الصدمة والصمود!
إيمان الذياب إيمان الذياب

الصدمة والصمود!

لا يختلف اثنان حول وصول السياسات التي يمارسها الكيان الصهيوني إلى أقصى درجات البربرية والوحشية، وهذا مفهوم نوعاً ما لدى كثير من الناس الذين يتعاطون الشأن السياسي من وجهة نظر علمية، حيث يمثل هذا الكيان رأس المال المالي العالمي والإمبريالية في أقصى درجات توحشها.

أوصلت السياسات الغربية والأمريكية الجائرة العالم إلى لحظة الانفجار، ولم يعد الصراع اليوم مقتصراً على توازنات القوة فقط، بل أصبح يمس جوهر البنية العالمية وقيمها الأساسية ودلالاتها. فقد أُنهكت البشرية بنتائج هذه السياسات على مختلف الصعد، وأرهقتها ثقافة التمييز بأشكاله المتعددة: الطبقي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي...الخ، كما طفح الكيل بحالة الفوضى التي حلت بالعالم بمكاييل تُبين للعالم ضرورة التفكير جدياً بمآل هذه السياسة ونتائجها، والتي وصلت إلى درجة تحول فيها العالم إلى ساحة إقصاء، يرتهن فيه التقدّم بالقضاء على الآخر وإلغائه.


سبب التسمية «الصمود»


في مثل هذه اللحظات التاريخية الصعبة والحرجة تبرز الحاجة إلى التفكير بضرورة العمل الجماعي الواعي، وتجميع القوى وتحويلها إلى كتلة اجتماعية صلبة، عصية على التفكيك في مواجهة الأخطار التي لا يمكن مواجهتها إفرادياً، سواء بالنسبة للجماعات، أو الدول، أو حتى الأفراد من جهة، ومن جهة ثانية لبناء عالم يستوعب الجميع ضمن إطار التعاون، أو التنافس العادل.
لم تحقق آلة الدمار المسماة « إسرائيل» هدفها في «كي الوعي» واقتلاع الفلسطينيين من حيزهم الجغرافي والمعنوي، بل على العكس أثبت الصمود الفلسطيني الثابت والمستمر، أنه حالة بنيوية متجذرة في الوجدان الجمعي، لشعب يرفض أن يستسلم أو يموت، شعب استحق إعجاب كل ذي وجدان في العالم، كما استحق إعجاب بعض أعدائه.

لم تأت تسمية أسطول «الصمود» العالمي عبثاً، بل كانت تعبيراً عن هذه الحالة التي أدرك فيها المشاركون والمناصرون للحق الفلسطيني معنى الصمود وأبعاده ونتائجه. يفرض هذا النموذج الفريد ضرورة للتفكير بشكل مغاير للطريقة التقليدية المعتادة في بحث القضية الفلسطينية وتطوراتها، خاصة بعد الحرب الأخيرة على غزة، وبعد العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.
ثمة ضرورة لبحث علمي ومعرفي قادر على توضيح حالة الصمود الفلسطيني، وتفكيك عناصر القوة الكامنة فيه، واستنطاق الجذور التي تمكن «الإنسان» من أن يكون حائط صدّ، منيعاً أمام هذا العنف، وأمام وحشية لم يسبق لها مثيل، وصلت إلى درجة حالة من الهمجية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً. كما أنها استخدمت أعنف استراتيجيات إدارة الإدراك والترهيب النفسي. ثمة تساؤلات عدة تطرح نفسها هنا، حول الماهية والمحددات التي تُشكل «الاستعداد» النضالي للناس، وكيف تتحول «الهوية الجماعية» إلى درع نفسي، وإطار يحمي الفرد من الانهيار، مهما كانت كثافة النيران؟ ولماذا تفشل أعتى أشكال القوة والهمجية في اختراق «منظومة المعنى» لدى الصامدين؟ وهل الصمود هنا حال اضطرارية، أم هو فعل «وجودي عقلاني»؟ أسئلة تحتاج الكثير من الوعي والجهد والوقت للإجابة عليها.


صدمة مدوية وحياء مفقود


هناك الكثير من الأسباب التي دعت نشطاء وأشخاصاً مختلفين من جنسيات متعددة، يقررون المشاركة بشكل جماعي في تظاهرة «أسطول الصمود»، ليس أقلها التعاطف مع الحق والمظلومية الفلسطينية، خاصة بعد أن بدأت بوادر التغير في السردية التقليدية التي مارسها الصهاينة في «إسرائيل» والعالم تجاه الفلسطينيين، واستخدامهم وسائل الهيمنة التي يسيطرون على أغلبها، بدءاً من الضغط الاقتصادي والسياسي إلى الإعلام واللوبيات وغيرها الكثير. وربما توقع البعض من هؤلاء النشطاء والمشاركين أنهم سيتعرضون للضغط، وحتى الإساءة جراء موقفهم، ولكنهم على ما يبدو لم يتخيلوا حجم الصدمة مما تعرضوا له لاحقاً، إثر وصولهم إلى الأراضي المحتلة، والتي تجاوزت المألوف، حيث اعتاد قادة الكيان ومسؤوليه الاستفادة من المواقف المختلفة وتحويلها وتحويرها لصالحهم، عبر الكذب وإخفاء الحقائق وغيرها من الأساليب، ولكن الأمر اختلف هذه المرة، فبعد انكشاف القناع «الديمقراطي» عن الوجه «الإسرائيلي» الذي ادعى لقرون تحضره، ومعاناته في وسط كان يوصف بـ»الهمجي والمتخلف»، وانكشاف زيف وبطلان هذا الادعاء أمام الكاميرات على مدى أكثر من سنتين في غزة، يبدو أن الكيان لم يعد يأبه لسقوط الأقنعة، وحتى قناع «الحياء» لم يسلم، بل على العكس كانت هناك محاولة لإظهار ما كانوا يخفونه سابقاً، غير آبهين بردة الفعل، فنقلت الكاميرات وأجساد الناشطين والناشطات المشاركين في «أسطول الصمود» درجة الهمجية والوحشية في ممارسات الكيان ومن يقف خلفه. وقد أكد أحد المشاركين ذلك بقوله: إذا كان هذا ما تعرضنا له، ونحن أبناء جنسيات أوروبية وغربية، فما الذي تعرض له الفلسطينيين، ما حجم الفظائع التي مورست ضدهم»؟


ردود الفعل


على المستوى الشعبي، تواصلت الصحوة الشعبية في غالبية البلدان الأوروبية تجاه ما يحدث في فلسطين، أثبتت ذلك المظاهرات الشعبية المختلفة بشكل قاطع، والتي أحيت ذكرى النكبة على مستوى العالم وعلى غير المعهود، وترافقت هذه التظاهرات بالتنديد بالفظائع «الإسرائيلية» المرتكبة على امتداد الشرق الأوسط، وليس فقط في الأراضي المحتلة. كما تزايد حضور القضية الفلسطينية في مختلف الفعاليات الثقافية والفنية والشعبية، وبدأت تتحول إلى جزء من الخطاب السياسي العام. أما على مستوى الحكومات، فما زالت التغيرات محدودة، تؤطرها المصالح المتشابكة للقوى الحاكمة مع الصهيونية العالمية، ورغم بعض التنديدات الخجولة لهذه الحكومات، إلا أنها غالباً ما تضطر للعودة إلى مسار التضييق السياسي والإعلامي، بهدف إطفاء شعلة الوعي الإدراكي المنتشرة في المجتمعات الغربية وحول العالم. يكفي ذكر مثالين نموذجيين من القارة الأوربية، حيث أقدمت بريطانيا على إجراءات تصل إلى حدّ تجريم بعض التظاهرات المتضامنة مع فلسطين، كما صعّدت إجراءاتها ضد الأحزاب والنقابات والحركات والأفراد المشاركين في الحراك الداعم لفلسطين، التي تعتبر أنّ الجالية الفلسطينية تواجه استهدافاً ممنهجاً عبر المحاكمات والترحيلات والفصل من العمل، والتضييق الإداري.


نموذج فرنسي!


أقصى ما اتخذته الحكومة الفرنسية من إجراءات، أنها قامت بحظر دخول وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتامار بن غفير، فوراً إلى جميع أراضيها، رداً على «التصرفات المستهجنة» بحق نشطاء «أسطول الصمود العالمي». وحسب ما تداولته الوسائل الإعلامية رداً على ما قامت به القوات الإسرائيلية، حيث «اختطفت، 430 شخصاً كانوا على متن 50 سفينة في المياه الدولية، في إطار منع أسطولٍ من النشطاء من كسر الحصار المفروض على قطاع غزة».
والمضحك المبكي، هو كلام وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الذي قال في منشور عبر «أكس»: إن بلاده «لا تستحسن نهج هذا الأسطول، الذي لا يُحدث أثراً مفيداً بقدر ما يضيف أعباءً على الدوائر الدبلوماسية والقنصلية»، مشيداً بـ«مهنية هذه الدوائر وتفانيها في أداء مهامها».

غير أنه شدد على أن باريس «لا يمكنها التسامح مع تعرّض مواطنين فرنسيين للتهديد أو الترهيب أو المعاملة الوحشية بهذا الشكل، خصوصاً إذا كان المسؤول عن ذلك شخصيةً حكوميةً». خاصة بعد نشر بن غفير في اليوم التالي، مقطع فيديو ظهر فيه وهو يسخر من النشطاء ويُنكّل بهم، بينما كانوا جاثمين على الأرض وأيديهم مقيّدة.
وأشار الوزير الفرنسي إلى أن تصرفات بن غفير قوبلت أيضاً بإدانات من «شخصيات سياسية إسرائيلية» عدة، معتبراً أنها «تنضم إلى سجلٍّ طويلٍ من التصريحات والأفعال الصادمة، فضلاً عن التحريض على الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين». كما دعا بارو الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على إيتامار بن غفير.

وقد أظهرت وسائل الإعلام حجم الاعتداء والإساءة التي تعرض لها المشاركون في الأسطول من سلطات الاحتلال، والذين نقل عددٍ منهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج من إصاباتٍ لحقت بهم، فيما أفاد ما لا يقل عن 15 ناشطاً بتعرضهم لاعتداءاتٍ جنسية، بينها حالات اغتصاب. كما أظهرت حالة صدمة شديدة بينهم وبين متابعيهم في العالم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279