وحدة السياسة-الفلسفة كجمالية عصر التحوُّل
للمرحلة الراهنة إحداثياتُها الخاصة نتيجة وصول التناقضات إلى حدودها التاريخية، ومنها اندماج مستويات الواقع، والكشف عن الجوهر الخاص في البنية الاجتماعية كبنية طبقية فيها اغترابُ الإنسان عن المجتمع وعن نفسه، وفيها بالتالي انفصال العقل عن الواقع، مما يضع الاثنين أمام خطر التدمير الذي يحصل في اللاعقلانية من جهة، وفي همجية الإبادة الفعلية للإنسان والطبيعة والمجتمع من جهة أخرى، ولكنَّ من إحداثيَّاتها أيضاً جمالياتُها الخاصة بها.
الانتقال وجماليته
إنَّ تتبُّع تطور التيارات الجمالية عبر التاريخ كما صوَّره فلاسفة الجمال والفنون والعلوم والأخلاق يؤكد فعلَ قانون التناقض. فالانتقال الاجتماعي والاقتصادي، محكوماً بالتناقضات الفاعلة في البنية الاجتماعية، كانَ القاعدة المادية لجوهر التيارات الجمالية وقيمها ومعانيها. فجماليات العصر المشاعي تمثلت في الأسطورة تعبيراً عن الصراع مع الطبيعة، وكانت جماليات العصر العبودي بشكل عام تعبيراً عن الاحتفاء بالإنسان وازدياد سيطرته على الطبيعة من خلال العمل والعلوم الناشئة، بينما الرومانسية كانت تعبيراً عن أزمة الإقطاع بشكل عام، وكانت جماليات عصر الحداثة متمثلة بالفردانية والتجربة الإنسانية المشكِّلة للتجربة الجمالية، ومن ثم نتيجة للأزمة في الرأسمالية برزت الجماليات المتمحورة حول الاغتراب والمعاناة الإنسانية والعزلة، ما سمح إلى جانب التوازن بين قوى العمل وقوى ملّاك وسائل الإنتاج بتعاظم دور جماليات «الاشتراكية» و«الواقعية» والتي ركزت حول المجموع والكل الاجتماعي والثورة والتغيير والعمل المشترك. وعلى الرغم من أن ما سبق قد يكون اختزالياً إلى حد بعيد، إلا أنه تأطيرٌ لمحاولة تقييم الملامح الجمالية للعصر الراهن.
عصر الانتقال الشامل
إن كل العصور وحتّى الآن، ومنذ أن ظهر التناقض بين العمل الذهني والعمل الجسدي، كانت تعبيراً عن المجتمع الطبقي، وبالتالي كانت جمالياتها المهيمنة تعبيراً إلى هذا الحد أو ذاك عن تناقضات هذا المجتمع، وصولاً إلى المرحلة التي تقدَّمت فيها الاشتراكية على مسرح التاريخ والتي كانت تكثيفاً لمجمل القيم التقدمية في التيارات الجمالية السابقة عليها، من تقدير الطبيعة دون الانفصال والاغتراب عنها والخوف منها، إلى جانب جماليات السيطرة على الطبيعة في الوقت ذاته، وبالتالي جماليات العلوم، كما جماليات الفعل الجماعي المشترك، والتضحية لصالح المصلحة الجماعية، كما التأكيد على جماليات العمل. أما اليوم فنحن أمام وصول التناقضات في المجتمع الطبقي إلى حدودها التاريخية، كما وصول المجتمع البشري إلى احتمالات الإبادة والفناء والفوضى والبربرية واللاعقلانية، فإن ذلك يدفع بالبعد الجمالي إلى تجاوز مساحة الوعي الجمالي الحصري في تشيُّئه عملاً جمالياً، وصولاً إلى مساحة الممارسة العملية حيث يتوقع الجمال منتجاً حياً اجتماعياً لا انفصال فيه بين المنتج الروحي وبين بعده الممارَسي.
في ذلك نقصد أن البعد الجمالي اليوم لا يحمل ضمنه فقط كل التناقضات التاريخية السابقة التي شكلت التيارات الجمالية تاريخياً، ولكنه يحمل بالضرورة حلاً للتناقضات الجوهرية في المجتمع الطبقي ككل، ومنها انفصال العمل الذهني عن العمل الجسدي، مضافاً إلى ذلك الخطر الوجودي المهدد الذي يدفع الممارسة والمبادرة والفعالية إلى موقع أساسي، مما يسمح أولاً بالحفاظ على الوجود المادي كما على الوجود العقلي في آن. وذلك ربطاً بالمعادلة المشار إليها سابقاً بأننا اليوم أمام خطر فناء مادي كما دمار للعقل تدفع نحوه الأزمة الشاملة للرأسمالية كتعبير عن أقصى أشكال المجتمع الطبقي، وهو ما تمارسه القوى المتراجعة لمنع التحوُّل. هذا التقدم في الحاجة إلى المبادرة والممارسة أشرنا إليه سابقاً، خصوصاً في ظل الحاجة إلى المواجهة السياسية الحاصلة عالمياً والتي وصلت فيها حدود التشكيلات السياسية التقليدية إلى حدودها، ولذلك تحتاج إلى تحويل الصراع إلى حالة جماعية تتجاوز بنى أجهزة الدولة التي تصارع، يكون فيها للشعب والقوى الاجتماعية ذات المصلحة دور مركزي، خصوصاً من أجل تعطيل مفاعيل الحرب الهجينة على الوعي وفي ظل التفتيت المطلوب للبنى الاجتماعية. وهذا لن يكون إلا من خلال تجاوز بنى المجتمع الطبقي من أجل تعزيز إمكانيات الصمود والتماسك ومنع المنظومة المتراجعة من توظيف الطاقة الاجتماعية الرافضة في صالح مشاريعها. هذه الحاجات المادية تجعل الممارسة والمبادرة في موقع المركز، وذلك أولاً نتيجةَ إلحاح الواقع الاجتماعي للفعل وإلّا فالفناء والدمار، وثانياً نتيجةَ التسارع الذي يحكم الحدث.
بكلمة نقول إنّ مساحة الإنتاج الجمالي اليوم صارت أكثر التحاماً بالحاجة إلى الممارسة السياسية-الاجتماعية لا في منتج جمالي «متشيِّئ» مهما كانت تقدُّميةُ هذا المنتج. وهذا القول ليس فيه من جديد. إنه تعبير عن القول بأن الإنسان في عصر تجاوز الرأسمالية هو الإنسان الصائر إنساناً تاريخياً، أي إنساناً فاعلاً كما أكَّد ماركس مثلاً. وهو تعبير عن تيار فلسفي اعتبر أن الجمال هو في عملية الخلق الجماعي الإبداعي من أجل التحقق الذاتي، عملاً بالمصلحة الجماعية، نحو تجاوز الاغتراب، أي في أن يكون الإنسان ضرورياً لنفسه كما لغيره، تيارٌ يوجد في كتابات كلاسيكية، على سبيل المثال لدى فريدريك شيلر وغوته وهيغل وماركس.
خلاصة أولية
إن البحث في جماليات المرحلة – في كونها جمالياً ممارسةٌ محقَّقة سياسية-اجتماعية مباشرة، يلتحم فيها المنتج الذهني مع الممارسة – يعني بالضرورة أن جماليات المرحلة هي السياسية بحد ذاتها. وهذا ما يؤكده ليس فقط تبلور جمالية فعل المقاومة بما هي عسكرية، بل أيضاً جماليات لوحات التضامن العالمي حول فلسطين، كما جماليات التظاهر والانتفاض، كما جماليات تقدم المبادرة السياسية والاجتماعية المتزايدة عالمياً لدى الأفراد، إلخ. هذه الظواهر تأخذ طابعاً جمالياً خاصاً لأن الواقع صار يفترضها دون غيرها من الممارَسات التي لم يعد يتيحها الصراعُ الحاصل، ولا يحتمل رفاهيتها. لا نقول بأنَّ باقي أشكال الانعكاس الجمالي لم تعد ضرورية، ولكنها تعطي دور الضرورة والهيمنة لالتحام الفعل مع الممارسة في العملية السياسية. وامتداداً لهذا الفعل الجمالي، تحجز الفلسفة لها مكاناً مركزياً، حيث إنَّ الفعل السياسي يسترشد اليوم أكثر من أي وقت مضى بسردية فلسفية صريحة يجد فيها الفعلُ السياسي إجابةً عن الأسئلة المطروحة على الطاولة، هي أسئلة الإنسان وصيرورته إنساناً تاريخياً يتجاوز مرحلة ما قبل تاريخه على حد تعبير إنجلس.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280