عائدون... لماذا يبقى حق العودة الفلسطيني جوهر القضية؟
في بداية شهر شباط الجاري، أعاد الكيان الصهيوني فتح معبر رفح، وسمح لاثني عشر فلسطينياً بالعودة إلى ديارهم. اثنا عشر شخصاً اختاروا العودة إلى غزة، مدركين تماماً أنهم قد يقتلون مجدداً، لكنهم فضلوا الموت على أرضهم على أن يعيشوا غرباء في بلدان لن تكون وطناً لهم أبداً. هذا القرار تزامن مع الإعلان عن «خطة شاملة» لغزة قدمتها «إسرائيل» والولايات المتحدة، تجاهلت بشكل كامل المدخلات الفلسطينية وأقصت حق العودة الجماعي كخيار مطروح. كما تزامن مع استقالة عمر شاكر من منظمة هيومن رايتس ووتش بعد رفض المنظمة لتقرير أعده فريقه حول حق العودة الفلسطيني.
في وقت أصبح فيه حق العودة مسألة حياة أو موت للوجود الفلسطيني، يعمل العالم على جعله يبدو مستحيلاً، ويعاقب من يدافع عنه. كل «خطة سلام» تُطرح تقدم للفلسطينيين كل شيء ما عدا الشيء الجوهري: الحق في العودة إلى الديار. تظهر كل هذه الأحداث الأخيرة أن مسألة عودة الفلسطينيين إلى أرضهم ما زالت، في جوهرها، مسألة ما إذا كان مسموحاً للفلسطينيين بالوجود كشعب من الأساس.
فما هو هذا الحق؟ إنه حق الفلسطينيين الذين طُردوا أو أُجبروا على الفرار من ديارهم عام 1948 وما بعده، في العودة إلى تلك الديار، واستعادة ممتلكاتهم، والعيش فيها بكرامة. إنه حق فردي وجماعي، معترف به بموجب القانون الدولي، لا يسقط بالتقادم، ولا بالتفاوض السياسي، ولا بتغير السيادة. لكن حق العودة يتجاوز كونه مجرد نص قانوني؛ فهو لا ينفصل عن هويتنا كفلسطينيين، وهو شرط ضروري لحقنا في تقرير مصيرنا.
لماذا يتمسك الفلسطيني بأرضه بهذا العناد؟ في ميشيغان حيث أعيش، التقيت بطفل من غزة يتلقى علاجاً لتركيب ساق اصطناعية عبر منظمة «هيل فلسطين». حدثني عن استشهاد عائلته الممتدة بأكملها خلال الإبادة الجماعية، باستثناء شقيق واحد فقط. ورغم ذلك، لا يزال حلمه الوحيد هو العودة إلى غزة، ليعيد البناء، وليموت يوماً حيث ماتت عائلته. لماذا يختار أحدهم هذا المصير؟ لماذا يعود من فقد كل شيء إلى مكان يبدو وكأنه فقد كل شيء هو الآخر؟ لماذا تهم هذه الأرض تحديداً إلى الحد الذي يجعل الإنسان يفضل الموت فيها على العيش بسلام في مكان آخر؟
بالنسبة للفلسطينيين، الأرض ليست مجرد مسرح للحياة، بل هي نسيج الوجود الفلسطيني نفسه، منسوجة في الهوية والذاكرة واستمرارية الأجيال. لم أعد إلى وطني منذ سنوات، لكني ما زلت أتذكر شعور الشمس على بشرتي هناك، كيف كان دفئها أكثر حميمية، كيف كانت رائحة أشجار الزيتون واليانسون تجعل كل دكان وزاوية سوق تبدو وكأنها وطن. أن تكون فلسطينياً يعني أن تحمل اسمك وبلدك في دمك. كما قال محمود درويش، أن «تُصاب بداء عضال هو الأمل».
الفلسطينيون في غزة، الذين نجوا من سنتين من القصف الإبادي، لا يزالون يستيقظون كل صباح فلسطينيين، يعلّمون أطفالهم العربية، يروون لهم حكايات عن القرى التي أحبها أجدادهم. الفلسطينيون في الضفة الغربية يزرعون أشجار الزيتون وهم يعلمون أنهم قد لا يجنونها أبداً، لأن الغرس هو إيمان بالمستقبل. يعيدون بناء منازلهم المهدمة لأنهم لا خيار آخر لهم. ينجبون الأطفال لأن تربية طفل فلسطيني هي في حد ذاتها ثورة في وجه من ينكرون وجود الشعب الفلسطيني.
هذا التمسك بالأرض هو نتيجة مباشرة للنكبة المستمرة. عندما بدأت النكبة عام 1948، تم تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، أي أكثر من 50% من إجمالي السكان آنذاك. دُمرت أكثر من 400 قرية، وسُرقت أكثر من 70% من أرض فلسطين التاريخية. كما يجادل ربيع إغبارية، فإن النكبة هي عنف يومي يشمل التهجير والاحتلال والفصل العنصري والإبادة، بشكل متزامن. لقد فتتت النكبة الشعب الفلسطيني ديموغرافياً، وقطعت صلته بوحدة أراضيه، ودمرت البنية التحتية الاجتماعية اللازمة للحكم الجماعي. تفرقت العائلات في مخيمات اللجوء، وتفككت المجتمعات، مما جعل تقرير المصير الفلسطيني مستحيلاً.
كان من المفترض أن يكون المخيم مؤقتاً، لكنه أصبح دائماً. وكان من المفترض أن تؤدي اتفاقيات أوسلو إلى الدولة، لكنها جلبت ثلاثين عاماً من الاستيطان المتوسع والتمييز العنصري المتجذر. كل الأطر المطروحة على الفلسطينيين تطلب منهم القبول بأقل مما سُرق. كل مفاوضات تنطلق من فرضية أن عام 1948 هو الماضي، وأن ما حدث قد مضى ولا يمكن تداركه، وعليهم تقبل الواقع الحالي والمضي قدماً. لكن لا يمكن تحقيق تقرير المصير للفلسطينيين دون معالجة النكبة، لأنها لم تنتهِ بعد. لا يمكن أن يوجَد تقرير المصير الفلسطيني من دون حق العودة، لأنه لا يوجد شعب فلسطيني منفصل عن فلسطين. هويتنا الفلسطينية لا تنفصل عن هذه الأرض تحديداً: عن برتقال يافا وبحر حيفا، عن بساتين الزيتون في جنين وتلال القدس. القول إن بمقدور الفلسطينيين تقرير مصيرهم في مكان آخر هو قول بأنه يمكنهم التوقف عن كونهم فلسطينيين والتحول إلى شيء آخر تماماً.
يُعرَّف تقرير المصير في القانون الدولي بأنه حق الشعوب في تقرير وضعهم السياسي بحرية والسعي بحرية إلى تحقيق تنميتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما بالنسبة للفلسطينيين، فهذا لا يمكن أن يحدث في المنفى. فتنميتنا الاقتصادية كانت مرتبطة بالزراعة وبمحاصيل ومواسم محددة على أرض محددة. وتطورنا الاجتماعي كان منظماً حول الحياة القروية وشبكات العائلات الممتدة المتجذرة في المكان. وبرز تطورنا الثقافي من المشهد الطبيعي نفسه، فشعرنا عن أشجار الزيتون، وطعامنا المبني على ما توفره الأرض، وطريقة وجودنا كلها تشكلت بفعل الجغرافيا التي جئنا منها. الادعاء بأن الفلسطينيين يمكنهم ممارسة تقرير المصير في دولة مبتورة على 22% من فلسطين التاريخية، أو في مخيمات اللجوء، أو في الشتات، هو ادعاء بأنه يمكن فصل الفلسطينيين عما يجعلهم فلسطينيين.
بالنسبة للفلسطينيين، العودة هي تقرير المصير. هي التأكيد على أننا ما زلنا شعباً مرتبطاً بتلك الأرض بالذات، وأن منفانا لا يسقط بالتقادم. ما يقارب ثمانية عقود من التهجير تم تفتيتنا فيها ديموغرافياً، لكنها لم تدمر الحقيقة الأساسية: أننا ننتمي إلى تلك الأرض وأنها تنتمي إلينا.
لهذا السبب يبقى حق العودة الاختبار الأكبر لدعم الفلسطينيين. فالعودة تتطلب الإقرار بأن «إسرائيل» هي مستعمرة استيطانية بُنيت على التطهير العرقي. وأن «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» هي في الواقع دولة فصل عنصري. وأن ما حدث في عام 1948 هو الجريمة التأسيسية التي تشكل كل ما حدث بعدها. دعم العودة يعني قبول أن سرقة الأرض لا تصبح قانونية لمجرد الاحتفاظ بها لمدة كافية وقتل عدد كافٍ من سكانها. يعني قبول أن للشعوب الأصلية حقوقاً في أرضها تبقى رغم الاحتلال، وتستمر رغم الإبادة، ولا يمكن إطفاؤها بالزمن أو العنف. والسلام يتطلب عدالة، والعدالة تتطلب عودة، والعودة تتطلب الاعتراف بأن المشروع الصهيوني بأكمله بُني على جريمة يجب تصحيحها.
تدّعي «إسرائيل» أن العودة مستحيلة. لكن هناك أمثلة عالمية تثبت عكس ذلك. في رواندا، تم الاعتراف «بالحق غير القابل للتصرف» للاجئين التوتسي في العودة بعد أربعة وثلاثين عاماً في المنفى. جعلت البوسنة عودة اللاجئين جزءاً أساسياً من اتفاقية السلام. ما زالت قبرص تدعم مطالبات القبارصة اليونانيين بالعودة منذ خمسين عاماً. هذه السوابق تثبت أن العودة ممكنة، وتصبح مستحيلة فقط إذا أصررنا على الحفاظ على الجريمة التي خلقت التهجير في المقام الأول.
لقد قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني في غزة، بمعدل 91 وفاة يومياً على مدى أربعة وعشرين شهراً. تشير تقديرات مستقلة إلى أن عدد الشهداء قد يصل إلى 680 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال. دُمّر أو تضرر 70% من جميع المباني في غزة، بما في ذلك 92% من المساكن. قُصفت كل جامعة. تضررت أو دُمّرت 95% من المدارس. اغتيل ما يقرب من 1600 عامل في مجال الرعاية الصحية. قُتل بالرصاص أكثر من ألف فلسطيني كانوا يبحثون عن مساعدة.
سنعود إلى هذا كله. إلى مدن مختزلة إلى ركام. إلى حقول مسمومة بالفوسفور الأبيض. إلى أنظمة مياه مدمرة. إلى مستشفيات مفجّرة. سنعود إلى قبور سنضطر لاستخراجها لإعادة دفنها بشكل لائق. سيعود الفلسطينيون إلى غياب كل من أحبوا ممن لم ينجوا. سنعود إلى أرض طُهرت بدمائنا لثمانية وسبعين عاماً. وسنعيد البناء. لأن هذا ما يفعله الفلسطينيون. نحن نرفض الزوال، وسنعود لأننا لم نغادر أبداً. لكننا لن نعود كلاجئين ممتنين يتوسلون المأوى في وطننا. سنعود كشعب نجا من الإبادة، وقاوم التطهير العرقي، ورفض أن يُمحى. سنعود وكرامتنا سليمة وحقوقنا غير منقوصة، لأن أي شيء أقل من ذلك يديم المنطق الاستعماري الذي خلق هذه الكارثة.
أحمد إبسايس هو فلسطيني أمريكي من الجيل الأول وطالب قانون يكتب النشرة الإخبارية «حالة حصار».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
أحمد إبسايس