بطل من هذا الزمان
تكمن إحدى مآثر الشعب الفلسطيني في نضاله الطويل ضد الاحتلال الصهيوني أنه دفع باتجاه التفكير والنظر في معاني كثير من المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في علم السياسة وإعادة تعريفها.
قبل عدة أيام، وتحديداً يوم الإثنين 29 كانون الأول 2025، أصبح لقب «أبو عبيدة»، بكوفيته الحمراء وصوته الواثق وأصبعه، رمزاً للملثّم، إذ أعلنت كتائب القسام في فيديو مصور عن استشهاد أبي عبيدة، باسمه الحقيقي حذيفة الكحلوت «أبو إبراهيم»، جاء إعلانها على لسان الناطق الجديد باسمها، أبو عبيدة، الذي ظهر بالشكل ذاته الذي كان يظهر فيه سلفه، واصفاً كوفيته الحمراء أنها «أصبحت أيقونة لكل أحرار العالم»، وبأنه «الملثم الذي أحبه الملايين».
ثمة رمزية صارخة تكشف عنها شخصية الفدائي «البطل»، تتعلق بحضوره الوجداني والرمزي الكثيف، مع غياب الاسم والهوية، من ناحية، ومن الفعل الذي يمارسه في المواجهة والمقاومة المستمرة لعقود من الزمن، من جهة ثانية. يتحول مفهوم البطولة جذرياً هنا، لتُخرج البطل من الصورة التقليدية التي رُسمت له وروج لها الإعلام طويلاً كشخصية خارقة ذات مواصفات محددة على مقاييس ومعايير محسوبة لتناسب فئات وشرائح محددة، لا يتمكن من تلبية شروطها في الغالب سوى أبناء النخبة، وتعيد الاعتبار والتقدير لبطولة الإنسان العادي الذي يمارس الفعل السياسي والثقافي في حياته اليومية.
تعود بعض الجذور التاريخية والفكرية لمفهوم البطولة إلى التراث البطولي الأسطوري، فقد بنت معظم الحضارات سردياتها حول الأبطال الفرديين (ملوك، قادة، زعماء، مشاهير... إلخ)، وتحولت الشخصيات التاريخية في كثير من الأحيان إلى رموز أسطورية تفوق قدرات البشر العاديين، من وجهة نظر محددة ترى التاريخ كسلسلة من قرارات العظماء والقادة وتتجاهل الفعل الاجتماعي للحركات الشعبية والقوى الاجتماعية العميقة ودورها في تشكل التحولات الحقيقية.
«من الصفر إلى البطل»
في العصر الحديث، يجري تعويم كثير من الأفكار المشابهة وتعميمها، عبر التركيز على قصص النجاح الفردي الاستثنائي والتحول «من الصفر إلى البطل»، يجري تصدير ثقافة «النجومية» بشكل ممنهج في الفن والرياضة والأعمال، فإضافة إلى الاعداد المتزايدة «لنخبة المشاهير» في مختلف المجالات، يجري تقزيم المسائل الحيوية والمشاكل التي تجتاح الكوكب وتحتاج إلى حلول، ومثلها القضايا الهامة التي تحتاج البحث والنقاش، تتحول القضايا المعقدة في كثير من الأحيان إلى صراعات بين شخصيات بارزة، فمثلاً يجري تقديم القادة السياسيين وتسليط الضوء عليهم كشخصيات درامية من خلال التركيز على صفاتهم الشخصية وقصصهم الفردية بدلاً من تحليل سياساتهم والبرامج التي يطرحونها، ما يحدث في الحملات الانتخابية مثلاً، رغم كونها في الأساس تعبيراً عن أحد أشكال التمثيل النخبوي، ومع ذلك تتحول إلى مسابقات شعبوية. يجري إضفاء الشرعية على اللامساواة كناتج طبيعي للتفاوت في المواهب وتبرير الامتيازات الطبقية بادعاءات التفوق الفردي. وما زال هناك أساليب أخرى متنوعة وعديدة تستخدمها وسائل الهيمنة الإعلامية، ويطول الحديث عنها.
وجهٌ لا يُرى وصوتٌ لا يغيب
ما يميز أبو عبيدة حضوره كرمز إعلامي يتجاوز الصورة، وتمكنه من مخاطبة الناس في فلسطين والعالم في أكثر لحظات الحرب قسوة، وقدرته على تقديم خطاب يجمع بين الرسالة العسكرية والأثر النفسي والإعلامي. حافظ على خصوصيته بعيداً عن الأضواء، «فاللثام ليس مجرد وسيلة للتخفي، بل رمزاً للمقاومة وإنكار الذات، وإبرازاً لهوية الجماعة على حساب الفرد»، حسب بعض مصادر المقاومة الإعلامية.
كان ظهوره حدثاً بحد ذاته. فهو ليس مجرد حالة إعلامية ونفسية تشكّلت عبر سنوات
من الحرب، بل صوتاً ارتبط في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي بروح المقاومة في مواجهة آلة الحرب الصهيونية، أثبتها باستشهاده مع زوجته وأطفاله ليتحول إلى رمز يتجاوز الغياب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
إيمان الأحمد