عن الحلم والحرب والسؤال الحضاري المُستَحَق
الحرب الدائرة في المنطقة، والتي كما باقي ظواهر المرحلة التي اصبحت مرآة للترابط العالمي الشديد والتحوّل في ميزان القوى الجاري والتكثيف والاندماج بين مستويات البنية الاجتماعية، تؤسّس لحسم نقاشات تتجاوز المستوى السياسي والاقتصادي نحو نقاش فكري عام مرتبط بالنظرة إلى العالم ومساحات الحلم الفردي (الجماعي) التي حكمت الوعي طوال عقود ماضية.
من السياسي المباشر إلى الحضاري
على هامش الحرب في المنطقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني والتي تتركز بشكل خاص ضد إيران، ويشمل ذلك بشكل مباشر فلسطين ولبنان وسورية واليمن والعراق، تتطور نقاشات لم تعد تنحصر في المستوى السياسي المباشر حول مسائل كالتحولات في المشهد السياسي العالمي وطبيعة التحالفات الجديدة والتقارب الكبير بين قوى كانت في السابق متنافرة لتصل اليوم حد تجاوز التناقضات البينية (الثانوية) لصالح مواجهة التناقض الرئيسي مع الإمبريالية ومركزها الولايات المتحدة، مما يظهر بوادر اصطفاف دولي عام في وجه الاتجاه الذي تدفع نحوه الولايات المتحدة، أو بالأحرى الاتجاه المهيمن فيها اليوم. الحرب بدأت تؤسس لنقاشات تتجاوز هذا المستوى السياسي نحو مستوى معرفي وفكري عام بدأ يتمثل في نضوج عناصر لرؤية جديدة حول تعريف العالم والبوصلة الأخلاقية والمعرفية والقيمية ومنارة الجذب الاجتماعي التي في مجملها تعرّف الحلم الذي يحكم وعي الملايين حول العالم. هذا النقاش على مستوى الوعي اليومي بدأ يطفو على السطح شيئا فشيئاً والذي أطلقت موجته الأولى الأزمة المالية منذ عقدين تقريباً التي ضيقت مساحات الرفاه الاقتصادي في الغرب العالمي، وأنضجته تدريجياً الأحداث اللاحقة، ومنها «طوفان الأقصى» مثلاً، التي قوّضت البنى التي يتغنى بها الغرب والتي أرستها الحرب العالمية الثانية حول «الحريات السياسية» و«الليبرالية الفردية» و«التطور العلمي» والدبلوماسية الدولية وقنوات الهجرة من الجنوب العالمي إلى شماله التي كانت مدعومة بنمو مؤقت لما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
اختناق واحات «الرفاه»
يمكن تكثيف النقاش الجديد في قضية فقدان دول الغرب العالمي لميزتها وقدراتها الجاذبة في كونها قبلة ووجهة «نهائية» للطامحين إلى حياة أفضل اعتبرت هي الحياة «المثلى» والمشروع الممكن. هذا الفقدان وإن كان تأسس على ضيق هوامش النهب العالمي والأزمة المالية التي ضربت نموذج دولة الرفاه وأسست للتراجع عن سياسات الانفاق والدعم الاجتماعي، فهو اليوم يكشف عن محدودية هذه الواحات من الرفاه «التاريخي» كالنموذج الأوروبي خاصة التي تقوم على النهب والتبادل اللا متكافئ مع دول الجنوب العالمي في آسيا وإفريقيا مثلاً أو «الاصطناعي» كنموذج دول الخليج خاصة التي تقوم على محميات مالية لتبييض الأموال واقتصاد النفط لصالح الطفرات العقارية والتكنولوجية والاستثمارات في سوق المال والتي تدور كلها حول أدوار سياسية لصالح الفلك الأمريكي. هذه الواحات تنكشف اليوم عن عجزها في الاستمرار طالما هي تسير في العمل لصالح مركز المركز الإمبريالي. فالاستنزاف التي تعيشه أوروبا وتراجع اقتصادها الحقيقي وشح مواردها من النهب يضاف إليه اليوم فصل جديد من الانكشاف الطاقوي الذي بدأ مع الحرب ضد روسيا ويجري استكماله اليوم في الحرب ضد إيران.
إعادة ترتيب الحلم
أمام هذا الاختناق فيما كان إلى حد الأمس قبلة للطامحين نحو الهروب من الجنوب العالمي تعاد اليوم صياغة الحلم الفردي-الجماعي مطلقاً أسئلة كانت سابقاً محصورة في الدوائر الفكرية والأكاديمية والسياسية لتصير اليوم على طاولة الوعي اليومي للغالبية. هذه الأسئلة في جوهرها هي نتاج انتقال الأزمة إلى مستوى كوني حيث لم تعد محصورة في دول الجنوب حروباً وانهيارات اقتصادية واقتتالاً داخلياً، وصارت اليوم في قلب العالم الغربي نفسه وواحاته الاصطناعية. هذه الأزمة في احتمالية الانتقال الجغرافي والانغلاق التدريجي لاحتمالات التفلّت من بنية النهب الدولية كبنية رأسمالية في جوهرها، تفتح الباب أمام نقاش النموذج الحضاري الذي ما زال إلى حد اليوم محدود الحضور على مستوى الوعي العام. وهذا التحول في النقاش حول النموذج الحضاري من الدوائر المتخصصة إلى الفضاء اليومي هو تعبير عن اتجاه خاص في المرحلة كنا ذكرناه سابقاً ألا وهو الانتقال في الوعي اليومي إلى مستوى أعلى مجرد، وما كان نظرياً صار اليوم حاضراً في التجريب اليومي للأفراد، فلم يعد مسألة نظرية بحتة بل صار واقعاً محققاً. وأن يكون الحلم السابق في أزمة يعني أن الأفق ينفتح أكثر فأكثر نحو البديل وإن كان اليوم لا يزال في طور التشكّل. العالم الغربي وحضارته يتراجعان عن مسرح التاريخ ويتركان الساحة لنموذج حضاري لا بد وأن يكون تعاونياً، عادلاً، وإنسانياً يعيد دمج الإنسان مع المجتمع ويحقق الأسئلة المادية والروحية التي عجز النموذج الفرداني عن تحقيقه لا بل أنتج اضطرابات وأزمات تصل اليوم حد اللا عقلانية مؤسسة لانهيار العقل والإنسان ككائن فاعل. بوادر هذا العالم الذي يعيد الإنسان إلى التاريخ، أي أن يكون للجميع دور في صناعة تاريخهم، كمقولة مركزية في الفلسفة المادية التاريخية حول «الإنسان كصانع لتاريخه وكصانع لنفسه»، نقول إن هذه البوادر بدأت تظهر في المستوى السياسي وخاصة في النموذج التعاوني والتقاربي بين الدول تحت ضرورة الحفاظ على الذات، وتظهر أيضاً في ارتفاع المبادرة السياسية للأفراد بعد تلمس محدودية البنى السابقة من دول وحكومات لم يعد لها اليوم الإمكانية على الاستمرار دون الاشراك الواسع للجماهير في القضايا الكبرى ورفع مستوى معيشتها وإلا فالانهيار الداخلي.
خلاصة عامة
قضية الحلم والنموذج الحضاري البديل هي اليوم مطروحة على جدول الأعمال السياسي في قلب الحرب الدائرة. هذه الحرب، وإن بقيت دون عتبة الجنون النووي، ستتوسع نحو مساحات جديدة أو ربما ستأخذ أشكالاً مختلفة في حال عجزت الدوائر الإمبريالية في هذه الجولة عن تحقيق أهدافها من إغراق المنطقة والعالم في فوضى اقتصادية وسياسية وأمنية، ولا زال التهديد الداخلي أي ضرب البنى الاجتماعية أحد أهم الخيارات المطروحة أمام التوازن العسكري القائم والتي تظهره إيران اليوم كمثال. وهذا التهديد الداخلي يستند إلى الاحتقان الشعبي على المستوى الاقتصادي الاجتماعي والذي يجد تكثيفه وتعريفه النهائي في نمط الحياة الذي يوحد المجتمع ويحصن العقل الفردي المتحطم على مستوى الأهداف والطموحات، فيحوّله من طاقة سلبية تدميرية إلى قوة تاريخية وحدها قادرة ليس على الصمود فقط، بل على بناء العالم الجديد. وما الشعور الجمعي في الحاجة للدفاع عن الذات والحفاظ عليها في قلب الحرب، وما التعاطف والتضامن الجماعي، وما الحاجة للمبادرة السياسية والاشتراك في نقاش المصير، وما الوحدة السياسية لفصائل مختلفة داخل الدولة الواحدة حول هدف الصمود والنجاة كما يحصل في إيران اليوم، إلا دليل على هذه الفعالية التاريخية والاشتراك الإيجابي في العمليات التاريخية التي تتناقض كلياً مع النموذج الحضاري النفعي الاستهلاكي السلبي اقتصادياً وأخلاقياً وسياسياً الذي عاشته البشرية إلى هذا الحد أو ذاك في العقود السابقة
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268