«الحد الأدنى» للأجر.. هل يشتري «حياة» أخرى؟ ما بين الاصلاحية والتغيير الجذري
محمد المعوش  محمد المعوش 

«الحد الأدنى» للأجر.. هل يشتري «حياة» أخرى؟ ما بين الاصلاحية والتغيير الجذري

«الأجرة ليست إذن سوى الاسم الخاص الذي يُطلَق على ثمن قوة العمل المسمى عادةً ثمن العمل، ليست إذن سوى الاسم الخاص الذي يطلق على ثمن هذه البضاعة الخاصة التي لا يوجد منها إلا في لحم الإنسان ودمه». (ماركس- «العمل المأجور ورأس المال»)

 

هي تمكن العامل من تأمين وسائل العيش الضرورية له، أي ثمن تجديد إنتاج قوة العمل لديه، التي يبيعها للشاري- «رب العمل»، فعمله هذا كظاهرة لقوة لعمله، حسب ماركس، هو «حياته بالذات، نشاطه الحيوي»(المصدر نفسه).

هذه «الحياة بالذات» كمسألة تاريخية متغيرة.

العديد من العوامل الاقتصادية تتداخل في تحديد الأجر في صعوده أو هبوطه، ولكن هدف المقال ليس الأجر بذاته، بل فكرة علاقته بتجديد حياة العامل.

هذه «الحياة بالذات» تتحدد بظروف اجتماعية متحولة بتحول شروط الصراع الاجتماعي السياسي. فظروف الاستغلال في مرحلة تثبيت الرأسمالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تختلف عن ظروف الاستغلال بعد مرحلة الصراع ضد الرأسمالية في القرن العشرين، والتنازلات النسبية التي قامت بها البورجوازية. والتي انتجت تحسناً نسبياً في حياة القوى الشعبية والعاملة، وتثبيت ثقافة الليبرالية وما أنتجه ذلك من حاجات اجتماعية جديدة، فـ«حاجاتنا ومسراتنا إنما تنبع من المجتمع» وهي لذلك «تتسم بطابع اجتماعي ولذا فإنها نسبية»(المصدر نفسه).

الحاجات المتمحورة حول ثقافة الفرد(الليبرالية) بشكل أساس، وتقدم الجانب المعنوي لديه، محورها تحقق الذات وتثبيت قيمتها، و«سعي الذات للاعتراف بها» حسب هيغل. وذلك حسب ماركس وأنجلز الجانب الروحي من حياة الجماهير التي تعجز الرأسمالية عن إشباعه، بظل الاغتراب، فـي ظروف ازدياد تقسيم العمل، حيث «يتحول العامل إلى قوة منتجة بسيطة، رتيبة» وعمله «أقل لذةً وأشد تنفيراً»، فعمله «ليس جزءاً من حياته، بل تضحية بالحياة... فبالعكس، إن حياته تبدأ بالنسبة له حيث يكف عن هذا النشاط، عند المائدة، في الحانة، في النوم على السرير» (المصدر نفسه).

ترابط المادي والمعنوي

لا ينفصل إذاً المادي(جسد الإنسان)عن المعنوي(أهدافه وحاجاته الاجتماعية). فللمعنوي تأثير على المادي- الجسدي (بحاجاته الأساسية من طعام وراحة). وكلما اشتدت ازمة المعنوي، اشتدت معها أزمة «النشاط الحيوي» للإنسان، و«حياته بالذات»، كمضمون لظاهرة العمل. ويصبح وجوده المادي كإنسان بالذات هو أزمته نفسها.

ما هو أبعد من الأجر، نحو نمط علاقات إنتاج اجتماعية جديد

هذا التناقض في حياة القوى الشعبية، محكوم بعلاقات الإنتاج الرأسمالية، فالـ «التضحية بالحياة» بغاية تراكم أرباح أصحاب رؤوس الأموال ونظامهم هي نظام هذه الحياة نفسها.

لذلك فإن تبعات المرحلة التاريخية الماضية، والتي كانت تعميماً واسعاً لليبرالية، والرفع الوهمي للفرد وحاجاته وإرضائها «الوهمي» والعجز عن هذا الإرضاء، رفعت من حدة التناقض، ما بين الحاجات وبين الواقع كنمط علاقات الاستغلال، وخصوصاً الأزمة العامة للرأسمالية التي أصبح فيها الجانب المادي من حياة الناس مهدداً(حروباً، فقراً وجوعاً، تهجيراً، بطالةً واسعةً...).

 وانطلاقاً من أن المعنوي لا يمكن حلّه «كميّاً» في إجراءات اقتصادية ضمن النمط الرأسمالي نفسه (كرفع الأجور فقط)، مع أنّ ذلك غير ممكن اليوم أيضاً في ظل الأزمة العميقة للرأسمالية اقتصادياً ومالياً، بل يكمن الحل «نوعياً» في تغيير العلاقات الرأسمالية، بين مستغِل ومستغَل.

ضد الإصلاحية، 

نحو التغيير الجذري الشامل

السير إلى الأمام وحل تناقضات وجود الإنسان، عبر كسر علاقات الاستغلال، ليصبح وجوده المادي في خدمة وجوده المعنوي، وتطوره الروحي، لا في تضاد معها. فلا تعود حياته عبئا عليه، ولا يعود عمله- كشرط ضروري لوجوده- ظاهرة مضادة له كإنسان، بل مكمل وضروري لها، كما عبر ماركس. ضمن علاقات اجتماعية في خدمة تطور المجتمع وأفراده جميعاً.  

هذا هو الصراع المتجدد ضد الإصلاحية، في إطار التغيير الجذري والشامل في بلداننا، حلاً وحيداً للخروج من الأزمة الوطنية التي نعيش. 

وهذا يكمن إضافةً للتوزيع العادل للثروة، عبر إشراك الشعب في القرار الاجتماعي، حينها تتثبت قيمة وكرامة كل مواطن، فوجوده يصبح ضرورةً له ولغيره، لا في حالة مزاحمة، وتنافس محموم بين «فرديات» متضادة، بل في وحدة الفردي والجماعي.

فـ«غابات الأيدي التي ترتفع طلباً للعمل»(ونضيف للحياة) «وتتكاثف أكثر...وتزداد نحولاً وهزالاً» حسب ماركس، ستزداد وقتها حياةً وقوةً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
808