الأكاذيب ودفع الفواتير
 فاطمة الخلف  فاطمة الخلف

الأكاذيب ودفع الفواتير

 في كل مرة يجري فيها الحديث عن احتمالات حرب جديدة ومواجهة بين الولايات المتحدة وقوى إقليمية ودولية، تنتشر تحفظات واسعة بين شرائح متعددة في المجتمع الأمريكي، وتفتح جروح عميقة في الوعي وتنعش الذاكرة المثقلة بخيبات رافقت تجارب ما زالت حاضرة من أفغانستان إلى العراق وغيرها.

تتآكل الثقة يوماً بعد آخر بالسلطة السياسية وسياسات التدخلات الخارجية، ليس بسبب حجم الخسائر البشرية والمادية الهائلة فقط، والتي رافقت الحروب الطويلة والمكلفة وغير الحاسمة، بل بسبب حجم وشدة التضليل التي رافقت هذه الحروب أيضاً وراكمت وعياً متنامياً بفشل سياسات متكررة لم تحقق للبلاد المكاسب التي جرى الترويج لها بقدر ما خلفت أعباء سياسية واقتصادية واجتماعية ظهرت آثارها على المجتمع وتلمسها المواطنون الأمريكيون العاديون بشكل واضح في تفاصيل حياتهم اليومية ممن يرهقهم التفكير في أقساط منازلهم وتأمينهم الصحي وتعليم أبنائهم ومستقبل وظائفهم... إلخ، وجعل مخاوف «حرب مقبلة» خطراً يدق أبوابهم هم.


الاتجاه الخاطئ


تقدم الأرقام والاستطلاعات وبعض الخطابات السياسية، مؤشراً هاماً عن مدى تزايد القلق الشعبي عندما تقرع طبول الحرب، وتتصاعد التهديدات الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم، كالتهديد بإشعال مواجهة مع إيران أو الاستيلاء على غرينلاند أو محاولات إسقاط أنظمة في أمريكا اللاتينية... إلخ، فبعد عقود من الحروب الخارجية، لم يعد كثير من الأمريكيين يصدّقون الشعارات القديمة ولا التضليلات التي استخدمت لتبرير مغامرات عسكرية سابقة، رغم الترويج الإعلامي لفكرة «الردع بالقوة» في مواجهة ما يطلق عليه صناع السياسات ب«التهديدات الخارجية» لأمريكا. ويبدو الشارع الأمريكي اليوم أكثر حذراً وتردّداً، بعد ما خبره من تجارب عميقة زعزعت ثقته بالسلطة وسياساتها وأعادت إحياء الجدل بشكل واسع حول دور الولايات المتحدة في العالم، وحدود استعداد الأمريكيين لدفع تكاليف بشرية ومادية جديدة من أجل أي مغامرة عسكرية خارجية، حتى حين تغلَّف بشعارات سياسية أو إنسانية، ومهما كان هدفها (إسقاط أنظمة، أو السيطرة على موارد طبيعية خارجية، أو إجبار دول على التنازل عن أراضيها للولايات المتحدة...إلخ)
ويعكس مزاج الشارع هذا الحذر بوضوح، إذ عبّر نحو 70% من الأمريكيين عن معارضتهم لأي عمل عسكري ضد إيران، بينما عارض 86% استخدام القوة للاستيلاء على غرينلاند، وفق استطلاع صادر عن معهد استطلاعات الرأي في جامعة كوينيبياك منتصف كانون الثاني من هذا العام.
كما سجّلت استطلاعات أخرى لاحقة تراجعاً ملحوظاً في رضا الأمريكيين عن أداء مراكز القرار في البلاد، وأشارت إلى أن أكثر من نصف المستطلَعين نحو (56%) قالوا: «إن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ»، بينما أكد كثيرون تآكل ما يُسمّى «السلطة الأخلاقية» للولايات المتحدة في العالم، وأن بلادهم «تجاوزت الحد» في استخدام الجيش الأمريكي للتدخل في شؤون دول أخرى.


«حارس الاكاذيب»


يوثق فيلم «حارس الأكاذيب» الوثائقي للمخرج الأمريكي دان كراوس، اعتماداً على مصادر حكومية ووثائق سرية وتسجيلات صوتية خاصة، قصة الحرب التي وجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة فيها على امتداد قرابة عقدين (2001–2021)، في أفغانستان، ويكشف ما راكمته الأكاذيب والتضليل من تناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني الذي عاشه الجنود والمدنيون في أفغانستان، مُظهراً كيف استمرّ المسؤولون الأمريكيون بالترويج لنصر قريب، فيما كانوا يخفون تقارير تُشير إلى أن الحرب تتجه إلى كارثة. فبحسب مشروع «كوست أوف وور» (Costs of War) التابع لمعهد واتسون/ جامعة براون، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليوني دولار على الحرب في أفغانستان، فيما فقدت نحو 6250 قتيلاً بين عسكريين ومدنيين ومتعاقدين، خلال الفترة الممتدة من عام 2001 إلى عام 2021.
وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» عام 2019، أن أكثر من نصف الأمريكيين يعتقدون أن الحرب في أفغانستان لم تُسفر عن مكاسب حقيقية، مقابل كلفة بشرية ومالية باهظة تكبّدتها البلاد. لاحقاً وتزامناً مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، أجرى «بيو» استطلاعاً جديداً، أشار إلى أن 70% من المشاركين يعتبرون أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها.


سيناريو مكرر


وفي العراق تكرر سيناريو تضليلي مشابه، إذ تلقى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن الدعم الواسع من الأمريكيين ل«لإطاحة بصدام حسين عام 2003»، حسب ما جرى الترويج له في الإعلام. وكان مناخ صدمة 11 أيلول 2001 لا تزال حاضرة بقوة، لاحقاً، فُوجئ الأمريكيون بأن الدعم الذي قدموه لحرب استمرت 8 سنوات، بُني على أساس من الأكاذيب، منها تهديد النظام العراقي للأمن القومي الأمريكي، والحديث عن «أسلحة دمار شامل» والعلاقات المزعومة بتنظيم القاعدة، والتأكيد على امتلاك أدلة على ذلك. حيث كشفت تحقيقات عديدة أجرتها لجان مستقلة وحكومية أن تلك الادعاءات لم يكن لها أساس من الصحة على أرض الواقع، فيما بلغت الخسائر البشرية الأمريكية وحدها نحو 8260 قتيلاً من العسكريين والمدنيين والمتعاقدين. كما أشارت التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 2.89 تريليون دولار على الحرب في العراق وسورية خلال نحو عقدين، ما قوّض مصداقية السلطة الأمريكية وزعزع الثقة بها على نطاق واسع. ففي بلد يعيش فيه نحو 36 مليون أمريكي تحت خط الفقر، وفق تقديرات مكتب الإحصاء الأمريكي لعام 2024، ولا تزال ميزانية الدفاع الأمريكية تسجل أعلى مستوى في العالم بفارق شاسع، مع استمرار تراجع المخصصات الفيدرالية للرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة.


الداخل يدفع الفاتورة


وتكمن أكبر كلفة طويلة الأجل لهذه الحروب في إعانات الإعاقة والرعاية الطبية للمحاربين القدامى الذين خدموا في أفغانستان والعراق والمناطق المجاورة، إضافة إلى عائلاتهم. إذ يُعدّ أكثر من 40% من قدامى محاربي ما بعد 11 أيلول مؤهلين للحصول على مدفوعات إعاقة مدى الحياة، وبين العامين 2001 و2020، تضاعفت مخصصات الرعاية العامة لهم من 2.4% إلى 4.9% من الميزانية الفيدرالية، بحسب المصادر الرسمية. يغذي هذا الاختلال الصارخ شعوراً متنامياً بأن الداخل الأمريكي يدفع فاتورة الحروب من دون أن يحصد أي ثمار استراتيجية. كما تكشف الخسائر الفادحة للحروب، أن التدخلات الخارجية لم تجلب للمواطن الأمريكي العادي سوى الأعباء، ولم تُترجم إلى مكاسب ملموسة، بل جاءت على حساب أولوياته اليومية من الاقتصاد والصحة والتعليم. 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265