أحوال الطبقة العاملة؟

أحوال الطبقة العاملة؟

في اللقاءات بين النقابيين من خلال المؤتمرات سواء في منطقتنا العربية أو على الصعيد العالمي تجري نقاشات هامة حول أشكال المجابهة مع الأعداء الطبقيين، وتقرّ الكثير من التوصيات، ولكن تذهب جميعها أدراج الرياح «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت» والسبب الجوهري في هذا أن معظم الحركات النقابية وخاصةً في منطقتنا لم ترَ بعدُ التغيّرات الحاصلة على الصعيد الدولي حيث لم يعد حال الدول كما كان وأن التغيرات الجارية على صعيد موازين القوى قد أضعفت الدول الإمبريالية في قدرتها على فرض إرادتها على مقدرات الشعوب كما كانت تفعل سابقاً وهذا عامل مهم في المواجهة معها اقتصادياً وسياسياً وهذا ما بدأت تدركه الطبقة العاملة في المراكز الإمبريالية وحتى في الأطراف حيث أعادت تنظيم صفوفها وصياغة قراراتها المستقلة بمعزل عن النقابات الصفراء التي كانت عامل كبح لحراك الطبقة العاملة وعامل إجهاض لمواجهتها لأعدائها الطبقيين بينما الحركات النقابية التقليدية ما زالت تفت في نفس الصحن وقراراتها مرهونة لحكوماتها، وحكوماتها هي من تتبنى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي في جوهرها معادية لمصالح وحقوق الطبقة العاملة، وهذا تناقض كبير تقع به الحركات النقابية ويجعلها غير قادرة على اتخاذ القرارات الضرورية التي تمكّن الطبقة العاملة من انتزاع حقوقها الاقتصادية والسياسية والديمقراطية.

أصل الداء

السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي فرضتها الإمبريالية على الشعوب، وخاصةً الفقيرة منها، لعبت دوراً أساسياً في تفاقم الظواهر المختلفة من فقر وبطالة وتهميش، وهذا يفرض على النقابات والطبقة العاملة خوض النضالات متعددة الأوجه لإسقاط تلك السياسات الظالمة، وهذا يعمّق أزمة الرأسمالية أكثر، باعتبارها المصدر الأساس لتوالد الإرهاب والفاشية بأشكالها وألوانها كلها، حيث لا تعني مواجهة الإرهاب الجانب العسكري فقط، وإن كان ضرورياً، ولكن اقتلاع الجذور المولّدة له هو الضامن لعدم استنباته من جديد، ومن هنا تأتي أهمية تشكيل جبهة عمالية ونقابية واسعة لمواجهة السياسات الليبرالية المتوحشة، التي أصابت المصالح العميقة للشعوب قاطبة، ومنها: شعوب المراكز الرأسمالية، وكذلك الأطراف القريبة والبعيدة عن المركز الإمبريالي، حيث تخوض النقابات والعمال صراعاً مع القوى الإمبريالية المتحكمة باقتصادات هذه الدول، من أجل رفض إملاءاتها وشروطها ونهبها من خلال الديون المفروضة عليها، وكذلك نضال الطبقة العاملة بدأ يأخذ بعداً آخر، وأشكاله في المواجهة أصبحت متعددة وتتطور باستمرار، ونتيجة لذلك ينظم للحراك العمالي قوى مجتمعية جديدة تضررت مصالحها وخسرت حقوقها بفعل النهب العالي لتلك الحقوق وهذا يعظم من الحراك العمالي ويجعله أكثر قوة وفاعلية في المواجهة وإن كان ينقصه عامل مهم وأساسي وهو وجود حزب ثوري للطبقة العاملة يقود نضالاتها ليس الاقتصادية فحسب، بل نضالها السياسي والجماهيري الذي سيفضي إلى إسقاط تلك المنظومة التي هي سبب الداء وعلة لكل الكوارث، وهذا العامل المهم ليس متوفراً حالياً بعد التراجعات التي أصابت الأحزاب الشيوعية واليسارية في أوروبا ومنطقتنا، مما أفقد الحركات العمالية أهم مناصريها وأهم قادتها السياسيين.
قال أنجلز في كتابه «أحوال الطبقة العاملة في إنجلترا» أن وضع الطبقة العاملة هو القاعدة الحقيقية ونقطة التحول لكل الحركات الاجتماعية في الحاضر لأنه الذروة العليا والأكثر إفصاحاً عن البؤس الاجتماعي الموجود في عصرنا.
أليس هو حال الطبقة العاملة البائسة، وهذا الحال هو إفصاح عن البؤس الاجتماعي الذي تعيشه الطبقات المنهوبة الأخرى؟
يمكن القول: إن انفتاح الأفق أمام الشعوب من أجل أن تستعيد دورها في الدفاع عن مصالحها، يعني: أن موازين القوى الدولية أخذت في التغيّر بشكل أكثر وضوحاً مما كان وهذا يسمح للطبقة العاملة بتنظيم قواها وخلق تنظيمها الثوري القادر على قيادة نضالاتها وابتداع أشكال متنوعة من المقاومة في مواجهة الاستغلال المتوحش، الذي فرضه رأس المال المالي عليها وانتزع منها معظم ما حققته الطبقة العاملة في مراحل سابقة كان فيها ميزان القوى الدولي يفرض على القوى الرأسمالية تقديم تنازلات لصالح الطبقة العاملة في سياق صراعها مع المعسكر الاشتراكي.

الشعارات لا تطعم خبزاً

إن الأزمة الوطنية العميقة في سورية وفي المناطق الشبيهة بها، كان أحد مسببات تفجرها واستمرارها هو: انخفاض مستوى الحريات السياسية والديمقراطية والحريات النقابية إلى حدودها الدنيا والسياسات الاقتصادية الليبرالية التي ساهمت في تعزيز وتعميق الظواهر الاجتماعية والاقتصادية «فقر وبطالة وتهميش وفساد كبير» تراكمت عبر سنوات طويلة وكانت نتائجها كارثية على شعبنا وعلى الطبقة العاملة، وخاصة في مستوى معيشتها وقدرتها على تأمين متطلباتها ليس الأساسية فقط، بل ما دون ذلك والفارق الكبير بين الحد الأدنى لأجورها والحد الأدنى لمستوى معيشتها هو تعبير صارخ على مستوى النهب والتوحش الواقعين على فقراء بلادنا ومنها الطبقة العاملة.
لم تعد الشعارات التي تطلق في المؤتمرات وغيرها ولا التمجيد والتبجيل في دور الطبقة العاملة في الصمود والتصدي تطعم خبزاً ولا يغير من واقع وحال العمال بشيء، ولكن العمال يحتاجون شيئاً آخر وهنا بيت القصيد الذي نعنيه حيث يتطلب والتطلب يعني خلق الظروف المواتية التي تمكّن الحركة النقابية والطبقة العاملة من اتخاذ الموقف الحازم والمطلوب تجاه السياسات التي أوصلتهم إلى ما هم عليه الآن ومن أجل وضع قطار المواجهة بإطاره العام على سكته الصحيحة، وببعده الاقتصادي الاجتماعي والديمقراطي، حتى لا تصبح مجرد شعارات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1069
آخر تعديل على الإثنين, 09 أيار 2022 11:03