كيف عادت المرافئ السورية إلى (حضن) الدولة؟ الشركات الأجنبية استولت على مئات الملايين تحت يافطة الاستثمار!!
نزار عادلة نزار عادلة

كيف عادت المرافئ السورية إلى (حضن) الدولة؟ الشركات الأجنبية استولت على مئات الملايين تحت يافطة الاستثمار!!

قبل أكثر من عام انسحبت الشركات الأجنبية من مرفأي طرطوس واللاذقية، وذلك بسبب الأحداث في سورية، وكنا قد حذرنا في «قاسيون» من خطورة تسليم المرافئ إلى شركات أجنبية تحت يافطة الاستثمار. وقلنا آنذاك بأن دولاً عديدة رفضت تسليم مرافئها إلى شركات أجنبية لأن المرافئ هي جزء من السيادة الوطنية..

لقد كان في سورية من يريد توجيه رصاصة الرحمة ليس إلى القطاع العام فقط، وإنما إلى الاقتصاد الوطني ليس ببيع الشركات، وليس بالاستثمار وإنما الموت المؤكد. للحقيقة النقابات العمالية اعترضت على عقود الاستثمار بعشرات المذكرات وفي مجالس الاتحاد العام أمام رئيس الحكومة والوزراء وأمام القيادة السياسية ورغم ذلك تم الاستثمار بل وبعض هذه القيادات النقابية التحقت في ركب الحكومة دفاعاً عن الاستثمار في المرافئ.

مرفأ طرطوس بالنكهة الفلبينية

البداية كانت في مرفأ طرطوس، حيث تم الإعلان عن استدراج عروض لإقامة وتأجير واستثمار محطة الحاويات في المرفأ، وتم إجراء المناقصة، ورست على شركة يقال إنها فلبينية الجنسية ولكن ذات نكهة سورية. لقد أخذت الشركة مساحة 252000م2 في قلب ساحة المرفأ وتشكل ثُمَنْ المساحة الإجمالية، وتحتاج إلى طرق وخدمات خاصة قدمتها شركة المرفأ مجاناً، والرصيف رقم 7 وطوله 540م، وهو من أفضل الأرصفة من حيث الأعماق والموصفات، ويشكل العامل الأساسي في جذب البواخر ذات الحمولات الكبيرة، وهذا يعني أن إخراج هذا الرصيف من المرفأ، ووضعه في خدمة محطة الحاويات يحرم المرفأ من ورود السفن ذات الحمولات الكبيرة، ويؤثر سلباً على مردود المرفأ ومساهمته في الدخل الوطني، وقدمت إدارة المرفأ آليات وناقلات وخدمات مجانية عديدة للشركة المستثمرة.

العقد العجيب «اللقطة»!

حسب نص العقد ستدفع الشركة سنوياً للجانب السوري ستة ملايين وأربعمائة ألف دولار أمريكي في عشر سنوات أي ما مجموعه 64 مليون دولار بدل استثمار. ولو بقي الرصيف 7 موضوع الاستثمار تابعاً لإدارة المرفأ لكان الأمر مختلفاً. وحسب دراسة خبير قام بدراسة الجدوى الاقتصادي لهذا المشروع، بيَّن أن دخل هذا الرصيف يشكل 47% من مجموع دخل المرفأ الذي بلغ عام 2005 مبلغ 3.200 مليار ل.س، وتكون نسبة دخل الرصيف المذكور وحده  2.300×47%=1.504 مليار ل.س، ويكون مردود الرصيف 7 على مدى 10 سنوات دون الأخذ بالاعتبار نمو الحركة الاقتصادية 1.504مليار× 10= 15.040 مليار ل.س، هنا نجد الخسارة الكبيرة التي خسرها المرفأ خلال 10 سنوات وهي 15.04 مليار -5.175= 9.865مليار ل.س حرمت منها خزينة الدولة.

متوالية الخسارات

كان من المفترض أن يتضمن العقد استقدام وكالات بحرية وخطوط ملاحية جديدة، ولكن هذا لم يتم، بل أن الشركات المستثمرة أخذت البواخر والخطوط الملاحية التي كانت مع شركة التوكيلات الملاحية العامة. بل والأسوأ قيام وكلاء الشركة المستثمرة بالاتصالات مع شركات النقل البحري العالمية من أجل تحويل بواخرهم من اللاذقية إلى طرطوس، وقاموا بزيارة ميناء مرسيليا في فرنسا، وعرضوا هذه الفكرة على "جاك سعاد" صاحب شركات نقل كبرى، ورفض العرض بسبب الفارق الكبير في أجور التحميل والتنزيل والخدمة.

مرفأ اللاذقية والعجز

وانتقلت رياح الاستثمار إلى مرفأ اللاذقية، حيث كانت المشكلة في شركة اللاذقية هي النقص في الآليات والكوادر والعمال؛ وقبل تقديم المرفأ للاستثمار تم استيراد الآليات المطلوبة في عام 2007 وبمبلغ 2.400مليار ل.س 

إذاً لا مشكلة هنا، المشكلة الأخرى، المرفأ محاصر بقوانين صارمة، وجهات وصائية عديدة، ومن الطبيعي أن هذه القوانين مقدسة والجهات الوصائية لا راد لها، لذلك وقفنا في عجز أمامها.

فالطاقة الاستيعابية للمرفأ 800 ألف حاوية وفق ساحاته وأرصفته، والمرفأ وصل إنتاجه السنوي حتى عام 2007 إلى 5400 ألف حاوية، وكان مخطط له من إدارته أن يصل إلى 800 ألف حاوية بعد وصول ما تبقى من آليات.

غير قابل للنقاش

قالت نقابة عمال النقل البحري والجوي في اللاذقية حول دفتر الشروط: المرفأ بإمكانياته الحالية وسواعد عماله، وبإشادة إدارته والأرقام المثبتة في سجلاته تضاعفت إنتاجيته درجات، وإنتاجية مرافئ متطورة عديدة تفوق إمكانياته المادية، وبالتالي إنتاجيته في ازدياد مستمر، وخاصة في مجال تناول الحاويات، والمرفأ تعاقد قبل عقد الاستثمار مع شركات عالمية لشراء روافع وآليات حديثة متطورة، وقد دفعت سوريه ثمنها المليارات من جيبها.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو مبرر الشراكة والاستثمار؟ وأين الدراسة الاقتصادية الواضحة التي تؤكد الجدوى الاقتصادية من الاستثمار؟  علماً أن النقابة بدورها تساءلت عن الشيء الذي تقدر على شركة المرفأ تقديمه بهدف تحسين عملية الإنتاج لتبحث عن شريك مجهول الهوية، وقالت النقابة: إننا لا ننظر إلى المرافئ من الناحية الاقتصادية البحتة فحسب، بل ننظر لها بشكل اعم وأكبر، بحيث تشمل الجانب الاجتماعي والسيادي باعتبارنا في حالة مواجهة دائمة مع المخططات المعادية التي عجزت حتى الآن عن اختراق وحدتنا، ونرفض أن تتاح الفرصة لمن لم يستطيعوا النيل من المواقف الوطنية لسورية بالقوة العسكرية والسياسية أن يتمكنوا من ذلك عن طريق الاقتصاد.

إننا نرفض هذا المشروع جملة وتفصيلاً كوننا نرى فيه إجحافاً بحقوق العمال واقتصادنا الوطني بعد كل ذلك، قال نائب رئيس مجلس الوزراء في اجتماعه في المرفأ: القرار اتخذ!! لأن قرار الاستثمار حكومي غير قابل للنقاش.

المحصلة الأخيرة

الشركات أخذت الحصة الأكبر من إنتاجية المرفأ وحصصاً أخرى بعد زيادة الإنتاج، وعلى كامل الإنتاجية، والزيادة في الإنتاج كانت قيد الإنجاز بعد وصول الآليات الحديثة؛ ومرفأ اللاذقية عمله الأساسي في الحاويات، وقد أخذت الشركة 85% من عمل المرفأ، ولذلك فإن أسئلة عديدة طرحت، وما زالت تطرح، والأهم أن الشركة الأجنبية انسحبت من المرافئ بعد أن حدث ما حدث، فما هي المحصلة؟ وما الأرباح التي سحبت من سورية؟ أين هي الحقائق الضائعة؟ فهل نبقى على أمل الكشف عن تلك حقائق، ومحاسبة الذين فرطوا بالسيادة الوطنية؟!!.