دراما أمريكا الجنوبية
«منفيون في أرضهم ومحكومون بالشتات الأبدي فقد جرى دفع هنود أمريكا اللاتينية نحو أفقر المناطق، نحو الجبال الجرداء أو أعماق الصحاري، بقدر ما كانت تتسع حدود الحضارة السائدة، لقد عانى الهنود وما زالوا يعانون من لعنة ثروتهم الخاصة وهذا هو مركب دراما كل أمريكا الجنوبية»
لا تختصر كلمات ادواردوغاليانو السابقة والمقتبسة من أحد أهم كتبه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية»، معاناة بلدان أمريكا اللاتينية وشعوبها فقط، بل معاناة كل بلدان المستعمرات، أو بلدان العالم الثالث كما جرى تسميتها في القرن الماضي، بلدان جرى نهب ثرواتها واستباحتها على مدار قرون.
ما حدث في فنزويلا مؤخراً فتح الباب واسعاً أمام نقاش عام وضروري، لم يكتفِ بتوصيف العنجهية والبلطجة في الممارسة السياسية للولايات المتحدة الأمريكية بل بدأ البحث عميقاً في جذور ونتائج هذه السياسات ليس لأنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء فقط في السياسة الدولية بل لما تشير إليه من وقائع لما يمكن أن تسببه من أخطار على العالم أجمع، حلفاء ومعادين. فما حدث كفيلم هوليودي من اختطاف رئيس دولة ونقله قسراً إلى خارج بلاده خارج أيّ نطاق قانوني دولي، لم يكن سوى استعراضاً للقوة وإثبات الحضور، ومحاولة إعادة ترسيخ هيبة بدأت بالانحسار والتآكل.
على عكس ما يطرحه الإعلام ويحاول تثبيته، يظهر اللجوء إلى القوة العسكرية وممارسة أسلوب العربدة والبلطجة بدلاً من الإمساك بزمام الأمور ولغة الكلمات والدبلوماسية السياسية، كعلامة واضحة على بداية مسيرة التآكل البطيء من الداخل، والتعبير عن حالة من التفكك الداخلي. ثمة إشارات لوجود خلخلة في التركيبة البنيوية للأوضاع السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، ومحاولة لإخفاء ضعف يتراكم، فأمريكا التي تصف نفسها صاحبة القوة العظمى في العالم لم تعد قادرة على إدارة مصالحها وعلاقاتها عبر آليات السياسة والدبلوماسية الناعمة وحتى «التهديد الخفيّ» الذي كانت تمارسه سابقاً، فلقد أصبحت مضطرة لممارسة العربدة والبلطجة السياسية والعسكرية لمنع أيّ منافس أو خصم لها من التفوّق عليها.
ما حصل في فنزويلا ليس استثناءً، فلقد طبّق الكيان الصهيوني السياسة ذاتها في حرب الإبادة الجماعية الأخيرة على غزة، استخدم فيها قوة عسكرية مفرطة أمام شعب أعزل، ولهذا أهميته كمؤشّر على بداية الأفول ودليل ضعف لا قوة، أدت إلى تراجع صورة السلوك الأمريكي واستبدال الأخلاق السياسية بلغة البلطجة لتعويض العجز والفشل البنيوي في الإقناع والتأثير، والقدرة على حشد الإجماع الدولي لصالح سياساتها ومصالحها في المنطقة.
تكشف أمريكا عن وجهها الحقيقي فلم تعد تعمل من وراء الستار، فوفقاً لتعابير الهيمنة في السياسة الأمريكية، تشكل أمريكا اللاتينية تاريخياً، المجال الحيوي للنفوذ الأمريكي على وجه الخصوص، ويمكن تفسير ما حدث، بأنّ الإدارة الأمريكية لم تعد قادرة على إدارة هذه «الساحة» المهمة بالنسبة لها عبر السياسة الصامتة أو الضغوط الاقتصادية وحدها كما في الماضي، لذلك تتدخّل وتستعرض قدراتها العسكرية، مع تعمّد إبراز سياسة الإذلال في كلّ الصور التي سرّبتها للرئيس الفنزويلي، وتوظيف خطاب يغطّي الاستعراض العسكري، للدلالة على نجاح سياسة القوة، والتي يمكن أن قد تكون قد حقّقت بعض الأهداف تكتيكياً لكنها انهزمت استراتيجياً.
يكشف كتاب غاليانو كيف جرى احتلال واضطهاد وإبادة السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية في مرحلة هامة من تطور الرأسمالية العالمية. ثمة ضرورة لمراجعة التاريخ من وجهة نظر أخرى مغايرة لما جرى تسويقه عالمياً على يد سادة الغرب الجدد وأبواقهم. يمكن بناء رؤية شاملة في لحظة هامة ومفصلية من تاريخ قارة كاملة جرى الهيمنة عليها وحكمها بالقوة، ولكن اليوم تتغير المعادلة وتفقد أدوات الهيمنة السابقة قدرتها على تشكيل الحاضر والمستقبل الذي تريده.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260