديرية الإشراف على التأهيل الفني والمؤسسة العامة للصناعات الهندسية ومدينة المعارض وغيرها من الجهات.
وقد يقول البعض: هذا جيد جداً، أين المشكلة في ذلك؟ وبالطبع لا توجد مشكلة إن كانت هذه القرارات تجمع بين مصلحة العمل والعامل، وليست مجرد إجراء تعجيزي. فالمنقَولون إلى مدينة المعارض، على سبيل المثال، مُنعوا من استخدام وسائل النقل المعتمدة لنقل الموظفين أسوةً بزملائهم، بل عليهم أن يتنقلوا بالمواصلات العامة على حسابهم الشخصي، وهو ما سيذهب بمجمل الراتب، ناهيك عن ساعات الانتظار الطويلة. وهذا ما أجبر عشرات الموظفات والموظفين على الاستقالة. أما الصامدون منهم، فما زالوا يذهبون إلى وظائفهم بالمواصلات العامة، ويبصمون بصمة الدوام، ثم يفتشون عن مكان يجلسون فيه ضمن المدينة حتى ينتهي الدوام ليُبصموا مرة أخرى وبعدها يغادرون.
وللأسف، فإن كل ذلك يجري دون «ضجة إعلامية» أو اعتراضات صاخبة، كون الجميع يخافون من ارتدادات ذلك عليهم، وخاصة أولئك الذين قرروا الصمود حتى اليوم. وبالتالي، فإن النوايا المسبقة للإدارة أصبحت واقعاً حاضراً.
نقل ودوام وبصمة... والنقل على حسابكم
ما ينطبق على موظفي المؤسسة العامة للتجارة الخارجية سابقاً، ينطبق على عمال الشركة الخماسية وغيرها من المعامل الحكومية. فإيقاف النقل الخاص بالموظفين والعمال أجبرهم على الاستقالة، والتي وصلت إلى المئات. وبزيارة قصيرة لنقابة الغزل والنسيج في دمشق أو اللاذقية، ستحصي عدداً هائلاً من معاملات نهاية الخدمة. والغريب والمستَهجَن هو الصمت النقابي المطبق، وخاصة من اتحاد المحافظات والاتحاد العام والاتحاد المهني للغزل والنسيج، الذين يتحفوننا بنشاطاتهم واجتماعاتهم وتصريحاتهم التي تتحدث عن كل شيء إلا عن واقع عمالهم الذين يجري دفعهم للاستقالة وترك أعمالهم ومورد رزقهم ورزق أولادهم.
ويبدو أن هذه الوزارة بالتحديد اتبعت أسلوب التعهدات الخطية، حيث وقّع الجميع عليها، حتى مشاغل «الوسيم» الخاصة المنتشرة. وستشهد الأسابيع القادمة سيلاً جديداً من الاستقالات القسرية الناتجة عن قرارات النقل أو الندب التي ستضع العامل على بعد عشرات الكيلومترات من عنوان سكنه، مع حرمانه من التعويضات والنقل، بالإضافة لتعميم نظام البصمة، إن لم يُوقَف هذه الإجراءات الجائرة. وللعلم، فإن أغلب المعامل الإنتاجية خارج الخدمة ومتوقفة عن العمل بفعل قرار رسمي واضح وعلني، مع توجه شبه كامل للخصخصة.
موظفو المنافذ البرية والبحرية والجمارك... حكاية أخرى
أما بالنسبة للموظفين التابعين للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية والجمارك، فقد تم التعامل معهم منذ البداية بطريقة فظة للغاية. وحين صدر قرار إنهاء الإجازات المأجورة، تم منعهم من العودة إلى أعمالهم ودفعوا دفعاً لكتابة التعهد الخطي، وقيل لهم «لا داعي للدوام، بل انتظروا قرارات جديدة». لتخرج القرارات الموعودة خلال عطلة الأسبوع الماضي، ويتم إبلاغهم عبر رسائل نصية وأخرى عبر تطبيق «الواتساب»، يتم فيها إبلاغ الموظفة أو الموظف المرسَل له بقرار نقله وفق النموذج التالي:
«السلام عليكم أستاذ/ة فلان، بناءً على مقتضيات المصلحة العامة، تم نقل مكان عملك إلى معبر كذا، ابتداءً من يوم الأحد الموافق 30-11-2025م. يرجى الالتحاق بمكان العمل يوم الأحد. ملاحظة: هذا الرقم مخصص للإبلاغ وغير مخصص للرد». (انتهت الرسالة).
أما أماكن العمل التي جرى النقل إليها، فهي البوكمال والراعي والحمام وجرابلس، وكلها معابر حدودية تبعد مئات الكيلومترات عن أماكن إقامة العاملين، الذين تقع أغلبيتهم في محافظات دمشق واللاذقية وطرطوس. وقد خلّفت تلك القرارات موجة
استهجان حاد، كونها تحمل استخفافاً واضحاً بالقوانين وبالعقول أيضاً. فكيف يمكن نقل موظف من محافظة إلى محافظة أخرى بجرة قلم؟ إنه إجراء تعجيزي لا يمكن أن تكون نتيجته إلا الاستقالة الفورية. ونحن بانتظار ما ستجري عليه الأمور خلال الأسبوع الحالي من تداعيات لقرارات النقل ونتائجها.
وكانت نقابة عمال النقل البحري والجوي في اللاذقية سباقة في الاعتراض عليها، حيث وجّهت كتاباً إلى رئاسة اتحاد عمال اللاذقية، أكدت فيه عدم قانونية التعهدات الخطية والتبليغات عبر رسائل «الواتساب»، ومخالفة كل تلك الإجراءات لروح القانون رقم 50 للعاملين في الدولة، ومدى تأثير القرارات على العاملين سواء من الناحية الأسرية أو الاجتماعية، وهو تأثير خطير خاصة أن القرارات شملت السيدات أيضاً. وطالبت النقابة في كتابها مخاطبة الهيئة العامة ودفعها للتراجع عن القرارات.
إن الاستمرار في تعاطي الحكومة مع ملف موظفي الدولة بهذا الشكل يوضح من جديد انفصال المسؤولين عن فهم جوهر الدور الحقيقي والأساسي للدولة، وعن القوانين والأنظمة والعمل المؤسساتي. وهذا يرفع مستوى تعقيد الواقع المعقد أصلاً، كونه يرفع غطاء الأمن المعيشي والاجتماعي عن مزيد من العائلات العمالية التي لا تملك سوى راتبها الشحيح الضعيف. ومن الحكمة والمسؤولية أن تتوقف تلك القرارات والإجراءات، وتصحيح ما نتج عن سابقاتها، لتحقيق جزء من واجبات الحكومة ودورها الفعلي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254
محرر الشؤون العمالية