«العار لهوليوود»
انطلق «مهرجان كان» بدورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 أيار)، وتحوّل المؤتمر الصحافي للجنة التحكيم إلى مساحة مواجهة مفتوحة مع السياسة والرقابة والذكاء الاصطناعي. وحضرت الأسئلة الكبرى بقوة، من غزة إلى هوليوود، إذ يبدو المهرجان هذا العام مصمّماً على استعادة فكرة السينما بوصفها موقفاً أخلاقياً وجمالياً في آن، معلناً: «العار لهوليوود ولائحتها السوداء».
ثمة تحولات واضحة بدأت بالظهور في المشهد الإعلامي والثقافي في العالم، تعكس ما يحدث من أحداث وتحولات كبرى سياسية واقتصادية. فقد وُصف المؤتمر الصحافي للجنة التحكيم التي يرأسها المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، «الأكثر سياسيةً» في ذاكرة المهرجان الحديثة. جلس فيه الأعضاء التسعة للجنة تحكيم هذا العام أمام الصحافة العالمية، وتناولت تصريحاتهم ومداخلاتهم كثير من المسائل كالعلاقة بين الفن والسياسة، وأدوار السينما في زمن النزاعات، وحدود الصمت أمام القضايا الكبرى. تكلّموا بوضوح! وسموا الأشياء بمسمياتها، بما اعتبرته الصحافة «مساحة مواجهة مفتوحة» مع السياسة والرقابة والذكاء الاصطناعي، تحدثوا عن غزة. تحدثوا عن القائمة السوداء في هوليوود. تحدثوا عن الذكاء الاصطناعي وتأثيراته.
وقد اعتبر كثيرون حضور بارك تشان ووك على رأس اللجنة بأنه ليس تفصيلاً عابراً. إذ يعكس اختيار مخرج آسيوي بارز اتساع الجغرافيا السينمائية التي أصبحت تفرض نفسها شيئاً فشيئاً على المهرجانات الكبرى. ولم تعد المركزية الأوروبية الأمريكية وحدها تحدد معنى الفيلم المهم، وبدأت السينما الكورية واليابانية والإيرانية واللاتينية وغيرها تؤثر في صناعة الذائقة العالمية. ففي عالم تتصارع فيه القوى ويحتدم الجدل والنقاش حول مسائل كبرى من الحرب إلى العدالة والهوية والبيئة...إلخ، تحاول السينما أن تجد مكانها، وتكون فاعلة ليس كحالة ترف وانفصال عن الواقع، ولا كمنشور سياسي مباشر، وإنما كفن قادر على تحويل القلق إلى حكاية، والخسارة إلى صورة، والأسئلة الثقيلة إلى تجربة جمالية قابلة للمشاهدة.
بين الفن والسياسة
في البداية تكلّم كاتب السيناريو الأسكتلندي بول لافيرتي، وانطلق من الأصل الإغريقي لكلمة «سياسة»، مؤسّساً حجته على فكرة جوهرية وهي أنه لا سينما بلا موقف، حيث لا قصة بلا وجهة نظر. ثم تطرّق إلى سيطرة الشركات الكبرى على الذكاء الاصطناعي منتقداً أصحاب هذه الشركات اليمينيين المتطرفين، محذراً من تركّز القدرة على تشكيل من يروي القصص ومن يملك أدوات روايتها.
وأظهرت تعبيراته تأثراً كبيراً أثناء أشادته بالملصق الرسمي للمهرجان (صورة سوزان ساراندون من فيلم «تيلما ولويز»)، حيث لفت الانتباه بمرارة إلى أنّ المرأة التي تزيّن هذا الملصق قد طُردت من وكالتها بسبب مشاركتها في احتجاجات مؤيدة لغزّة. وقال: «أليس مثيراً للدهشة أن نرى شخصاً مثل سوزان ساراندون، وخافيير بارديم، ومارك رافالو يُدرجون على القائمة السوداء بسبب مواقفهم المعارضة لقتل النساء والأطفال في غزة؟ العار كل العار على من يفعل ذلك من أهل هوليوود».
الفنّ والسياسة...علاقة تكامل لا تناقض
من جهة أخرى قدّم رئيس لجنة التحكيم بارك تشان ووك أفكاره حول العلاقة بين الفن والسياسة بصياغة مميزة ولكنها واضحة: «البيان السياسي، إن لم يُعبّر عنه بأسلوب فنّي كاف، لا يعدو كونه دعاية. الفنّ والسياسة ليسا نقيضين، بل هما قيّمان معاً متى صيغا بإتقان فني». وأكد موقفه حول قبول إمكانية استقبال الأفلام ذات الطابع السياسي ولكن دون أن يلتزم بمكافأتها فقط لأسبابها السياسية وحدها.
كما أثارت تصريحات الممثلة الأمريكية ديمي مور، حول الذكاء الصنعي نقاشاً واسعاً، أكدت موقفها من الرقابة الذاتية بالقول: «إن بدأنا بالرقابة على أنفسنا، أسكتنا جوهر إبداعنا، وهو المكان الذي نكتشف فيه الحقيقة». وأوضحت أن محاربة الذكاء الصناعي ليس سوى معركة خاسرة، وأنّ الأجدى هو إيجاد طرق للتعامل معه، معترفةً بصراحة بأن الصناعة «ربما لم تفعل ما يكفي» لحماية نفسها.
يظهر مهرجان كان هذا العام أنه يحاول أن يعكس ما يمكن للسينما أن تقوم به في عالم مرتبك، وأن يبدأ برسم صورة عالم سينمائي مغاير، ويعيد تعريف نفسه وسط تحولات سياسية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية متسارعة. ويحاول صناع السينما والعاملون فيها تحمل مسؤوليتهم تجاه القضايا المختلفة، حيث يُشكّل الحياد أمام الظلم انحيازاً ضمنياً إلى جانب الأقوى. وكما كتب فرانز فانون: «على كل جيل أن يكتشف مهمته التاريخية وأن يختار موقعه منها».
ذكرى النكبة نظرة أخرى
وفي أماكن عديدة أخرى من العالم، شهدت عواصم ومدن عالمية مظاهرات ووقفات ومسيرات شعبية لإحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، رفعت فيها الأعلام الفلسطينية ورددت شعارات داعمة لغزة وحق الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير.
لم تكن النكبة في 15 أيار مجرد ذكرى عابرة في الوجدان الفلسطيني، بل حالة وجودية، والحدث الذي يفسر كل ما بعده. والدافع للتمسك بالهوية. والوعد المتجدد بالعودة. وغيرها من المفاهيم وعندما يخرج الفلسطينيون في كل عام حاملين المفاتيح وصور القرى المهجرة، فإنهم يؤكدون: «نحن لم ننس، ولن نتخلى عن حقنا». والنكبة ليست حدثاً منعزلاً بل سلسة متصلة من الممارسات والجرائم الدائمة بحق الشعب الفلسطيني (التهجير والاستيطان والقتل وهدم البيوت وتشريد الناس...إلخ)
واليوم لم تعد ذكرى النكبة جزءاً من قضية الشعب الفلسطيني وحده. القضية التي أصبحت إحدى القضايا العالمية التي لا يمكن حل مشكلات العالم دون إيجاد حل عادل ودائم لها في وعي الشعوب المختلفة. وقد نقلت وسائل الإعلام مشاركة عالمية في إحياء ذكراها هذا العام من أقصى الشمال في أوربا وأمريكا إلى أقصى الجنوب، وما بينهما شرقاً وغرباً.
فقد شهدت العاصمة النمساوية فيينا مظاهرات مؤيدة لفلسطين في يوم 15 ايار لإحياء ذكرى النكبة، ورافضة لمشاركة «إسرائيل» في مسابقة يوروفيجن. وخرج احتجاج فيينا تحت شعار: «لا مسرح للإبادة الجماعية». وفي فنلندا، خرجت مسيرة مؤيدة لفلسطين في العاصمة هلسينكي من ساحة محطة القطارات «راوتاتينتوري»، تحت عنوان «مسيرة من أجل فلسطين... 78 عاما على النكبة»، وفق شبكة «صمود» الفنلندية الداعمة لفلسطين. بينما شهدت عدة مدن في هولندا، فعاليات لإحياء ذكرى النكبة، بينها أمسية في كنيسة دومينيكوس بأمستردام، إلى جانب احتجاجات صامتة مؤيدة لفلسطين في أوتريخت وأبلدورن. وفي ألمانيا، شهدت مدينة هانوفر تجمعاً مؤيداً لفلسطين أمام مبنى البلدية الجديدة، بمشاركة نحو 320 متظاهراً أحيوا يوم النكبة.
فلسطين حرة
أما في اليونان، فقد شهدت العاصمة أثينا وقفة أمام السفارة «الإسرائيلية» تضامنا مع الشعب الفلسطيني في ذكرى تهجيره من أرضه وبيوته وقراه عام 1948.وحمل المتظاهرون في أثينا الأعلام الفلسطينية خارج السفارة الإسرائيلية، كما شهدت المظاهرة تجمع عناصر شرطة مكافحة الشغب اليونانية في مواجهة المحتجين خارج السفارة «الإسرائيلية» في أثينا، وفق صور أوردتها وكالة الصحافة الفرنسية.
وفي أستراليا، نُظمت في مدينة سيدني فعالية مؤيدة لفلسطين أمام مبنى البلدية، ضمن احتجاج وطني في يوم النكبة، تحت شعار «78 عاما على النكبة... أوقفوا الإبادة... فلسطين حرة». كما خرجت مسيرة مؤيدة لفلسطين في المكسيك رفعت فيها الإعلام الفلسطينية، وفي باكستان، شهدت مدينة كراتشي أيضاً مسيرة لإحياء الذكرى ودعماً للفلسطينيين ورفضا لاستمرار تهجيرهم.
تعكس هذه المشاركة في إحياء ذكرى النكبة هذا العام تحولاً عميقاً في مواقف الشعوب وحالة الاستعداد النفسي للمواجهة مع بنية الهيمنة الغربية التي سادت إلى عقود.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278
إيمان الأحمد