زمن القتلة
في خمسينيات القرن الماضي عندما بدأ الحديث عن القنبلة النووية نشر الكاتب الأمريكي هنري ميللر كتابه «رامبو وزمن القتلة»، واصفاً عصره «بزمن القتلة»، بعد أن انتشرت المخاوف حول ما سيؤول إليه تقدم التكنولوجيا والتقنية، ومعها التساؤل حول ما سيؤول إليه مصير الإنسان لاحقاً.
ثمة من وضع الأدب والعلوم الإنسانية في وجه «الآلة» حينها، خاصة بعد أن أيقن كثيرون من هؤلاء أن استمرار تطورها وتسارعه يمكن أن يقضي على البشرية، النظرة التي ما زالت منتشرة إلى حد الآن. في روايته، يعود ميللر إلى الشاعر الفرنسي أرتور رامبو وإلى زمنه؛ القرن التاسع عشر أي فترة صعود الرأسمالية وانفجار التوسع الاستعماري والعنف المرافق له، وحيث كانت «الحضارة الغربية» التي تتغذى على القتل والتدمير. يعود ميللر إلى هذا الشاعر الملعون «صاحب الروح المتعطشة أبداً» كما يصفه، ويدعونا إلى الامتثال بهذه الروح لتجنب الدمار الشامل. يتساءل«هل صدمت قصيدة العالم، مثلما فعلت القنبلة الذرية، أخيراً؟»، ويضيف: «أي أسلحة يمتلكها الشاعر، مقارنة بهذه؟ وأي أحلام؟».
في حروبها السابقة والحالية، لم تقتصر استهدافات الولايات المتحدة الأمريكية، و«إسرائيل» على البنية العسكرية أو السياسية، بل امتدت لتطال الذاكرة الحضارية نفسها. من سورية إلى العراق ولبنان وإيران، وكان استهداف المواقع الأثرية بشكل مباشر أحد أساليبها المتعددة لطمس النور القادم من الشرق عبر آلاف السنين من تراث وحضارة ومعالم وانجازات بشرية لسكان هذه المنطقة.
أدوات متعددة لمهمة واحدة
ما زال يوم سقوط بغداد في يد البرابرة الجدد ماثلاً بالأذهان عندما صورت الشاشات ووثقت أكبر عملية سرقة للآثار جرّاء الفوضى المتزامنة مع السقوط. في سورية أوكلت هذه المهمة لداعش، ويتذكر السوريون أيضاً كيف نهبت الآثار وأكثر من ذلك كيف دمرت المواقع الأثرية أمام عيون الناس وجرى توثيق هذا التدمير وتصويره وعرضه على الشاشات، وفي لبنان كذلك الأمر، قام جيش الاحتلال الصهيوني هذه المرة بالعملية بنفسه، تعدى على مجموعة من المناطق الأثرية ويكفي أن مراجعة وثائق المؤسسات الدولية اليونيسكو وغيرها ومناشداتها لحماية الآثار في فترة العدوان. وهو ما تكرر وبشكل مضاعف وممنهج أكثر في فلسطين المحتلة، التي لم يتوقف الكيان يوماً عن محاولة تدمير وطمس كل الإرث الفلسطيني التاريخي والحضاري والإنساني وكل ما صنعته يد الإنسان الفلسطيني وأبدعته على مر الزمان فيها.
اليوم أيضاً في الحرب التي يقودها الأمريكان والصهاينة بشكل مباشر على إيران يتكرر العدوان والهمجية ذاتها ليس بحق شعوب هذه المنطقة الحاليين فقط، بل بحق البشر الذين عاشوا في هذه المنطقة سابقاً وكل ما أنجزوه وتركوه للأجيال اللاحقة. لم يكتف الصهاينة بقصف البنى التحتية المدنية، بل يشنون حرباً ممنهجة ضد حضارة متجذّرة في عمق التاريخ تقودها «إسرائيل» التي لا تاريخ لها.
تدمير ممنهج
أدّت الضربات العسكرية على مدن عدّة إلى تدمير أو إلحاق ضرر كبير بمجموعة من أبرز المعالم التاريخية في إيران، ما أثار موجة قلق واستنكار واسعة في الأوساط الثقافية والدولية. فالمواقع التي صمدت قروناً طويلة أمام الغزوات والتحولات السياسية، تتعرض لأضرار جسيمة نتيجة العدوان الثنائي، في وقت تحذّر فيه منظمة اليونسكو من أن
التراث الثقافي في المنطقة بات مهدداً بصورة غير مسبوقة. وتؤكد التقارير والصور المنشورة أنّ عدداً من المعالم المدرجة على قائمة التراث العالمي تعرّض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة جراء الضربات، خصوصاً في مدينتي أصفهان وطهران، إضافة إلى موقع أثري مهم في محافظة لورستان. من أبرز المواقع المتضررة قصر علي قابو وحديقة تشهل ستون، وتُظهر الصور المتداولة أضراراً واضحة في الزخارف الجدارية والبلاط المزخرف، إضافة إلى تكسّر أجزاء من الألواح الخشبية المنحوتة وسقوط عناصر زخرفية كانت تزيّن الجدران والسقوف. كما طالت الأضرار المسجد الأشهر في مدينة أصفهان، وهو أحد أبرز المعالم المعمارية في العالم الإسلامي. وتشير صور نشرتها الجهات الرسمية إلى سقوط أجزاء من البلاط الفيروزي الذي يميّز قبابه ومآذنه، بعد موجات الانفجار الناتجة من الضربات.
لم تقتصر الأضرار على أصفهان، فقد تعرّض أيضاً قصر جولستان في العاصمة طهران لأضرار بعد استهداف مبنى مجاور في وسط المدينة. ويُعد القصر من أبرز المعالم التاريخية يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر، ويتميّز القصر بقاعة المرايا الشهيرة والزخارف المعمارية الدقيقة التي تجمع بين الفنون الفارسية والتأثيرات الأوروبية. وتُظهر مقاطع فيديو وصور متداولة أضراراً داخلية في القصر، من بينها تحطم أجزاء من الزجاج المزيّن وتضرّر بعض العناصر الخشبية والزخرفية، إضافة إلى انتشار الحطام في أجزاء من حدائقه التاريخية.
كما تعرضت قلعة فلك الأفلاك الواقعة في مدينة خرم آباد في غرب البلاد لأضرار جسيمة جراء ضربة جوية استهدفت مبنىً قريباً تابعاً لوزارة الثقافة في محافظة لورستان. وتعود القلعة إلى العصر الساساني، أي إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين، وكانت تستخدم حصناً عسكرياً ومركزاً إدارياً. كما تضم متاحف محلية تعرض آثار المنطقة. ووفق وزارة الثقافة الإيرانية، أدّت الضربة إلى تضرر أجزاء من القلعة ومتحفين قريبين منها، بعدما دمرت الضربة مبنى الإدارة الثقافية في المنطقة.
المستهدف الذاكرة الإنسانية
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تشير التقديرات الأولية، إلى أنّ ستة معالم ثقافية على الأقل تعرّضت لأضرار حتى الآن، من بينها مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي.
ويرى باحثون في التاريخ والثقافة أنّ فقدان هذه المعالم أو تضرّرها لا يمس إيران وحدها، بل يطال ذاكرة إنسانية أوسع، باعتبار أن كثيراً من هذه المواقع يمثل مراحل مهمة في تطور العمارة في الشرق.
بالعودة الى كتاب ميللر وأسئلته، ولأن القنبلة الذرية حينها كانت لا تزال في بدايتها، بينما سادت القوّة والخراب المنظم والاستهلاك في «زمنه ذاك»، يستحضر ميللر رامبو، فيمضي بمديحه والغوص في أغواره مستخرجاً سمات إنسانية وبطولية، وشاعر تمكن من خلق لغة شعرية مضادة في عصره، يستحضره بوصفه مخلصاً من القتلة ومن لغتهم الرديئة. يكتب ميللر: «إننا أمام خيارين، إما أن نفعل مثل رامبو أي أن نطابق قدرنا بأخطر المراحل التي عرفها الإنسان، ونرفض كل ما وقفت الحضارة إلى جانبه منذ وقت طويل أو أن ندمر الحضارة بأيدينا نحن».
«خلاص العالم في الجمال»
يعلي ميللر نبرته في «رامبو وزمن القتلة» تجاه الشعراء الذين عجزوا عن الاتصال بالجمهور وأخفقوا في إيجاد لغةٍ شعرية والتي يعتبرها ضرورة من ضرورات البقاء على قيد الحياة وشرطاً لعدم أفول الحضارة البشرية. وقد سبق دوستويفسكي ميللر في بحثه عن الخلاص فيقول: «خلاص العالم في الجمال». لم ينته زمن القتلة بل على العكس يعيش العالم اليوم أوج مستوياته، وأشد حالات العنف والهمجية ليس ضد كل ما هو جميل بل ضد كل ما هو إنساني، وبذلك تصبح المعركة ضد هذه العنجهية واجباً إنسانياً يخص الجميع دون استثناء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
إيمان الذياب