طبول حرب خفيّة ورعبٌ صامت في ساحة السؤال الأول

طبول حرب خفيّة ورعبٌ صامت في ساحة السؤال الأول

بعيداً عن أعين الإعلام وصخب وسائل انعكاس الاغتراب الاجتماعي وهيمنتها على صناعة نسيج الإدراك والإحساس والذاكرة ومسار الزمن، وخارج متناول التقارير الساخنة عن أرقام وأعداد منها ما هو بشري بين قتيل وجريح ومفقود وميتّم، ومنها ما هو جماد من نفط ومعدن ثمين ونقد، هناك بعيداً تحت سطح الأحداث أسوارٌ تُدكّ، وحصون تدمّر، وأبراجٌ مشيّدة طوال قرون يجري هدمها، تحت وقع مدافع وأسلحة من نوع آخر. عميقاً جداً هناك توتّر شديد وضغط مرتفع تضيق به حدود الرّاهن من نظام يخنق الحياة بداخله، يرشح منه إلى النور الشيء الكثير الذي على امتدادات واسعة، هو انعكاس المعارك التي تدور. معارك حرب السؤال المركزي في تاريخ العقل البشري على أعتاب الحرية، هو سؤال الفلسفة الأول، يُرعب أعداء التاريخ والحقيقة الملموسة الحيّة.

الرأسمالية وحفّار قبرها

ليست المقولات الماركسية بعابرة، ولا هي بِشائِخَة طالما بقيت الرأسمالية. ومن المقولات المركزية التي تعبّر عن التناقض في البنية الرأسمالية أن الرأسمالية تنتج وقبل كل شيء حفار قبرها. وحفار القبر هذا له ملامح الفعالية التاريخية كالقوى الاجتماعية التي من مصلحتها تجاوز هذا النظام، وله أيضاً ملامح الشروط الموضوعية التي خلقها النظام نفسه كنتيجة أكيدة لقوانين تطوره البنيوية الخاصة. وهذه الشروط تتطوّر ضمن معادلة أساسها التناقض الحاد بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، إلى الحد الذي تصير معه هذه العلاقات (الرأسمالية) مدمّر لقوى الإنتاج (المادية والبشرية). واليوم صار هذه التدمير فاقعاً، تحديداً تدمير الجسد والعقل معاً. وتنعكس هذه المعادلة في مختلف الميادين، منها ما هو مباشر في حياة الناس اليومية لناحية نمط الحياة المادي والمعنوي المّدمر، ومنها ما هو ضمني في ميادين التداخل العميق بين العلوم والإنتاج والعلاقات الاقتصادية السوقية.


التناقض بين طليعة التطور التكنولوجي وعقل المجتمع الطبقي

إن التطور السريع والكبير في قوى الإنتاج الذي فرضته الرأسمالية هو نفسه مصدر التوتر الذي يدور اليوم في ميدان تكنولوجي طليعي كالذكاء الصناعي الذي يشكّل مادة ملموسة وحقائق عنيدة تصارع العقل الفلسفي والنظري الرسمي ليس فقط للرأسمالية، بل عقل المثالية طوال التاريخ البشري المحكوم بانقسام طبقي أدى إلى انقسام الممارسة بين ذهنية وجسدية، وبالتالي لانقسام العقل وتياراته. قال بعض أهل الميدان إن الذكاء الاصطناعي هو أحد وريثي السؤال الفلسفي والبحث المعرفي حيث تتكثف فيه قضية عملية هي جوهر هذا الميدان: أصل الوعي والعقل والذكاء، وآلية وشروط إنتاجه. وقال آخرون إن الميدان وعلى مدى حياته القصيرة التي لا تتخطى العقود الستة كان صاخباً، واعتبره البعض تكثيفاً لقرون طويلة من الصراع الفلسفي والنظري النفسي. فهذا الميدان، في تجلّيه العملي هو تنفيذ وتطبيق للسؤال الفلسفي المذكور. مدفوعاً بشروط توسع الإنتاج وتسيّد التكنولوجيا الذكية. هذا التسيّد صار مصدراً لحقائق ومواد لا يمكن للفكر المرواغة أمامها، هي عنيدة أمامه. فالشروط التطبيقية هي ميدان اختبار الفكر بالنهاية، فكيف إذا كان هذا الميدان هو حقل اختبار نظرات فلسفية ونظريات علمية نفسية!


ضحايا الصراع ومساره

يقول فيغوتسكي عالم النفس السوفياتي، أحد أوائل من تصدى من موقع الماركسية لقضية إنتاج علم نفس مادي تاريخي، يقول مبكراّ في عشرينات القرن الماضي، أن تطور علم النفس التطبيقي هو الذي فرض اتجاه تطور الموقع المادي والموضوعي للنظريات النفسية. فهذا العلم انتقل من مواقع المثالية الذاتية التأملية إلى مواقع أكثر مادية وتاريخية، تحت وقع الحقائق الموضوعية والتجريبية المعطاة في ميدان ممارسة هذا العلم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الذكاء الإصطناعي هو أحد الميادين الأكثر عملية لتجريب الأفكار الفلسفية والنفسية، فإنه وفي تطور الأخير في العقود الماضية، يرخي بثقله على الفكر الفلسفي والنفسي الرسمي. فمراجعة سريعة لتطور النقاش الفلسفي والنفسي في الميدان تكشف أن تسيد الخط المادي كان يحصل سريعاً جداً، تطلب في ميدان الفلسفة قرون عدة حتى يتبلور. فبعد هيمنة نظريات عقلية اعتبرت العقل نظاماً ونموذجاً معرفياً خالصاً، وبالتالي قامت بإنتاج أنظمة ذكية على تلك الشاكلة المثالية، حصل انتقال نوعي نحو مواقع أكثر مادية عبر اعتبار العقل هو منتج مادي نابع من التجربة الاجتماعية للمتعضّي. وهكذا بشكل عام تمت تصفية المواقع المثالية ضمن تطور الميدان نفسه. ولكن تلك التصفية ليست نهائية، بل بقيت النظرة المزودة مادية- مثالية حاكمة إنتاج المقاربات في الميدان. هذه الازدواجية ما زالت مهيمنة بسبب عدم حل مسألة الانعكاس غير المباشر للواقع منهجياً ولا نظرياً. وهذا نابع من عدم تبني مقولات الماركسية المادية التاريخية حول الانعكاس، والجهل بما تم إنتاجه عبر فيغوتسكي وأتباعه ورفاقه حول قضية الانعكاس بشكل عام. النظرية التي تقول بمركزية التناقض وتشكله في أساس عملية إنتاج نظام المعاني الذي هو نسيج الوعي والمتوسط في العلاقة مع المحيط والذات. وعلى وقع التوتر المرتفع الناتج عن واقعية ميدان الذكاء الاصطناعي وارتباطه الوثيق بالتطور الاجتماعي والاقتصادي الذي ساهم في تضييق هامش المناورة التاريخي لهذا العلم، على عكس علم النفس والفلسفة التي كانت نسبياً متفلتة من شروط التجريب المباشر (نسبياً طبعاً)، على وقع هذا التوتر، انتعشت نظريات مادية متطرفة في الميدان هي المقولات الطبيعية والفيزيولوجية البحتة في النظر إلى الوعي. ولكن حكماً، كون الوعي هو منتج اجتماعي تاريخي، واجهت هذه المقاربات أزمة هي الأخرى بعد الانتقال من مواقع المثالية، مما أعاد إنتاج المواقع المثالية بلبوس جديد، ولكنها هي الأخرى تولد ميتة، كالمقاربة التي سميت بالتفعيلية والتي تدمج ما بين النظرة البيولوجية الفيزيولوجية مع التأملية الظواهرية الذاتية.


تضخّم وتكاثر ووضوح

على هامش هذا الاستعصاء تولد كل فترة مقاربة جديدة هي تعبير عن الأزمة لا أكثر ولا أقل. هذا التكاثر عبر عنه فيغوتسكي عندما حلل أزمة علم النفس التاريخية في ظل المجتمع المنقسم طبقياً. نص فيغوتسكي الذي صار عمره اليوم حوالي القرن من الزمن يمكن أن نراه صريحاً وواضحاً وجلياً في ميدان الذكاء الاصطناعي، فالذكاء الاصطناعي ورث الأزمة من علم النفس، ولكنه في ذات الوقت ضخمّها وعمّقها. وهذا ما جعل البعض يعتبر هذا الميدان وريثاً ليست فقط لهذه التركة، بل لكل التوترات الفوقية في المجتمع الحديث. إذاً، على وقع التوتر نفسه، يزداد وضوح الاستعصاء الذي لا مفر من ظهوره علنياً نتيجة طبيعة هذا الميدان العملية نفسها التي كما قلنا تفقد هوامش المراوغة النظرية، فإما أن الميدان يحقق وظيفته وإما لا يحققها. هذا الوضوح يحمل معه اليوم أسئلة منهجية تقف كل التيارات السائدة في موقع العاجز تجاهها. ولهذا فإن الميدان يشكل رعباً خالصاً يمكن تلمّسه في حجم التمويه والمواد التي تنتج من أجل تحويل الإجابة إلى ميدان العدمية. فتنتشر اليوم مقولات تعتبر الوعي ظاهرة ما فوق علمية وخارج القدرة على فهمها. ولكن هناك ثقة كبيرة بأن تقدم المادية التاريخية من هذا الباب سيكون ليس فقط مسماراً أساساً في نعش المثالية، بل قد يكون المسمار الأخير. ففي هذا الميدان حرب صافية وثابتة ضد التيار المثالي من جهة وكل تركته العلمية والفلسفية ولا مجال آخر إلّا بتبني منهجية مادية تاريخية التي توجد أدواتها. ربما على وقع وبمرافقة طبول ولادة العالم الجديد حيث للعلم فيه موقع الطليعة. وهذه مهمة عالمية يجب تقديمها إلى متن المشهد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1044
آخر تعديل على الخميس, 18 تشرين2/نوفمبر 2021 14:21