ما تحمله أحاديث القهر
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

ما تحمله أحاديث القهر

ثمة واقع آخر يعيشه السوريون بعيداً عن ضجيج السوشيال ميديا ومنصاته المتعددة، وعلى وجه الخصوص الأمهات، واقع يتفاعلون معه فعلاً، يعانون فيه معاً ويتشاركونه ويعلقون عليه ويتعاطفون مع بعضهم فيه بحضور فعلي، بعيداً عن المنصات ولايكاتها الكاذبة.

تفصح وجوه السوريين عن الحال الذي وصلوا إليه، بعد عام من السقوط ونشوة الأمل في تغير أوضاعهم وأوضاع بلاد تشبههم ويشبهونها، وصلت إلى الحضيض. يطحنهم فيه واقع معاشي سيّئ، ويكمل الفقر والبرد على أجسادهم المنهكة من سوء التغذية والأمراض وإرهاق نفسي مزمن، يتسبب فيه استمرار الوضع القائم وظروفه التي أملوا أن تتغير أو على الأقل تتحسن ولكنها ازدادت سوءاً.
في إحدى المقابلات يذكر أحد بائعي البسطات السلطات الحالية بما حصل في المنطقة قبل أعوام، وبداية انفجار الغضب الشعبي في تونس: «قولوا للمحافظ، ويقصد محافظ دمشق لأنه أصدر أمراً بإزالة بسطات الخضار والفواكه، أن ثورة تونس أشعلها صاحب بسطة». بينما بيّن آخر حجم وفداحة الأمراض التي يعاني منها في ظهره وكتفيه من جرّاء الأحمال الثقيلة واضطراره لنقل البسطة مرة تلو الأخرى للهروب من وجه شرطة المحافظة الساعية إلى مصادرة بضاعته قائلاً: (لا حدا يفكر يقرب ع رزقي ورزق ولادي)!! تبدو هذه الأصوات وغيرها جريئة بما يكفي لإظهار حالة القهر التي وصل إليها هؤلاء.
في مكان آخر تهمس امرأة أخبرها البائع بأسعار ما تريد أن تشتريه من مواد غذائية: «فكرنا تبديل العملة رح يحسن الوضع، بس الأسعار زادت أكتر وماعد أقدر أشتري نص ما احتاجه وكنت أشتريه قبل، ليش غيروها.. كان ناقصنا هالضوجة مشان التبديل؟».
لم يمل السوريون أيضاً من الحديث عن الكهرباء، بعد ارتفاع أسعارها، بل ازداد أكثر، خاصة بعد دخول فصل الشتاء، ومعه موجات البرد والأمراض التي رافقته. وما كانوا يتندرون به صيفاً على سبيل النكتة حول الجري لشحن ما يمكن شحنه من أدوات كهربائية، تحول شتاءً إلى مرارة وشعور خفي بالقهر أثناء الجري لفصل أغلب الأدوات الكهربائية عن التيار، وتوبيخ من ينساها موصولة. وعادت إلى الواجهة أيضاً الأحاديث السابقة عن المازوت والغاز... وغيرها من المحروقات. فرغم توفرها لا تزال مشكلة التدفئة قائمة، تستهلك «الصوبة» المنزلية بأقل تقدير 40 إلى 50 ألف ليرة يومياً ثمن مازوت، وأكثر في حال كان هناك أطفال وكبار السن، وهو ما يشكل عبئاً جديداً على المواطن الذي بقي دخله ثابتاً، ومثلها أيضاً استخدام المدافئ التي تعتمد على الغاز. وحدث ولا حرج عن بقية القائمة الأدوية الطعام النقل...إلخ، من الاحتياجات الأساسية للأسرة وليس الكمالية في ظروف فصل بارد، ودخل متواضع، وأوضاع غير مستقرة.
يعكس الشعور بالأمان الاقتصادي في أحد جوانبه ارتباطاً وثيقاً بالهوية والشعور بالانتماء. فالوطنية لا تقاس بالعواطف الخالصة فقط، تجاه الوطن، وغالباً ما تؤدي الأزمات العميقة إلى إعادة النظر في العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة التي ينتمي إليها، وتحديداً في قضية المساءلة والحقوق، والاحتياجات التي يفترض بأي سلطة تلبيتها للوصول إلى درجة مناسبة من الرضا الاجتماعي وبالتالي ضمان الاستقرار السياسي والوطني. أما تكرار ما قامت به السلطات السابقة من سياسات وانتظار نتائج مختلفة عمّا جرى فهو ليس سوى وهم يغفل ذلك التحذير المضمر في حديث بائعي البسطات السابق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260