القضية الفلسطينية: إطار لتعبئة تونسية عبر قرن من الزمان
هيلة اليوسفي هي أستاذة مشاركة في جامعة باريس دوفين-PSL، ومؤلفة كتاب «النقابات والثورات العربية: الحالة التونسية للاتحاد العام التونسي للشغل». نُشر هذا المقال أولاً بالفرنسية في مجلة «كونترتان» في تشرين الأول 2025.
هيلة اليوسفي
تلخيص وترجمة قاسيون
في أيلول 2025، شهدت تونس حدثاً بالغ الدلالة السياسية والرمزية؛ انطلاق قافلة «الصمود العالمي» البحرية إلى غزة من مينائي سيدي بوسعيد وبنزرت. هذه المبادرة الدولية، التي دعمها تحالف واسع من النشطاء والنقابات والجمعيات والمواطنين التونسيين، استهدفت كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، ولفت انتباه المجتمع الدولي إلى جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة في فلسطين، والمطالبة بفتح ممر بحري لإيصال المساعدات الإنسانية. تعكس الهتافات الشعبية، التي مزجت بين الشعار المحلي «مقاومة... مقاومة... لا سلم لا استسلام» والشعار الأممي «فلسطين حرة»، تشابك التعبئة التونسية مع التضامن العالمي.
هذه الحلقة هي جزء من تاريخ طويل، فمنذ عشرينيات القرن العشرين، أي قبل إنشاء الكيان الصهيوني بوقت طويل، شكلت القضية الفلسطينية محوراً بنيوياً للعمل السياسي في تونس. وهي، بعيداً عن كونها مجرد تضامن رمزي، كانت بمثابة رافعة للحراك المناهض للاستعمار، وناقلاً للتجذر السياسي، وأداة للتعبئة الاجتماعية ضد الاستبداد. يتتبع المقال ثلاث محطات رئيسة؛ التعبئة المؤيدة لفلسطين (1920-1948) وصدى ذلك في الحركة الوطنية التونسية؛ وهزيمة 1967 (النكسة) وجذرية اليسار التونسي والعربي؛ وأشكال التعبئة الثورية منذ 2011 وعودة النضال ضد التطبيع مع «إسرائيل».
فلسطين وبناء الوطنية التونسية (1920-1955)
تعود أولى أشكال التضامن التونسي مع فلسطين إلى عشرينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تصاعد التوتر في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وجدت أحداث ثورة البراق في القدس (1929) صدىً قوياً في تونس. فقد شكلت هذه الاحتجاجات وسيلة غير مباشرة للتنديد بالهيمنة الاستعمارية وتعزيز التماسك الوطني من دون مواجهة مباشرة مع السلطات الاستعمارية الفرنسية. كما شكلت تلك الأحداث نقطة تحول في العلاقات بين اليهود والمسلمين في المغرب العربي، ولعبت دوراً بنيوياً في تاريخ الصهيونية بالمنطقة وظهور القومية العربية.
رأى القوميون التونسيون في الصهيونية ليس مشروعاً استعمارياً في فلسطين فقط، بل تهديداً محتملاً للتوازن المجتمعي في تونس، خاصة مع دعم السلطات الاستعمارية للنشاط الصهيوني عبر شبكات تعليمية وثقافية وصحافة يهودية صهيونية مزدهرة. وقد عبر السياسي التونسي عبد العزيز الثعالبي عن ذلك بخطابه في المؤتمر الإسلامي في القدس (1931). كما تجلت هذه التعبئة في الضغط على شخصيات صهيونية مثل فاني فايل وإلغاء محاضراتها (1932) بفعل نشطاء الحزب الحر الدستوري والديوان. كانت هذه المظاهرات جزءاً من استراتيجية مقاومة شاملة ضد كل أشكال الاستعمار، سواء الأوروبي أو الصهيوني.
في عام 1948، سافر عدة تونسيين للقتال إلى جانب الفلسطينيين في صفوف جيش الإنقاذ العربي، في تجسيد لوعي قومي جامع مناهض للاستعمار. تسبب النشاط الصهيوني وقيام إسرائيل والنكبة في تدهور العلاقات بين الطوائف وإبعاد العديد من اليهود التونسيين عن محيطهم العربي الإسلامي. حاول بعض القوميين، مثل صلاح بن يوسف، الدعوة إلى الوحدة ضد العدو الاستعماري الفرنسي، منتقداً من وصفهم «بإخوانه اليهود» الذين يهاجرون للكيان الصهيوني بينما البلاد بحاجة إلى مساعدتهم، ومؤكداً أن «العدو المشترك هو المستعمر الفرنسي».
1967: النكسة وتحول اليسار التونسي
تسببت هزيمة 1967 في زلزال سياسي وتحول أيديولوجي كبير لليسار العربي. أعادت النكسة إحياء صدمة النكبة وعززت الشعور بالخيانة من قبل الأنظمة العربية التقليدية، مما غذى تياراً جذرياً جديداً بين الطلاب والشباب. تبنى هذا الشباب مرجعيات أيديولوجية جديدة كالماوية وعدم الانحياز ونظريات «حرب التحرير الشعبية». أصبحت فلسطين بؤرة هذا التحول، حيث اعتبرت الثورة الفلسطينية طليعة الثورة العربية الشاملة.
لم تكن تونس بمنأى عن هذه الديناميكية. ففي 5 حزيران 1967، انطلقت مظاهرات عفوية استهدفت المصالح الأمريكية والبريطانية، والتحق بها طلاب ونشطاء قوميون ويساريون ينددون بسياسة الحبيب بورقيبة المنحازة للغرب. شكلت هذه الأحداث أول شرخ كبير في النظام البورقيبي الاستبدادي، ومثلت لحظة التقاء بين اليسار الملتزم وجزء من الشباب الحضري. أعقب ذلك قمع شديد عمق الفجوة بين النظام والأجيال الجديدة من النشطاء.
منذ 1967، برزت مجموعة الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس (المعروفة بمجلة «برسبكتيف») كأهم قوة معارضة، وتبنت خطاً ماوياً يدعو إلى المواجهة المباشرة مع السلطة، متجاوزة الحزب الشيوعي التونسي. قدمت النظريات الماوية نموذجاً للنضال قائماً على تعبئة الجماهير الريفية، مما ألهم الشباب المتمرد على الاستبداد. في 1969، خلفتها حركة «الطّبْعَة التونسية» (العامل التونسي)، التي سعت إلى الجمع بين الماركسية والقومية العربية والماوية. انخرط العديد من أعضائها في منظمات فلسطينية في لبنان وتلقوا تدريبات سياسية وعسكرية، مما عزز التزامهم بالكفاح المسلح كطريق للتحرير. كما عملت الحركة على «تعريب» الفكر الثوري باستبدال اللغة الفرنسية بالعربية في منشوراتها، مجسدة بذلك جذرية سياسية منبثقة من الجنوب العالمي، خارقة للنماذج الأوروبية المركزية.
وهكذا، أحدثت هزيمة 1967 تحولاً أيديولوجياً عميقاً، حيث أدمج الشباب الجذري القضية الفلسطينية في صميم نضالاتهم الاجتماعية والوطنية، معتبرين النضال ضد الهيمنة الاقتصادية والتدخل الأجنبي امتداداً طبيعياً للتضامن مع فلسطين. تراجع هذا المد اليساري منذ أواخر السبعينيات مع صعود تيارات إسلامية كحماس وحزب الله وحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة) التي استوعبت جزءاً من الخطاب المعادي للإمبريالية.
الثورة التونسية والنضال ضد التطبيع مع إسرائيل
في العصر الحديث، اتخذ نظام بن علي، مثل سلفه بورقيبة، موقفاً متناقضاً من القضية الفلسطينية. فإلى جانب الدعم الرسمي والمسيرات الموجهة، سلك النظام مسار تطبيع تدريجي بفتح مكتب مصالح تونسي-«إسرائيلي» في تل أبيب (1996). ورغم القيود الأمنية، واصلت مجموعات المحامين والطلاب ونشطاء حقوق الإنسان والنقابات التعبير عن معارضتها، محافظين على جذوة النضال من أجل السيادة الوطنية والتضامن مع فلسطين.
أشعلت الحركة الشعبية التونسية (2010-2011) من جديد مركزية القضية الفلسطينية. رفعت الأعلام الفلسطينية في المظاهرات، وتردد شعار «الشعب يريد تحرير فلسطين» إلى جانب المطالبة بإسقاط النظام. لم تكن فلسطين قضية خارجية، بل مرآة عكست القمع الذي يعانيه العرب تحت أنظمة مستبدة متحالفة مع قوى أجنبية. فدعم فلسطين يعني المطالبة بالتحرر الجماعي.
بعد سقوط بن علي، برزت قضية تجريم التطبيع بقوة في النقاشات العامة. ورغم محاولات إدراجها في دستور 2014، إلا أن الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية حالت دون ذلك، مما سبب إحباطاً للشباب الثوري واليسار. وبقيت القضية الفلسطينية في ديباجة الدستور، بينما أصبح النقاش حول التطبيع مقياساً سياسياً يكشف حدود التغيير بعد الثورة والتناقض بين الطموحات الشعبية ومصالح النخبة. ورغم العراقيل، لا يزال التضامن مع فلسطين قوة تعبوية كبرى، تجلت في حادثة اغتيال المهندس محمد الزواري (2016) المنسوبة للموساد، وفي تنامي حملات المقاطعة (BDS) والعرائض ضد التطبيع الأكاديمي والثقافي.
خلاصة
يظهر استعراض قرن من التعبئة في تونس أن القضية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد أفق للتضامن الخارجي، بل كانت في صلب إعادة التشكيل الأيديولوجي والممارسات النضالية والحركات الاجتماعية والسياسية. لقد أثر النضال في فلسطين بعمق على الديناميكيات السياسية والاجتماعية في تونس، من تحدي الاستعمار الفرنسي إلى النقاشات الراهنة حول الديمقراطية والسيادة الوطنية. وبعيداً عن كونها قضية عابرة، برزت فلسطين كمؤشر كاشف للتناقضات الداخلية بين النخب والحركات الشعبية، بين الانفتاح الدولي والاعتبارات الإقليمية، بين منطق التطبيع والاندماج الإقليمي من جهة، وثبات حركة شعبية تضع تحرير فلسطين في صميم النضالات الديمقراطية والاجتماعية من جهة أخرى.
اليوم، تعيد أخبار الإبادة في فلسطين إحياء هذا التاريخ، مؤكدة على الطابع البنيوي للقضية الفلسطينية في المخيال السياسي التونسي. إنها تعمل كمرآة يعرف فيها التونسيون تجربتهم الخاصة في الهيمنة وسعيهم غير المكتمل للسيادة الكاملة. تقدم الحالة التونسية مثالاً لديناميكية أوسع في العالم العربي: قناعة بأن أي تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة يجب أن يواجه أولاً المنطق الاستعماري والإمبريالي الذي يبتلي الشعب الفلسطيني ويهدد جميع شعوب المنطقة. فلسطين ليست قضية تضامن دولي فقط، بل هي عنصر مكوّن لأي تفكير جدي في المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات العربية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265