قراءة أوليّة في «المحرومون في الاتحاد السوفييتي»
محمد المعوش محمد المعوش

قراءة أوليّة في «المحرومون في الاتحاد السوفييتي»

إنّ نصّ «المحرومون في الاتحاد السوفياتي»، للكاتب سيرغي قره مورزا، الذي صدر منذ أيام على قاسيون، المنشور نفسه عام 2009 على موقع قاسيون، يعالج مسألة ما زالت لحدّ الآن تشقّ طريقها بصعوبة إلى وعي القوى السياسية الماركسية، ألا وهي مسألة الجوع الروحي/النفسي، وكيف تم التصدي لها تاريخياً بين المجتمع الرأسمالي والتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، والتي كانت سبباً أساساً في تعثّر التجربة السوفييتية تاريخياً.

ولهذا فإن قراءة النّص في سياق البحث والعمل الرّاهن ضرورية، وخصوصاً في ظل انهيار النموذج اللّيبرالي وتشويهه الطويل للحياة الروحية والنفسية وحرفه للحاجات، وفي ذات الوقت الاستفادة من الوضوح السياسي فيه للإضاءة مجدداً على السبب وراء تغييب هذه المسألة لدى غالبية القوى الماركسية اليوم.

بين الهيمنة والحاجات الجديدة

الفكرة الأساس في النصّ هي مسألة بروز الحاجات الجديدة والتي تنتمي إلى الفضاء الروحي والرمزي المعنوي، والتي بدورها تحوّل العلاقة بين الأشياء وتعقّدُها، وتنقل العلاقات المباشرة بين الأشياء إلى مستوى أكثر تجريداً، ما يحوّل العلاقة بين الإنسان والواقع إلى علاقة أعقد وأكثر تجريداً، فتصير حتى أبسط الأشياء كالغذاء مثلاً تحمل معاني أبعد من إرضاء حاجة الشبع الفيزيولوجي بحد ذاتها. هكذا إذاً تأخذ مسألة كيفية تحقيق تلك الحاجات الجديدة ضمن المجتمع مساحة أساسية في النص. وبالارتكاز إلى أفكار غرامشي حول الهيمنة، اعتبر الكاتب أنَّ الحفاظ على هيمنة نظام اجتماعي محدد يحتاج إلى قدرة النظام على تأمين «توافق» اجتماعي يجعل القوى الخاضعة تقبل بنمط الحياة الذي يمِّثله النظام القائم، عبر قدرة هذا النمط على الاستجابة إلى الحاجات الاجتماعية المتجددة، ما يجعل منطق الهيمنة يحمل بُعداً ديناميكا متحوِّلاً. وهذا القبول (التوافق) يتأسس على أساس المعاني والقيم والرموز والصورة عن العالم التي يؤمّنها النظام على المستوى الثقافي والفكري ونمط الحياة الذي يتمثَّل من خلال ممارسات يومية فردية. هذه الممارسات الفردية الـ«خلويّة» تجعل الهيمنة الطبقية «خلويّة» الطابع، أي ليس بالضرورة أن يكون معبّاًٌ عنها «على شكل صدام قوى طبقية وإنما تجري وفق تغيرات بطيئة ومتدرجة وغير منظورة في الآراء والأمزجة ضمن وعي كل إنسان». وهنا يأتي دور المستوى اللغوي- الصوتي والبصري والحسي كالروائح وغيرها والقادرة على التأثير المباشر والأقوى حتى من النص المكتوب، وكلُّها تعبر عمّا سُمِّي في أدبيات أخرى بالهيمنة الناعمة. وهنا يعتبر الكاتب أن السياسة السوفييتية ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي لحظة استقرار المجتمع بعد الحرب، لم تقدر على وعي هذا الواقع الجديد لتطوُّر الحاجات، وما تفرضه من ضرورة تحوّل في نمط الحياة الشامل، مِمّا أفقد النظام الاشتراكي دعمه الشعبي الواسع، بتواطؤ من قبل الفئة الرجعية في السلطة السوفييتية على تحويل هذه النَّقمة الشعبية ضد الاشتراكية واستيراد نمط الحياة الاستهلاكي الغربي المروج له من قبل قوى البيروسترايكا. هكذا تم توجيه تلك الثغرة ضد الاشتراكية نفسها، ما زالت حتى اليوم لم تجد المعالجة الضرورية لها من قبل أغلب القوى الماركسية التي ورثت الفضاء الشيوعي السابق.

حول تجذير لغة الكاتب

إذا أردنا أن نجذّر لغة النص، لا بدَّ لنا من الإشارة إلى العديد من المواد التي سبق ونُشِرت في قاسيون (المترجمة منها، والمكتوبة) حول مسألة التطوُّر الذي حصل على مستوى الحاجات في النصف الثاني من القرن العشرين الذي حمله نمط الحياة الليبرالي، الذي سمح بإشباع الحاجات المباشرة المادية للطبقات الشعبية، وتحوَّل القمع من مباشر إلى قمع نمط الحياة الاستهلاكي. عندها وجدت الذات الإنسانية نفسها أمام إمكانية تحققها ضمن السردية الليبرالية. فعلى الرغم من اعتبار الكاتب أنَّ هذا الإرضاء يحصل في مجالات متفرقة، ولكن يمكن القول إنها كلّها يجمعها رابط مشترك هو مفهوم سعي الذات للتحقق، مع اختلاف، شكل هذا التحقق، فالمستوى الفردي الذي تعبّر عنه كل الصور في المجتمع الغربي هو أساس «التوافق» حول الليبرالية. فالسيارة والمنزل واللباس والعطور ونموذج الجمال الظاهري والجنس والمخدرات والتميز في ممارسات مختلفة هي كلُّها تعبير عن الفردانية التي يسعى عبرها الإنسان لكي يحّصِّل تمايزه، والاعتراف به. وهنا يأتي القالب الليبرالي ليكون شكلاً ولبوساً فاقعاً عن هذا المضمون، عبر دفعه بالفردانية إلى حد التضخّم، وها هي اليوم تثبت عجز هذا النموذج العقيم المؤسس للاغتراب، فالذات لم تجد في هذا النمط ما يشبع تلك الحاجات المعنوية، بل أنتجت الفراغ الروحي والاغتراب المتعاظم. ولهذا فالمطلوب تعويض الثغرة التاريخية التي يتكلم عنها مورزا في التجربة الاشتراكية، وهو ما عبَّر عنه بقوله: «فهذا يعني أننا لن نقوم بهدم النظام السوفييتي، بل على العكس تماماً سنقوم بإعادة تكوينه على صورة جديدة». لن نقوم بهدمه لأنه تم «هدمه» سابقاً. ولهذا فإن لغة الكاتب يمكن إعطاءَها طابعاً أكثر تجريداً فلسفياً من وحي التطور التاريخي على الذات البشرية ككل، والمواد السابقة في قاسيون محاولة بهذا الاتجاه.

المسألة وتجديد الخط الثوري، وانهيار الليبرالية

عدم بحث هذه المسألة (أي مسألة الجوع الروحي) على المستوى البرنامجي نحو أيِّ نمط حياة جديد المطلوب اقتراحه من قبل أغلب القوى الثورية، يعبّر عن معنى عميق، وهو أنَّ الرموز والمعاني التي سادت طوال عقود ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هي التي ما زالت مهيمنة على الوعي العام، وضمناً المكونات البشرية لهذه القوى. والمسألة معقدة أكثر. أين التعقيد في ذلك؟ بعد تراجع الشيوعية عالمياً، تحوّلت رموزها نفسها إلى تعبير خارجي عن الحاجات المعنوية الجديدة، فالسعي إلى التمايز الذاتي الفردي الهويّاتي لبس الرموز الشيوعيّة، وكفّت عن أن تكون منهجاً وخطاً فكرياً وسياسياً، بل هويّة ذاتية كباقي الهويات المتصارعة، ما جعلها تعوض جوعها الروحي عبر شكلين: تعايشها مع النمط الاستهلاكي وإحداثياته، واستهلاكها في ذات الوقت لرموز الشيوعية. وهكذا عاشت الاغتراب بلبوس «ثوري» عصبوي غالباً، فاقدة المنهج والهدف، ومنها تأتي مهادنتها لنمط الحياة القائم، وما تمرّد أغلب مكوناتها البشرية إلّا تمرّد فردي بلبوس سياسي، من هنا النزوع الرومانسي لديها، والنزعة «الثورجية».
لهذا السبب يجب نقل المضمون المعنوي «الجائع» إلى لغة ظاهرية جديدة لا تعبر عن نفسها بالرموز المتشيّئة، بل إلى صورة جديدة عن العالم تتضمن الأشكال الملموسة لتحقيق الحاجات المعنوية- النفسية بعد انهيار الشكل الليبرالي وصورته عن العالم. فالاشتراكية المتجددة ستطرح إشباع سعي الذات للاعتراف والقيمة من خلال إشراك كلِّ الأفراد بأدوار سياسية تخرجهم من موقع المستهلك في قالب العمل المأجور، نحو الفرد صاحب الدور الضروري للجميع، ما سيخلق رموزاً جديدةً وواضحة لا تكبح تحقيق الحاجات كما عملت الليبرالية التي غرّبت الذّات، بل تضع الحاجات الذاتية المعنوية في ممارسة تتلاءم مع هذه الحاجات، فالفردي سيتحقق ضمن المشروع الجماعي لبناء المجتمع الجديد، والذي يمرُّ اليوم بمرحلة الدفاع الوجودي عن نفسه، ضد فناء البشرية. المناورة الليبرالية التاريخية التي عوّضت الثغرة التاريخية للاشتراكية قد تهدّمت اليوم، وعلى الاشتراكية المتجدّدة الانطلاق من هذه المنصّة لكي تجيب عن تناقضات الرأسمالية، وتقدّم تصوراتها عن نمط حياة نقيض، سيعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. هذه الرؤية التي يجب أن يحملها البرنامج والخطاب الثوري الراهن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
957
آخر تعديل على الإثنين, 16 آذار/مارس 2020 11:27