يوم ميسلون ثورة شعبية
فارس زرزور فارس زرزور

يوم ميسلون ثورة شعبية

«أنا ذاهب. إني أترك ليلى أمانة لديكم. أرجوكم ألا تنسوها». آخر عبارة قالها يوسف العظمة قبل أن يتوجه إلى ميسلون.

لا شك أنّ يوسف العظمة القائد العسكري والرجل الوطني كان على خبرة سياسية واسعة، وكان يفهم خير فهم كيف تجري الأحداث في ظروف كالتي فيها. وكان يعرف أن قبول شروط الإنذار ببنوده ونقاطه المعروفة كان معناه قبول السيطرة الفرنسية مهما كان نوع تلك السيطرة، أو التسميات التي حاولت أن تتستر وراءها. من أجل هذا رفض أولاً التوقيع على المذكرة التي وقعها الملك ورجال الحكومة بقبول الإنذار، ثم أعلن معارضته في تنفيذ الشروط، وأهمها تسريح الجيش. كما أنه من البدهي ألا يوافق على اعتبار رجال ثورة 1919-1922 عصاة ويجب القبض عليهم، لأنه كان يمونهم سراً بالرجال والسلاح والعتاد. منتظراً الفرصة السانحة لينضم إليهم مع الجيش العربي السوري بعد أن أصبح قائداً له.
ولا شك أن حماس الجماهير الصاخبة المندفعة نحو القصر، والتي فقدت الكثير من أعضائها رجالاً سقطوا شهداء عند مهاجمة القلعة، كان من أهم الأسباب التي جعلت يوسف العظمة يصمم على الدفاع، ويخوض المعركة المجهولة العاقبة، دون قيد أو شرط. وعلى هذا فقد راح يتمسك بالإمكانية الوحيدة التي ربما تقدم له نفعاً في مهمته العصيبة، كان يطلب فسحة من الوقت. هذا الوقت الذي أكله غورو بإنذاره، ولم يقبل أن يمدده. ترى هل خطر لغورو أن يوسف العظمة ربما طلب عوناً من الخارج؟ وإذا كان حقيقة قد فعل ذلك فمن أين سيأتيه العون؟ كيف؟ وعن أي طريق؟ إن الجنرال غورو كان يعرف بأن سورية لن تلقى أي عون من أحد. حتى ولا من أعظم هيئة في العالم «مؤتمر الصلح» التي تشكلت (كما قالوا) لإعطاء الحرية للشعوب المستضعفة، وذلك لسبب بسيط، هو أن هذه الهيئة خرجت بحكم تشكيلها عن شعاراتها، وراح أعضاؤها– الذين ربحوا الحرب– يتقاسمون الميراث.
ترى هل كان يوسف العظمة ينتظر وصول نجدات من ثورات الساحل والشمال؟ أم كان ينتظر قيام ثورة داخلية تعهد بأن يقدم إليها السلاح والمعدات؟ لا شك أن الحاحه على طلب فسحة من الوقت لم يكن فقط ليحفر الخنادق وينصب الأسلاك الشائكة. خاصة وأنه يعرف جيداً كقائد عسكري أن قوات العدو تشكلت بأعداد كبيرة معززة بجميع صنوف الأسلحة مع الطائرات الفرنسية و«الحليفة»، لتخوض معركة نظامية، على غرار المعارك التي خاضتها أثناء الحرب العظمى، كما أنه لا يجهل بأن جيشه قد سرح وانسحب من كل الجبهات، بالإضافة إلى أن الجيش– حتى ولو أمكن جمعه– فهو لا يملك الذخائر والإمكانات اللازمة لمعركة ساعة واحدة.
إذن. لماذا فعل يوسف العظمة– وهو وزير لا يطلب إليه أكثر مما فعل زملاؤه– كل ذلك؟ هل خشي من التاريخ؟ أن يقال في الغد، إن الفرنسيين احتلوا سورية دون أن يقف في وجههم أحد من أبنائها؟ المهم. علينا أن نرجع إلى ميسلون.
تمكن يوسف العظمة– عندما خرج من القصر في مساء العشرين من تموز 1920 أن يوقف تسريح الجيش، واستطاع أن يجمع بمساعدة بعض الضباط وصف الضباط من السوريين حوالي لواء من المشاة وكوكبتين من الخيالة. كما تمكن عند وصوله إلى ميسلون أن ينفذ من الأسر بطاريتي مدفعية سورية كانت منسحبة من مجدل عنجر.
فعندما وصل الأمر إلى جبهة مجدل عنجر بالتسريح، انسحب منها المشاة والخيالة بسهولة وسرعة قبل أن يعرفوا السبب. أما المدفعية فقد تأخرت لصعوبة إخراجها من مساندها في الجبال، ولأنها تحتاج إلى وقت طويل لقطرها بالعربات ثم جرها في أرض صعبة. وفيما كانت البطاريتان تتمهلان في سيرهما على الطريق متوجهتين إلى دمشق، إذ بأحد ضباطهما يلحظ أرتال الجيش الفرنسي تزحف في أعقابهما، فأعلم القائد المدفعي المرافق، واتخذ هذا على الفور إجراءات الدفاع المتحرك، موعزاً إلى رجاله بالإسراع وما إن وصلت البطاريتان إلى ميسلون حتى شوهد يوسف العظمة بانتظارهما. فتسلم القيادة وانتقى للمدافع مرابض مشرفة على الوادي ثم أمر بحفر المساند. وبعد قليل، وصل في أعقابهما رعيل الدبابات الفرنسية.
ثم يأتي دور المتطوعين. من أبناء الشعب. هؤلاء المتطوعون تشكلوا من جماهير المظاهرات التي هجمت على القلعة، فتسلح بعضهم كيفيا دون أن يعرفوا شيئاً عن تعريف أو ماهية أو استعمال السلاح، وقتل بعضهم الآخر برصاص رشاش الضابط البدوي. وعند حصارهم للقصر الذي دام ثلاثة أيام ترامى إلى اسماعهم خبر زحف الجيوش الفرنسية، فتركوا القصر وزحفوا باتجاه ميسلون، خاصة وقد عرفوا بأن يوسف العظمة قد صمم على الدفاع. وفي الطريق كانوا يتعرضون للقطارات المتجهة نحو الغرب، فيوقفونها ويتسلقون عرباتها، وقد أوصلتهم القطارات إلى محطة التكية– 12 كيلو متر عن الزبداني، 8 عن ميسلون– وعلى هذا يمكن القول، بأن جيش يوسف العظمة كان يعتمد على المتطوعين المتأججين حماساً، ولكن ينقصهم التدريب ومعرفة استعمال السلاح والذخيرة الملائمة للسلاح الذي يحملونه، ومنذ صباح 21 تموز بدأ يوسف العظمة في ترتيب قواته البسيطة التي استطاعت تعطيب الدبابات الفرنسية الأولى قبيل المعركة الكبيرة في ميسلون.

من كتاب الأديب فارس زرزور «معارك الحرية في سورية»، بعض ما جاء في فصل «يوم ميسلون ثورة شعبية».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1027
آخر تعديل على الإثنين, 19 تموز/يوليو 2021 11:33