تحويل الماركسية إلى سلعة إمبريالية

تحويل الماركسية إلى سلعة إمبريالية

في أحدث كتبه «مَن دفع لأبواق الماركسية الغربية» الصادر عام 2025، يناقش الباحث الماركسي غابرييل روكهيل كيف ساهمت الطبقة الرأسمالية والبنية الفوقية الإمبريالية في تطوير النسخة المُسلّعة من الماركسية المعادية للشيوعية والمعروفة بالماركسية الغربية أو الثقافية. تقدم هذه المادة مقتطفاً (بتصرف) من متن الكتاب حول هذا الموضوع، مع ملاحظة أن روكهيل عندما يستعمل صفة «الغربية» بمصطلح «الماركسية الغربية» لا يقصد بالطبع تقسيم العالم على أساس تعصب شوفيني لقوميات شرقية مثلاً مقابل غربية كما لا يقصد بالطبع وصماً اعتباطياً لأي مثقفين لمجرد انتمائهم بالولادة أو الجنسية لبلد ما غرباً أو شرقاً. غابرييل نفسه أمريكي من أصل فرنسي، وماركس وإنجلس ألمانيان. إنه يستعمل صفة «الغربية» كضد للأممية الحقة، وككناية عن كل ما يخدم مصالح الإمبريالية والاستعمار اللذين لا يمكن إنكار الحقيقة التاريخية والموضوعية بأن مركزهما الجيوسياسي «أنغلوساكسوني».

غابرييل روكهيل
تعريب وإعداد: ناجي النابلسي

سبق للينين في زمانه أن لاحظ أن: «ما يحدث الآن لنظرية ماركس، حدث مراراً وتكراراً على مر التاريخ لنظريات المفكرين الثوريين وقادة الطبقات المضطهدة الذين يناضلون من أجل التحرر... بعد وفاتهم، تُبذل محاولات لتحويلهم إلى رموز غير ضارة، لتقديسهم، إن صح التعبير، وتقديس أسمائهم إلى حد ما من أجل (مواساة) الطبقات المضطهدة وبهدف خداعها، وفي الوقت نفسه سلب النظرية الثورية جوهرها، وإضعاف حدتها الثورية، وابتذالها».
وهكذا «الماركسية الغربية» بانفصالها في معظمها عن النضالات السياسية العملية والتقدمية، فإنها تُغيّر بشكل كبير بعض المبادئ الأساسية للماركسية لتصبح مجرد منتج استهلاكي لصناعة النظرية الإمبريالية، أي سلعة مشبعة أيديولوجياً لطبقة المديرين المحترفين في قلب الإمبريالية والمتعاونين معهم من العملاء في الأطراف الرأسمالية.
هذه إحدى أهم سمات الماركسية الغربية أو الثقافية، والتي تشمل مدرسة فرانكفورت، ومثقفين أمثال فوكو وأدورنو وهوركهايمر وماركيوزه، وآخرون معاصرون مثل سلافوي جيجيك، وغيرهم... ولكنها تتجاوزها بكثير. من خلال التجريد الملموس من خطابات محددة من أجل تحديد توجهها الأيديولوجي العام، على الرغم من بعض الاستثناءات الجزئية، يمكننا تحديد خصائص إضافية.


المثالية الفلسفية مجدداً


بدايةً، تقوم الماركسية الغربية، كممارسة نظرية، على أولوية النظرية على الممارسة، وهي تتجنب عموماً السياسات التقدمية المنظمة وترفض الدول الاشتراكية لصالح الانخراط في نقاشات نظرية وتحليل المنتجات الثقافية البرجوازية. فالهدف، بالنسبة للماركسيين الغربيين، ليس تغيير العالم عبر تفسيره تفسيراً صحيحاً، بل الوقوف عند تفسير ما، أو حتى مجرد تفسير النصوص أو المنتجات الثقافية الأخرى بدلاً من التعامل مع الواقع. وتتجه ممارستهم النظرية أساساً نحو القيمة التبادلية، لا القيمة الاستعمالية، بمعنى أنهم منخرطون في الاقتصاد الرمزي للعالم الأكاديمي وما يُسمى بسوق الأفكار، لا في مشروع جماعي عملي للتحول الاجتماعي. ونتيجةً لذلك، فهم مهتمون بإدارة العلامة التجارية، وخطاباتهم مليئة بمفردات مفاهيمية خاصة، وإشارات ثقافية برجوازية واسعة، وخطابات عصرية، وغموض نظري، وانتقائية فكرية.
من الناحية المنهجية، يُعتبر الماركسيون الغربيون تحريفيين يحاولون تحريف بعض المبادئ الأساسية للمادية الديالكتيكية والتاريخية، ويركزون على النقد الثقافي على حساب الاقتصاد السياسي. هذا يُحدّ بشدة من نطاق وعمق تحليلاتهم، وهناك ميل واسع النطاق إلى افتراض أن الثقافة وعالم الأفكار يُشكلان القوى الدافعة للتاريخ في نهاية المطاف، وليس الصراع الطبقي. غالباً ما تسير هذه المثالية جنباً إلى جنب مع الاشتراكية الطوباوية - بدلاً من الاشتراكية العلمية. بعبارة أخرى، إذا كانوا يدافعون بالفعل عن الاشتراكية الثورية بأي شكل من الأشكال، فهي اشتراكية نظرية بحتة تقريباً، وليست عملية.

إن الفكرة البرجوازية القائلة بأن الفن أو الثقافة أو النظرية فقط هي التي يمكنها إنقاذنا - وليس الصراع الطبقي الثوري - هي إحدى الأفكار الرئيسية لخطابهم. هذا التضخم المفرط للبنية الفوقية يعبر عن تقييم مضخم لدور المثقفين المحترفين مثلهم، ويعكس مكانتهم الطبقية البرجوازية الصغيرة. ليس من المستغرب، بالنظر إلى عدم قدرة الفن والثقافة على إنقاذنا، أنهم يعزلون أنفسهم في الوقت نفسه عن التحولات الاجتماعية الثورية التي من شأنها أن تهز أسس موقعهم الطبقي داخل النواة الإمبريالية. بدلاً من توجيه قرائهم نحو التغيير الاجتماعي، فإنهم ينغمسون في نبوءة تحقق ذاتها من الهزيمة والانهزامية، وغالباً ما يصاحبها كآبة يسارية عندما يحاولون إيجاد مخرج سياسي من مستنقع الرأسمالية الاستهلاكية، التي يستنكرونها وينتقدونها أحياناً بشدة، فإنهم عادةً ما ينخرطون في سياسات الطريق الثالث، أي الاعتقاد البرجوازي الصغير الكلاسيكي بوجود طريق ثالث سحري يتجاوز الرأسمالية والاشتراكية معاً. قد يأتي هذا الطريق على شكل فكرة جديدة أو انفراجة سماوية، من جهة، أو على شكل حركة شعبية أو احتجاجات شعبية ترفض الوضع الراهن. ومع ذلك، فهم يتجنبون أشكال التنظيم الهرمي والتخطيط الاستراتيجي المنضبطة المرتبطة بالشيوعية. يساعد هذا في ضمان تأكيد قناعاتهم الانهزامية باثين التشاؤم والإحباط بخطاب من قبيل: لن تتمكن أبداً من تغيير العالم... ولن تنجح سياسياً أبداً إذا افترضت أن ثورة شعبية غير منظمة يمكن تنظيمها، ويمكن أن تنتصر «بطريقة سحرية» على دول إمبريالية ممولة تمويلاً جيداً للغاية ومنظمة تنظيماً عالياً ومسلحة تسليحاً كثيفاً ولديها خبرة واسعة في مكافحة التمرد، فضلاً عن أقوى شبكة دعائية في تاريخ البشرية لدعمها.

تشمل الإحداثيات الأيديولوجية المحددة للماركسية الغربية، أولاً وقبل كل شيء، رفض الاشتراكية القائمة بالفعل. يعارض العديد من الماركسيين الغربيين السياسة الثورية المنظمة على نطاق واسع، والتي تشمل شكل الحزب وفكرة الاستيلاء على سلطة الدولة نفسها.
إنهم ليسوا مجرد ليبراليين، بل يميلون، من الناحية العملية، إلى أن يكونوا قريبين جداً من الفوضويين. غالباً ما يلجؤون إلى مناهج أخلاقية مبسطة تدعو بسذاجة إلى الديمقراطية الأفقية وتنتقد جميع أشكال التنظيم والانضباط الكفاحي والنضال من أجل الهيمنة، بدلاً من التفكير من الناحية السياسية الاستراتيجية حول كيفية تعديل المجتمع هيكلياً على المدى الطويل من أجل جعل الديمقراطية عالمية وجوهرية حقاً. وبالتالي، فهم لا يميلون إلى أن يكونوا مفكرين استراتيجيين يدركون أن ديالكتيك الاشتراكية يتطلب أحياناً تكتيكات قد تبدو متناقضة ظاهرياً مع الهدف العام، لكنها الطريقة الوحيدة للنهوض بالاشتراكية في العالم الحقيقي. أخيراً، إذا أُتيحت لهم الفرصة للاختيار بين الشيوعية والرأسمالية، فإن الماركسيين الغربيين عملياً ينحازون إلى الرأسمالية ضد الشيوعية. على الرغم من انتقاداتهم للرأسمالية، والتي بعضها مؤسس على أسس جيدة، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا مناهضين للشيوعية ومؤيدين للرأسمالية.


غايتها تجريد الناس من أمضى سلاح نظري


كان التأثير الإجمالي للماركسية الغربية هو الترويج العالمي لسلعة ثقافية برجوازية صغيرة ذات قيمة استعمالية ضئيلة في النضالات العملية ضد علم التحرير الجماعي والإبداعي المعروف باسم المادية الديالكتيكية والتاريخية، علم تغيير العالم عملياً من خلال كسر قيود الإمبريالية، ولذلك من الواضح، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة، أنها أخطر سلاح نظري في الصراع الطبقي. ولأن البرجوازية لم تتمكن من استئصال الماركسية تماماً، فقد عملت مع عناصر من الدولة البرجوازية والجهاز الثقافي البرجوازي لتنمية نسخة سلعية من الماركسية يمكنها نشر فيروس معاداة الشيوعية تحت غطاء حبة حمراء اللون، وقد أدى ذلك إلى ظهور صناعة متغطرسة من الخطابات الأكاديمية غير الفعالة التي يتم الترويج لها في جميع أنحاء العالم باعتبارها طليعة النظرية الماركسية، ولكنها، من الناحية العملية، تعمل على تضليل أو إرباك أو ببساطة تنفير أولئك الذين يبحثون عن دليل نظري صارم لفهم العالم وتغييره.
كان الغرض الأساسي من إجراء نقد ديالكتيكي واسع النطاق للماركسية الغربية أو الثقافية، وبالتالي إثبات أنها في النهاية نتاج نظري إمبريالي، هو تزويد الناس بالمعرفة اللازمة لهم لتوجيه أنفسهم في الحرب الفكرية العالمية، ومعرفة الجانب الذي يقفون فيه، والتقدم في الاتجاه الأكثر تماسكاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268