واقعيون نطلب المستحيل: إرث بوب مكشيسني الفكري واستشراف مستقبل دراسات الاتصال

واقعيون نطلب المستحيل: إرث بوب مكشيسني الفكري واستشراف مستقبل دراسات الاتصال

يكتب الباحثان عن روبرت دبليو مكشيسني – أو «بوب» كما عرفه طلابه وزملاؤه – من منظور شخصي وفكري معاً. فبينما تتلمذت ماندى تروجر على يديه في جامعة إلينوي، تأثرت سيدني فورد بكتاباته وإعلامه ونضاله السياسي من بعيد، مُهدية أطروحتها لذكراه. يجمع المقال بين هاتين الزاويتين؛ زاوية التلمذة المباشرة وزاوية الإرث الفكري، ليس بهدف تقديس الرجل، بل لتحليل إسهاماته وتقييم أثرها، ومواصلة الأسئلة والتحديات التي أثارها. يشدد المقال على أن تكريم مكشيسني الحقيقي لا يكون بالتأمل في ماضيه، بل بالنظر إلى الأمام وللعمل الجماعي من أجل مجال اتصال أكثر ديمقراطية ومجتمع أكثر عدلاً.

الانقسام التاريخي: البحث النقدي مقابل البحث الإداري


لفهم سياق دخول مكشيسني إلى حقل دراسات الاتصال، لا بد من استحضار الانقسام التاريخي بين تيارين: البحث النقدي والبحث الإداري. منذ أربعينيات القرن الماضي، حدد بول لازارسفيلد هذا الفارق: ففي حين يهتم التقليد النقدي بمساءلة الأسس البنيوية والعواقب الاجتماعية لأنظمة الإعلام، ركز البحث الإداري المهيمن على تقييم فعالية الوسائط، غالباً لخدمة أهداف السوق والإعلان.
يشرح المقال كيف أن مؤسسات مثل «مؤسسة روكفلر» وجهت البحث نحو «نموذج الآثار المحدودة»، الذي ركز على التواصل الشخصي وهمش القوة البنيوية لوسائل الإعلام التجارية، ليتناسب مع مصالح المعلنين والنخب السياسية. وعندما دخل مكشيسني الدراسات العليا، كان هذا الانقسام صارخاً. يروي كيف أنه في مؤتمر أكاديمي عام 1986، تم وضع البحث الكمي في مركز الرسم البياني للحقل، بينما تم «تخزين» مجالات مثل تاريخ الاتصال والقانون والنظرية الديمقراطية والاقتصاد السياسي والدراسات الثقافية في «الغرفة الخلفية»، كمقربين مُحرجين يجب إبعادهم.
لقد رفض مكشيسني هذه القسمة. وبدلاً من ذلك، سعى إلى بناء تقليد للاقتصاد السياسي للاتصال يفحص التنظيم البنيوي لأنظمة الإعلام، وعلاقتها بالرأسمالية، وتداعياتها على الديمقراطية.


إسهامات مكشيسني الجوهرية: الربط بين التحليل والممارسة


يحدد المقال ثلاث دعائم رئيسية لإسهامات مكشيسني:
1. كشف البنية السياسية والاقتصادية للإعلام: بدءاً من كتابه «الاتصالات السلكية واللاسلكية، وسائل الإعلام، والديمقراطية» (1993)، كشف كيف أن تاريخ الإعلام ليس تطوراً محايداً للتكنولوجيا، بل نتاج صراعات سياسية واقتصادية، حيث استولت القوى الشركاتية على سياسات الاتصال على حساب البدائل الديمقراطية.
2. ربط تركيز الملكية الإعلامية بتآكل الديمقراطية: في سلسلة كتب لاحقة مثل «إعلام الشركات والتهديد للديمقراطية» (1997) و«إعلام غني، ديمقراطية فقيرة» (1999)، حاجج بأن تركيز الملكية يقوض التواصل الديمقراطي، وأكد أن أنظمة الإعلام ليست طبيعية بل مُشكَّلة بقوى سياسية واقتصادية.
3. الجمع بين البحث الأكاديمي والنضال العام: لم يقتصر إسهام مكشيسني على الأكاديميا. فقد شارك في تأسيس منظمة «فري برس» الإصلاحية (2003)، وناضل من أجل حيادية الإنترنت وتنوع الإعلام. وقدم برنامجه الإذاعي الأسبوعي «ميديا ماترز» (2012-2002) ومقالاته المفهومة نموذجاً للمثقف العام الذي يترجم النقد الأكاديمي إلى خطاب جماهيري وفعل سياسي. كما عزز هذه الروح عبر مشاركته في تحرير مجلة «مونثلي ريفيو» اليسارية.
هذا المزج بين التحليل البنيوي العميق والممارسة النضالية هو جوهر إرثه، مثبتاً أن دراسة الاتصال ليست مجرد تفسير للعالم، بل وسيلة للتدخل فيه وتغييره.


تحديات الاقتصاد السياسي للاتصال واستمرار النضال


مع ذلك، يسلط المقال الضوء على أن نجاح مكشيسني لا ينبغي أن يحجب استمرار التحديات البنيوية التي تواجه النهج النقدي. فالباحثون في الاقتصاد السياسي للاتصال لا يزالون يعانون التهميش في حقل يفضل غالباً المناهج الكمية والنتائج «القابلة للتطبيق» والأسئلة الضيقة حول «الآثار». فالمناخ الأكاديمي المهووس «بالمنعطف التجريبي» يشكل ضغوطاً على الشرعية التمويلية والأكاديمية للبحث النقدي.
ولهذا، يرفض المقال أي محاولة لتأليه مكشيسني كفرد استثنائي. فقد كان هو نفسه يرفض ذلك، مؤكداً على أهمية النضال الجماعي والتحليل البنيوي. تكمن المسؤولية، كما يرى الباحثان، في مواصلة هذا العمل ليس بالانتظار لظهور «مكشيسني جديد»، بل ببناء شبكات تضامن تمكن البحث النقدي من الازدهار جماعياً.


النظر إلى الأمام: نحو حقل متعدد التخصصات وعابر للحدود


فكيف يمكن إذاً مواصلة إرث مكشيسني؟ يجيب المقال من خلال دعوة إلى بناء حقل اتصال أكثر انفتاحاً:

التعددية التخصصية والنقدية: يجب على البحث النقدي في الاتصال أن يتبنى تقاليد متنوعة: تحليل العمل والطبقة، النظرية النقدية العرقية وما بعد الاستعمار، المنظورات النسوية، والتحليل المناهض للإمبريالية. هذه المقاربات تثري الاقتصاد السياسي وتتحدى مركزيته الغربية وإطاره.
العالمية والتضامن العابر للحدود: بينما كان لمكشيسني أثر بالغ في السياق الأمريكي، يقر المقال بأن عمله كان محلي النظرة إلى حد ما. في عصر تعمل فيه المنصات الرقمية والاحتكارات الإعلامية العالمية، يجب أن يتأسس البحث على تضامن وتعاون دولي. يقدم المقال أمثلة واعدة على ذلك، مثل مدارس الدكتوراه الصيفية في كرواتيا، وشبكات البحث في أوروبا وأمريكا اللاتينية، وأقسام الاقتصاد السياسي في الجمعيات الدولية.
توسيع مفهوم الممارسة الأكاديمية: البحث في الاتصال لا يعني النشر في المجلات المحكمة فقط. إنه يعني تشكيل الخطاب العام أيضاً، وبناء المجتمع، وتزويد المواطنين بأدوات نقدية، والمشاركة في النضال من أجل التغيير الاشتراكي.


خاتمة: واقعيون نطلب المستحيل


يختتم المقال بالتأكيد على أن مهمتنا اليوم هي توسيع وتنقيح وتطوير الاقتصاد السياسي للاتصال الذي أسهم مكشيسني في بنائه. يجب على الحقل أن يستمر في الانفتاح على المقاربات متعددة التخصصات، وعلى النقد المعادي للاستعمار والنسوي، وعلى التضامن الدولي. يجب مقاومة ضغوط تضييق الأفق بالمعيار التجريبي المحض، أو استحواذ مصالح الصناعة، أو الترهيب السياسي. يجب خلق فضاءات لا يُخبأ فيها الباحثون النقديون في «الغرفة الخلفية»، بل يُوضعون في قلب الاستقصاء الفكري.
يذكرنا مكشيسني بشعارات احتجاجات أيار 1968 الطلابية في فرنسا: كن واقعياً، واطلب المستحيل. لقد أظهرت حياته وعمله أن هذين الأمرين ليسا متناقضين، بل متعاضدين. إنه التوتر الخلّاق الضروري لتحقيق تقدم اجتماعي حقيقي. النضال مستمر.

عن مقالة لماندى تروجر وسيدني فورد في مجلة المراجعة الشهرية

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259