النظرية الفرنسية في الحرب الباردة الفكرية: قراءة نقدية

النظرية الفرنسية في الحرب الباردة الفكرية: قراءة نقدية

في خضم التحولات الفكرية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، تبرز ظاهرة «النظرية الفرنسية» كواحدة من أكثر الفصول إثارة للجدل في تاريخ الفكر الغربي المعاصر. وفي مقالته الاستهلالية لكتاب «قداس النظرية الفرنسية: مرثية أطلسية بنغمة ماركسية»، يقدم جون بيلامي فوستر، محرِّر دورية «مونثلي ريفيو» وأستاذ علم الاجتماع الفخري في جامعة أوريغون، قراءةً رصينةً تكشف الأبعاد السياسية الخفية التي رافقت صعود هذا التيار الفلسفي عبر الأطلسي.

جون بيلامي فوستر
ترجمة وإعداد: قاسيون


مؤتمر جونز هوبكنز:البوابة الاستراتيجية


يبدأ فوستر تحليله بالإشارة إلى أن مؤتمر جونز هوبكنز لعام 1966، الذي يُصوَّر غالباً في السرديات الأكاديمية السائدة باعتباره لقاءً علمياً رفيع المستوى، كان في حقيقته مشروعاً سياسياً مدروساً يهدف إلى إنشاء موطئ قدم للبنيوية الفرنسية في الولايات المتحدة، وذلك لمواجهة موجة الجذرية المتصاعدة آنذاك. فقد برز في الستينيات جيلٌ من المفكرين الفرنسيين، تاركين وراءهم هيمنة جان بول سارتر الوجودية، ليعتنقوا فلسفات «ما بعد الإنسانية» المستمدة من فريدريك نيتشه ومارتن هايدغر، الأخير الذي ظلَّ أيديولوجياً نازياً غير نادم على قناعاته.
وقد امتزج هذا التحول نحو نيتشه وهايدغر مع التقليد الفرنسي للبنيوية، الذي يستند إلى اللسانيات والأنثروبولوجيا والنظرية التحليلية الفرويدية. وكانت البنيوية، بحكم تعريفها، مناهضةً لكل أشكال البحث التقليدية التي تعتمد أساساً على التحليل التاريخي، والذات الإنسانية، والديالكتيك. وقد أوضح منظِّما المؤتمر، ريتشارد ماكسي ويوجينيو دوناتو، نيتهما في جمع مفكرين ينتمون إلى تقليدي نيتشه والبنيوية، مما منح المؤتمر طابعاً محافظاً ومعادياً للماركسية منذ بدايته.


التمويل والأيديولوجيا: دور مؤسسة فورد


في إطار الهجوم العام للحرب الباردة، وبهدف تعزيز الأفكار التي تشكل سداً منيعاً ضد المد الماركسي، وافقت مؤسسة فورد على رعاية مؤتمر جونز هوبكنز لعام 1966، جالبةً مجموعة من المنظرين البنيويين الفرنسيين إلى الولايات المتحدة. وكان يرأس المؤسسة آنذاك ماكجورج بندي، المستشار السابق للأمن القومي في عهد ليندون جونسون، الذي كان على اتصال وثيق بمجموعة واسعة من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وكان واحداً من «الحكماء» الأربعة عشر الذين نصحوا جونسون بشأن حرب فيتنام.
هذا السياق المؤسسي والاستخباراتي لا يُقلِّل من قيمة المساهمات الفلسفية لهؤلاء المفكرين، لكنه يضعها في إطارها التاريخي والسياسي الصحيح، مُظهراً كيف يمكن للأفكار المجردة أن تُستثمر في صراعات أيديولوجية كبرى. وكما توثق فرانسيس ستونور سوندرز في دراستها الرائدة «من دفع للزَمّار؟»، كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تنظر إلى «المنطق الداخلي» للنظرية الفرنسية باعتباره «هدماً نقدياً» للماركسية في فرنسا والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.


استهداف العقل المادي والديالكتيكي


عندما سعى ماكسي ودوناتو إلى تلخيص وقائع مؤتمر 1966 في مقدمتهما لطبعة 1971 من أعمال المؤتمر، المعنونة «الجدلية البنيوية: لغات النقد وعلوم الإنسان»، لم يلجأ إلى جاك دريدا أو أي مفكر آخر حضر المؤتمر. بل استشهدا بمقال لجيل دولوز عن ميشيل فوكو، كتب فيه دولوز إن فلسفة فوكو ما بعد الحداثية تمثل «تدميراً بارداً ومتآمراً للذات [الإنسانية]، وازدراءً حياً لمفاهيم الأصل، والأصل الضائع، والأصل المستعاد، وتفكيكاً للتوليفات الزائفة الموحِّدة للوعي، وتنديداً بكل تمويهات التاريخ المُشكَّلة مسبقاً باسم التقدم، والوعي، ومستقبل العقل».
من الواضح أن ما كان يُستهدف هنا هو كل أشكال العقل التاريخي والمادي والديالكتيكي الذي يركز على الفاعلية الإنسانية، ولا سيما التقاليد المنبثقة عن هيغل وماركس. وقد عبَّر لوسين غولدمان، المدافع عن الإنسانية الاشتراكية، عن قلقه إزاء هذا التحول، محذراً من أن «إلغاء الذات» قد يؤدي إلى إفراغ النقد الاجتماعي من مضمونه التحرري.


من البنيوية إلى ما بعد الحداثة: مسار التحول


يتتبع فوستر، مستنداً إلى الفترة الزمنية التي يقترحها فريدريك جيمسون في كتابه الأخير «سنوات النظرية»، مسار تطور النظرية الفرنسية عبر مراحل متميزة. فقد بدأت في الخمسينيات والستينيات كبنيوية لغوية وأنثروبولوجية، ثم تحولت في السبعينيات إلى ما بعد بنيوية تركز على التفكيك والاختلاف، لتصل في الثمانينيات والتسعينيات إلى مرحلة «ما بعد الحداثة» التي أعلنت، كما في نص جان فرانسوا ليوتار الشهير، «عدم الثقة في السرديات الكبرى».
غير أن هذا التطور لم يكن بريئاً من السياقات السياسية. فبينما كانت الحركات الاجتماعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية تسعى إلى بناء بدائل اشتراكية، كانت النظرية الفرنسية، في نسختها المصدَّرة عبر الأطلسي، تقدم نقداً جذرياً لمفاهيم التقدم والعقل والتاريخ، مما أضعف، عن قصد أو غير قصد، الأسس النظرية لأي مشروع تحرري جماعي. وقد لاحظ هنري لوفيفر، في تحليله المبكر لأحداث مايو 1968، كيف يمكن للفكر الراديكالي أن يتحول إلى أداة لـ«ثورة دون ثورة» حين ينفصل عن الممارسة السياسية الملموسة.


النقد الماركسي الداخلي: استثناء مونفيل وروكهيل


يشير فوستر إلى أن محاولات نقد النظرية الفرنسية من منظور ماركسي كانت غالباً سطحية وغير ناضجة، لأن عدداً قليلاً نسبياً من المنظرين الماركسيين الحقيقيين حظي بدخول كافٍ إلى الدوائر النخبوية للنظرية الفرنسية ما بعد الحداثية لتطوير «نقد داخلي» متين. وفي هذا السياق، يُعَدُّ أيْمريك مونفيل وغابرييل روكهيل استثناءً بارزاً؛ إذ يأتيان من ضفتي الأطلسي، ويتمتعان بمعرفة حميمة ومباشرة بالبنيوية وما بعد الحداثة الفرنسية.
ويتفق مونفيل وروكهيل مع التقييم الذي قدمته وكالة الاستخبارات المركزية بأن المنطق الداخلي للنظرية الفرنسية كان يتمثل في «الهدم النقدي» للماركسية، لكنهما يختلفان مع الاستنتاج المتفائل للوكالة بأن هذا الهدم سيكون «دائماً». فبالنسبة لهما، إن فشل النظرية الفرنسية في تقديم بديل متماسك للمشروع التحرري، وانكفاءها على نقد لا نهائي للذات والتاريخ، قد فتح الباب أمام عودة الأسئلة الماركسية الكلاسيكية حول الرأسمالية والطبقة والصراع، خاصة في ظل الأزمات المتتالية للنظام العالمي.


إرث متناقض: بين التأثير والنقد


رغم تراجع هيمنة النظرية الفرنسية في موطنها الأصلي منذ الثمانينيات، كما يوثق غابرييل روكهيل في تحليله النقدي، إلا أن تأثيرها ظل ممتداً في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، ولا سيما في مجالات الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية. وقد ظهر هذا التأثير في أعمال مفكرين من الجنوب العالمي، الذين تبنوا أدوات التفكيك والنقد ما بعد البنيوي لمواجهة خطابات الهيمنة الغربية.
غير أن هذا التبني لم يخلُ من إشكاليات. فكما يشير دومينيكو لوسوردو في كتابه «الماركسية الغربية»، فإن التركيز الحصري تقريباً على التقليد الماركسي الغربي الضيق، مع إغفال المساهمات الثرية للماركسيين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد أدى إلى اتهام الماركسية زوراً بـ«المركزية الأوروبية». وفي هذا السياق، تبرز أهمية استعادة المنظور الماركسي الأممي، الذي يضع في مركز تحليله الصراع الطبقي العالمي وحركات التحرر في الجنوب العالمي.


خاتمة: نحو نقد تاريخي مادي متجدد


يختتم فوستر مقالته بالتأكيد على أن «موت النظرية الفرنسية»، الذي أصبح موضوعاً شائعاً في النقاشات المعاصرة، لا يعني نهاية النقد الفلسفي، بل يدعو إلى إعادة تأسيس نقد تاريخي مادي قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فبينما تقدم نظريات مثل «واقعية الشبكات» لبرونو لاتور أو «المادية الجديدة» بدائل تبدو مبتكرة، فإنها غالباً ما تكرر، وفقاً لفوستر، خطأ الفصل بين الطبيعة والمجتمع، وتهميش دور الفاعلية الإنسانية في صنع التاريخ.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة النظرية الفرنسية هو أن أي مشروع نقدي يطمح إلى التحرر الإنساني لا بد أن يستند إلى فهم ديالكتيكي للتاريخ، يعترف بتعقيد البنى الاجتماعية دون أن يلغي إمكانية التغيير الجماعي. وفي هذا الإطار، تظل الماركسية، ليس كمذهب جامد، بل كمنهج للتحليل النقدي، أداةً لا غنى عنها لفك شفرات النظام الرأسمالي المعولم وبناء بدائل حقيقية للعدالة الاجتماعية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269