التحديث البيئي بين الرأسمالية الخضراء والحضارة البيئية... تناقضات في الفهم والتطبيق
في مواجهة الأزمة البيئية المتصاعدة، برز مفهوم «التحديث البيئي» كإطار تفسيري وبرنامجي لدمج القضايا البيئية في مشروعات التنمية. لكن هذا المفهوم لم يكن متجانساً أو محصناً من الصراعات الفكرية. بل سرعان ما تحول إلى ساحة صراع أيديولوجيّ بين تيارات فكرية متعارضة، تعكس اختلافات جوهرية في النظرة إلى الطبيعة، والعلاقة بين الإنسان والبيئة، ودور النظام الاقتصادي في توليد الأزمة البيئية. فبينما اتّخذ التحديث البيئي في الغرب طابعاً إصلاحياً يهدف إلى «تخضير الرأسمالية»، اكتسب في الصين معانيَ ثورية كجزء من مشروع «الحضارة البيئية» المترابط مع رؤية ماركسية تحديثية.
جون بيلامي فوستر
في السياق الغربي، ارتبط التحديث البيئي منذ السبعينيات والثمانينيات بمفهوم «الرأسمالية الخضراء»، وهو نموذج يفترض أن الأزمة البيئية مشكلة تقنية فحسب، يمكن حلّها عبر الابتكار التكنولوجي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، دون المساس بالأسس الرأسمالية للإنتاج والاستهلاك. وهذا النموذج، الذي يروّج له باحثون مثل آرثر مول وجرت سبارغارن، يقدّم الرأسمالية باعتبارها قادرة على «الانفصال» عن البيئة عبر الابتكار، متجاهلاً أن جذور الأزمة تكمن في منطق تراكم رأس المال ذاته، الذي يُجبر النظام على تعظيم الإنتاج بلا حدود، حتى لو على حساب التوازن البيئي.
في المقابل، وُجّهت انتقادات جذرية لهذا النهج من قبل التيارات البيئية الراديكالية والبيئة الاجتماعية، التي رأت في «التحديث البيئي الرأسمالي» مجرد ستار أيديولوجيّ يهدف إلى إعادة إنتاج النظام الاقتصادي دون تغيير جوهريّ. وقد ظهرت هذه المقاربة بوضوح في أعمال مفكرين مثل باري كومونر، وريتشارد ليفينز، وموراي بوكشين، الذين ربطوا بين استغلال الطبيعة واستغلال الإنسان في إطار النظام الرأسمالي، ورفضوا رؤى تلخّص الأزمة البيئية في النمو السكاني أو نقص التكنولوجيا، كما فعلت التفسيرات المالتوسية.
ومن المفارقات اللافتة أن هذا النقد الراديكالي بدأ يتراجع في مطلع الألفية الجديدة، مع صعود خطاب «الحداثة البيئية»، الذي يروّج له معهد «بريكثرو» عبر شخصيات مثل شيلينبرغر ونوردهوس. فهذا التيار يذهب أبعد من «التحديث البيئي» التقليدي، إذ يدّعي أن النمو الاقتصادي يمكن أن يستمر بلا حدود إذا رُبط بالطاقة النووية والهندسة الجينية والحلول التكنولوجية الفائقة. لكنه في الحقيقة يُهمِل الحدود الكوكبية التسع التي حددها علماء الأرض — مثل فقدان التنوّع البيولوجي، وتحمّض المحيطات، واختلال دورة النيتروجين — ليختزل الأزمة البيئية في ظاهرة واحدة... تغيّر المناخ. وما هو أكثر إثارة للدهشة أن بعض كتاب اليسار الغربي، مثل مات هوبر ولي فيليبس، انضموا إلى هذا الخطاب، داعين إلى «ماركسية بروميثية» تنادي بالتصنيع المكثّف والنمو غير المحدود، وترفض كل دعوة إلى تخفيض الاستهلاك أو إعادة النظر في أنماط الإنتاج. وهكذا، يتحول جزء من اليسار إلى حامل لأيديولوجيا رأسمالية مغلفة بأقنعة تقدمية.
أما في الصين، فقد اكتسب التحديث البيئي دلالة مختلفة تماماً. فمنذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الحزب الشيوعي الصيني في تبني رؤية بيئية متكاملة، أُطلق عليها لاحقاً مصطلح «الحضارة البيئية». وتُجسّد هذه الرؤية تحولاً جوهرياً في الفلسفة التنموية، حيث لم يعد يُنظر إلى الطبيعة كمورد خارجي يمكن استغلاله، بل كأساس للحياة الاجتماعية والاقتصادية. وقد عبّر الرئيس شي جين بينغ عن هذه الرؤية بقوله الشهير: «الجبال الخضراء والمياه الصافية أثمن من جبال الذهب». هذا الموقف لا يندرج ضمن «إعادة تجميل» الاقتصاد الصيني، بل يمثّل محاولة لتجاوز النموذج الغربي للحداثة الصناعية، والانطلاق نحو نموذج تنموي يدمج البعد البيئي في جوهره.
وهذا التحوّل لا يمكن فهمه خارج السياق التاريخي والسياسي للتجربة الصينية. ففي حين بُنيت الرأسمالية الغربية على الاستعمار والاستغلال البيئي العالمي، فإن الصين، على الرغم من كونها دولة صناعية صاعدة، تسعى إلى تطوير نموذج تنموي يتجاوز حدود المنطق الرأسمالي، مستندة في ذلك إلى تيار ماركسي بيئي متجدد. وهذا يتناقض جذرياً مع الصورة النمطية التي رسمها المفكرون الغربيون خلال الحرب الباردة، والتي قدّمت البروميثية — أي فكرة السيطرة على الطبيعة — كسمة جوهرية للماركسية. في الواقع، تبيّن قراءة نصوص ماركس المبكرة، خصوصاً أطروحته عن أبيقور، أن البروميثية التي اهتم بها كانت رمزاً للتحرر الفكريّ والتمرد على الخرافة، وليس دعوة إلى الهيمنة التقنية على الطبيعة.
إن التباين العميق بين النموذج الغربي والنموذج الصيني في فهم التحديث البيئي لا يعكس اختلافاً نظرياً فحسب، بل يكشف عن اختلاف في السياقات التاريخية، وفي مفاهيم التنمية، وفي العلاقة مع الطبيعة. فالغرب يحاول «تجميل» نظامه دون تفكيكه، بينما تسعى الصين إلى بناء نظام جديد يتجاوز المنطق الرأسمالي ذاته.
وفي الختام، لا يمكن فصل الحل البيئي الحقيقي عن التحوّل الاجتماعي والاقتصادي الجذري. فالاشتراكية التي لا تتضمّن إعادة صياغة جذرية لعلاقة الإنسان بالطبيعة، ولا تتجاوز منطق النمو اللا محدود، ليست سوى رأسمالية مخففة. أما التحديث البيئي، فليس مسألة تقنية، بل مسألة سياسية وأخلاقية وفلسفية في جوهرها. وهو لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل إلا إذا كان «اجتماعياً» و«بيئياً» في آنٍ واحد — أي إذا كان مرتبطاً بمشروع تحرريّ يتجاوز منطق رأس المال، ويُعيد تعريف التنمية من منظور الحياة، لا من منظور الربح.
بتصرف عن مجلة مونثلي ريفيو
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259