رائد وحش رائد وحش

محمد علي شمس الدين: 95 % من الشعر الحديث يصلح علفاً

الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين (المولود في الجنوب عام 1942) من الشعراء العرب البارزين في الشعر العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. يكتب القصيدة الموزونة، لكن قصيدته لا تستسلم للآلي والميكانيكي، بل تتوالد وتتجدّد عبر انفتاحها على هواء الفنون، فتتعدّد فيها الأصوات، وتتجاور فيها أشكال الكتابة، والأهم أنها في النهاية قصيدة ذات هوية فنية محدّدة على علاقة كاملة بصاحبها..
من أعمال شمس الدين الشعرية: «غيم لأحلام الملك المخلوع»، «أناديك يا ملكي وحبيبي»، «ممالك عالية»، «الغيوم التي في الضواحي»..

• تحضر الصوفية في شعرك حضوراً مختلفاً إلى الحدّ الذي يدعونا إلى التساؤل عن سر هذا المطبخ الشعري الذي جعل من  النص الصوفي سيروياً وشخصياً..
أنا مهيأ منذ النشأة الأولى لما اسميه الانتباه الروحي للغيب الذي أظنه أتاني من خلال علاقتي بجدي الشيخ في قريتي الجنوبية، حيث كان الصوت الشجي الديني والآذان عند الفجر يثيران الانتباه الروحي وعلاقتي بعناصر الطبيعة: الليل، القمر، النجوم، الريح.. كلها جعلت النفس تتهيأ لما تسميه «نصاً صوفياً شخصياً سيروياً»، إضافة إلى صلتي المعرفية بالإمام جعفر الصادق، صاحب الكتاب المهم في الشرح الصوفي للقرآن، أضف أيضاً صلتي المعرفية بمحي الدين بن عربي صاحب «الفتوحات المكية»، وبفريد العطار النيسابوري صاحب «منطق الطير»، وبحافظ الشيرازي الذي كتبتُ ديواني «شيرازيات» كمشاركة وجدانية بين اثنين ينهلان من النور الواحد. كتبت قبل ذلك «شمس محمد» وهي قصيدة تنظر إلى النور المحمدي نظرة صوفية: «لمحمد لغة الأرض وميزان الحقيقةْ/ ومحمد رفة العشب على جفن الحديقةْ/ وله الباب الذي يفتح للسرّ/ ومفتاح السماءْ/ وله وردة عين الفقراءْ/ ومحمد دائماً يبدأ من أول سطر في الخليقةْ»، إلى أن تنتهي القصيدة بالإشارة إلى النور المحمدي الأول الذي تقول به الصوفية.. الآن علاقتي بها علاقة تهيأ وتناسب، أي أن الصوفية من مناسباتي بمعنى ذلك الانسجام بين الداخل والخارج. لا أعتقد أن هناك سلوكاً صوفياً بالمعنى التاريخي لأن هذا السلوك انتهى مع مرحلة تاريخية محددة. تبقى الانخطافات وهي موجودة على الدوام لأنّ الشاعر جزء من بحر الوجود العظيم.
 
• منذ أكثر من نصف قرن تكتب قصيدة موزونة.. ترى كيف استطعت أن تحمي قصيدتك من الإشكالات التي ضربت الشعر الموزون في الصميم بحيث بات نوعاً من الميكانيكية؟؟
السبب هو إيماني بالشعر كطاقة من الحرية والرحيل والإبحار والمغامرة، واعتقادي أن القصيدة هي الطاقة الحيوية لكل شيء، أي هي التي تصهر في داخلها كل معطى تاريخي أو فلسفي أو جمالي أو لغوي أو أسلوبي، لتصبح العناصر كلها منصهرة في «ماغما» القصيدة.  وإحساسي الشخصي بالقصيدة يجعلني اعتبرها قادرة على أن تكون مايسترو الجوقة، كل شيء يأتمر بها الوزن والتوازن، النثر وسواه، التاريخ والحب.. تبدأ القصيدة من حيث تنتهي الأشياء، لذا، ومن الأساس، لم أكن مدرسياً لأنني لم أكتب القصيدة على الرغم من معرفتي بالأسلوبيات وباللغة، أعطيك فقط فارقاً وقد كتبته في مقال حين أصدر أدونيس كتابه «الكتاب/ أمس المكان الآن»، وكان بعنوان «البحث عن إبرة الشعر تحت قش التاريخ»، حيث أشرت أنه تربض على هذا الكتاب الهوامش والإحالات التاريخية بقوة، بحيث أنك حين تفتش عن الشعر سوف تفتش عنه تحت قش التاريخ، بينما تكاد تضيع إبرة الشعر، وهذا مأخذي على علاقة الشعر بالتاريخ، أنا أقول إن علاقتي بالشعر تبدأ من حيث نهاية التاريخ بل من حيث نهاية الجغرافيا والواقع.
قوة الشعر القادرة على هضم كل شيء داخلها قادرة أيضاً على أن تجعل كل معطى في خدمتها وبالتالي فهي لا أسلوبية لذا أنا استعملت في قصائدي الوزن التام في كامل تمامه وفي تنشيطه إلى وحدات تفعيلية واستعملت أيضاً الكسور والنثر المرسل وفي أوزاني شيء من التوالد والتزاوج وعدم الرضوخ والانصياع وهذا ما جعل النص حيوياً وقوياً. أميل نظرياً إلى التقريب بين الشعر والمسرح حيث أن القناع ينفع في المسرح يعدد الشخص ويعدد الأصوات فعند خروج ممثل إلى خشبة بقناع لا تعرف من المتكلم أهو الشخص أم القناع! أميل نحو القصيدة المركبة والمتعددة فالشعر كما قلت هو المايسترو والآلات متعددة في الجوقة فإذا كانت كل آلة تريد أن تشرد على ذاتها تصير الجوقة مفككة.
 
• الشعر العربي بأشكال كتابته كافةً يعيش اليوم أزمة تجعله على حافة الاختناق، كيف تنظر إلى الأمر؟؟
تاريخياً مر الشعر باختناقات، والاختناق الكبير للشعر العربي جاء بعد المتنبي الذي أرهص بكوارث المستقبل وكنّى عن نفسه بـ«الغريب» وغربته كانت مثلثة، فمن أعلى القمة رأى الكارثة التي وقعت في عصور الانحطاط حيث تحول الشعر إلى وزن وزخرف والى فقاقيع لا قيمة لها، في هذه الانخناقات برز خيطان للضوء، الأول أتى من خلال الكلاسيكيين الجدد الذين أعادوا إحياء ما قبل الانحطاط من القصيدة العربية، من محمود سامي البارودي إلى أرفعهم كعباً ورتبة أحمد شوقي، أضف إليهما بدوي الجبل وسعيد عقل.
تم إحياء ما قبل الانحطاط بشعر كلاسيكي متجدد في اللغة والصورة والمفارقة مثل «ريم على القاع بين البان والعلم/ أحل سفك دمي في الأشهر الحرم»، ولهذه الناحية لم تكن المعارضة الشعرية لأحمد شوقي سوى أداة لاستعادة روح القديم بصياغات جديدة، ونجح هذا الرجل الذي يعتبر محطة ضرورية. وهناك رافد آخر جاء من سبيل النثر وذلك من خلال ترجمة «الكتاب المقدس» بعهديه القديم والحديث إلى اللغة العربية على يد الشيخ إبراهيم اليازجي، ومن خلال ترجمة «نشيد الأناشيد» وعلى هذه الترجمة كتب شعراء معتبرون كتابات شعرية دون أوزان من بينهم جبران خليل جبران وأمين الريحاني، إذ فُكَّ الحصار عن روح الشعر من خلال روح النثر الذي جاء لكي ييسر انخناق الشعر، ولعب دور منظم السير والمسرّح له.
 
• ولكن المأزق أوضح في حالة الشعر العمودي وقصيدة
التفعيلة لكونهما شكلين آليين، أليس المأزق في الآلية نفسها؟
المأزق لا تختص به الكتابة الموزونة وحدها بل يشمل قصيدة النثر، ولكل مأزق وصفته، والمخرج هو برأيي يكون بالنسبة لقصيدة النثر بأن تنتبه للوزن، وبالنسبة لقصيدة التفعيلة بأن تنتبه لقصيدة النثر، ولنعد للحرية التي بدأت بها حديثي ولكون القصيدة هي الجامع فلندعها تستعمل ما تريد. لم يمت شيء، الشعر لا ينمو إلا بالحرية، والحرية هي حرية الترك وحرية الاختيار هذا أولا، وثانياً تأتي الناحية النظرية: علاقة الحداثة بما بعد الحداثة، وعلاقتها بما قبلها.. كان ثمة وهم عند الحداثيين في الغرب بأن الحداثة تجب ما قبلها وخير دليل المعارك التي كانت تقوم بين الدادئيين والكلاسيكيين ثم الدادئيين والسوريالين.... إلخ.
الشعراء المعدودون الذين أنتبه لهم أجدهم قصباً تمر به الرياح العالمية والمحلية، لكن يبقى السؤال: كيف يرن الوجود في قاع الشاعر؟؟ هذا هو الأساس!! أما الشعر العربي الحديث فأعتقد أن 95% منه سينفع علفاً للأبقار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
413