من ميسلون إلى الجلاء
عمر هيواني عمر هيواني

من ميسلون إلى الجلاء

منذ معركة ميسلون 24 تموز 1920، إلى يوم الجلاء 17 نيسان 1946، سجل الشعب السوري وقواه الوطنية محطات النضال المختلفة على أوراق التاريخ الذي امتد لفترة تجاوزت ربع قرن من الزمان.

تعرض تراث تلك المرحلة إلى التشويه والمحاربة على امتداد قرن كامل حتى اليوم، وما يزال ذلك التراث في القسم المعروف منه مشتتاً بحيث لا يستطيع تقديم صورة كاملة عن سورية في ذلك الزمن، أما القسم المجهول فهول ضائع حتى هذه اللحظة.
لم تهدأ الثورات السورية ضد الاستعمار منذ معركة ميسلون حتى عام 1927، حيث استشهد 10 آلاف من الثوار في ساحات المعارك منهم 6 آلاف شهيد في الثورة السورية الكبرى فقط، وهذا دون حساب شهداء المظاهرات والإضرابات والإعدامات بلا محاكمة والاغتيالات وإطلاق الرصاص على الفلاحين وقصف خيم البدو والقصف العنيف للمدن بالمدفعية والطيران وشهداء التعذيب في السجون والمنافي وشهداء الجوع والمجاعات.
ويذكر أمين سعيد أنه «يقدر عدد الذين ماتوا أو قتلوا أثناء الثورة، أو بسبب أعمال الحريق والتدمير، من النساء والأطفال والشيوخ والرجال بخمسة عشر ألفاً، يُضاف إليهم مثلهم استشهدوا في الحروب والمعارك التي دارت مع الجيش الفرنساوي».
كما أن الجنرال ساراي اعترف بأنه قامت خلال 1922 فقط، وفي سورية وحدها «خمس وثلاثون ثورة دفن فيها 5 آلاف جندي فرنسي»، وبلغت خسائر المستعمرين أكثر من 15 ألف جندي من أصل 70 ألفاً هي مجموع قواته التي حشدها لقمع الثورات، وقدرت هذه الخسائر في السنوات الخمس الأولى «من 1919 وحتى 1924» 9000 جندي و250 ضابطاً. وأما خسائر الفرنسيين أثناء الثورة السورية الكبرى 1925 -1927 فبلغت 2000 جندي وضابط في منطقة جبل العرب، و1000 جندي وضابط في منطقة دمشق والغوطتين، و1500 جندي وضابط في المناطق الأخرى «المنطقة الوسطى، القلمون، الجولان، وادي التيم، حوران».
ومنذ إطلاق الرصاصة الأولى ضد الاستعمار، وحتى انتفاضة الجلاء عام 1945، وتحقيق الاستقلال عام 1946 سقط عشرات الآلاف من الشهداء في المعارك الوطنية. وكتب الصحفي أمين الأعور في جريدة النداء اللبنانية بتاريخ 7 حزيران 1959«في أحلك أيام الانتداب الفرنسي، لم تنجُ سورية من لذع أقلامهم. مع أنها رفعت راية الكفاح ضد المستعمر طوال ربع قرن، وقدمت على مذبح الوطنية مائة ألف شهيد».
هذا هو تراث يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش ومحمد الأشمر وحسن الخراط والشيخ صالح العلي وعادل بك النكدي وسعيد آغا دقوري والشيخ عز الدين القسام ورمضان باشا شلاش ومحو إيبو شاشو وأحمد بارافي وأحمد مريود وأدهم خنجر وعبد الرحمن الشهبندر ونازك العابد وسارة العظم، هذا هو تراث الشعب السوري رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، عرباً وكرداً وأرمن وسريان وشركس وآشوريين من أقصى البلاد إلى أقصاها.

تشويه الجلاء

قبل 100 عام، كانت البلاد مرجلاً يغلي، وكانت الثورة تلو الثورة تواجه الاستعمار وعملائه ولم تخل بقعة واحدة من الوطن من الأعمال الثورية للوطنيين، وخلال العام الماضي 2019، مرت الذكرى المئوية لاندلاع الثورات السورية ضد الاستعمار، وخلال العام الحالي 2020، تمر الذكرى المئوية لاستمرار الثورات السورية ضد الاستعمار، والتي كان وزير الحربية السوري يوسف العظمة بمثابة القاعدة الخلفية التي تدعم تلك الثورات خلال عامي 1919-1920.
منذ 100 عام وحتى اليوم، تحاول جهات مختلفة تشويه تراث مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي منذ معركة ميسلون وحتى تحقيق الجلاء، فتنشر الإشاعات وتؤلف الروايات، وتعمل الماكينات الإعلامية المختلفة على تشويه الذاكرة الوطنية داخل البلاد وخارجها.
ومن صور التشويه الذي يتعرض لها تراث الجلاء، نشر العديد من المقالات خلال العام الحالي 2020، والتي تتناول وزير الحربية السوري الشهيد يوسف العظمة بشكل مشوّه تارة، ومحاربته علناً تارة أخرى، إضافة إلى لصق مختلف التسميات اللاوطنية لرموز النضال ضد الاستعمار، وهذا يحدث كل عام.
أما ما لا يحدث كل عام، ولا نشاهده كثيراً، فهو الطابع التذكاري المشبوه الذي أصدرته المؤسسة العامة للبريد بمناسبة عيد الجلاء عام 2016، إذ حمل الطابع صورة تمثال جنود البحرية الأمريكية «نصب معركة إيوجيما» ولكن بعد قلب اتجاهه ووضع العلم السوري محل العلم الأمريكي! في عملية تدنيس للرموز الوطنية والجلاء العظيم.
ينضم هذا الطابع المشبوه إلى الحملات المتكررة على وزير الحربية السوري يوسف العظمة، وإلى حملات التشويه بحق رموز الجلاء بشكل عام، تلك الحملات التي لم تتوقف يوماً وإن خفتت مؤقتاً، والتي تُسمع هناك وهناك بين فترة وأخرى.
أما لسان حال السوريين فيقول: مهما حاول البعض أن يُسلط نار التشويه على هذا التراث ورموزه، فإن التراث النضالي للجلاء يسطع رغماً عنهم ومهما كانت مواقعهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
963
آخر تعديل على الإثنين, 11 أيار 2020 15:13