أوراق خريفية.. «شرشحة مدير عام ..»

دخل مذعوراً مرتبكاً نافضاً عنه كل ريش العنجهية. متوقعاً سماع كل ما يخدش الكبرياء والكرامة.. إلاَ أن مبدأ الانحناء أمام العاصفة، كان ماثلاً نصب عينيه فهو مذنب ولاشك، وليست المرة الأولى التي يتعرض فيها للتأنيب والتوبيخ.

■ أهلين !... بعد زمان والله!.. أخيراً شرَفت يا سيد! هل فرشوا لك البساط الأحمر قبل قدومك إلينا ؟ !هل نسوا أن يطلقوا إحدى وعشرين طلقة مدفعية احتفاءً بك؟! (مستطرداً بسخرية) ما معهم حق أبداً... لو علمنا بموعد وصولك بدقة لكنا صففنا الجماهير على جانبي الطريق المؤدي لمكتبنا لاستقبالك..

●● سيدي .. ! .. أ ..

■ اخرسْ ! إياك أن تنبس ببنت شفة ! ما هو بانتظارك سوف ينسيك حليب أمك يا حقير! هل تتوقع أنَ أضواءنا مطفأةٌ عنك يا ألمعي ؟! كيف ستنفد هذه المرة ؟! آه كيف ؟

●● سيدي ! صدّقني كلها إشاعات وأقاويل حسَاد.. و..أ..

■ ( مقاطعاً بحدَة ) قلت لك اخرسْ يا وضيع يا نذل ! أوَتعتقد أن المال العام سايب يا لص ؟! 

عندما تم تعيينك مديراً عاماً، كنت لا تملك شروى نقير! والآن ما شاء الله وكان، أصبحت من الأثرياء العشرة الأوائل في هذه المحافظة .. 

نقول لك من أين لك هذا ؟ ! تجيب من كدَي ومن تعبي!.. يا سيد! اجمعْ كافة رواتبك وتعويضاتك على مدار الخمس سنوات التي قضيتها في منصبك، واضربْها بمائة ألف ضعف، فإنها لن تصل إلى حجم ثروتك المعلنة! أوَتظنَ أننا غافلون عنك وعن أمثالك ؟!

●● لكن تقارير التفتيش لم تستطع إثبات أية إدانة بحقي سيدي !!. 

■ وهل تظن أن قرارات التفتيش تهمنا كثيراً يا كديش؟!.. قصر وثلاث فيلاَت ومزرعتان وسيارات لم نحصِ عددها بعد؛ وتقول لي تفتيش وما تفتيش ؟!!!

●● ولكن سيدي المتهم بريء حتى يُدان بحكم قضائي بات.. 

■ ولكْ كل ذلك وتزعم البراءة ؟!! هل أنت مسطول ؟!! هل تعتقد أننا ساذجون لدرجة يمكنك معها لخْمنا يا حيوان؟!! انتظرْ إذن في قصورك قرار صرفك من الخدمة وإحالتك أمام محاكم الأمن الاقتصادي لتنعم هناك بثروتك! 

(يتمشى بضع خطوات مستطرداً) حلو والله، أربعة أشهر وحضرتك تتجاهلنا وكأننا غير موجودين ! 

اشتهيت أن تفكر خلالها مرة واحدة بدعوتنا إلى حفلة شواء بمزرعتك! أو بتقديم هدية لضنانا الوحيد.. 

أو حتى ببطاقة معايدة بمناسبة عيد رأس السنة .. أم أنك لست فاضياً لنا، وانهماكك بصفقاتك أنساك وليَ نعمتك؟!

●● (يتنفَس الصعداء .. ويغمض عينيه قليلاً ويزدرد لعابه الذي كاد أن يجفَ) معاذ الله مولانا ! أقسم بشرفي كنت اليوم على وشك الاتصال بك قبل استدعائك لنا بلحظات.. و.. 

■ لاتقسمْ بشيء لا تملكه يا منافق ! أنت شخص عديم الأصل والوجدان ناكر للجميل جاحد للمعروف .. 

هل نسيت المعارك الضارية التي خضْتها بسببك؟ كان من الممكن أن تكون في بيت خالتك منذ العام الأول لتنصيبك مديراً عاماً. أم أنك نسيت حمايتنا لك وأنها تكلفنا هديك الحسبة ؟

●● سيدي! إذا كنت تلمَح إلى تقصيري في خدمتك؛ فأنت والله العظيم مُحقَ، وأُبصم لك بالعشرين! ولكن صدَقني مولانا! زحمة الحياة وكثرة المشاغل والاجتماعات.. تجعل المرء أحياناً ينسى رحم أمه الذي..

■ ولكْ الله يلعن الداية اللي سحبت راسك يا عرص!! أمثالك لاينسون أمهاتهم فحسب! أمثالك غلط وجودهم في الحياة أصلاً... تْفوه.. لعنة الله عليك..

●● كل ما تقوله على عيني.. وأنا مدين لك.. وفضلك على راسي.. وهات إيدك لْبوسا.. ورضاك قبل رضا الله والوالدين.. وحصتك صارت بالبيت قبل وصولي إليك..  أي افردْها بقى خلَصْنا.. العمى صحيح..!!

■ مشكلتك يا أبو قرعة إنك صاحب لسان معسول! دائماً تستغلَ طيبتي ومحبتي لك.. ولكْ يا ابن الحلال واللهِ وبكسْر الهاء، منذ يومين كنت على رأس القائمة المنْوي الإطاحة بها.. لكنني دافعْت عنك دفاع اللبوة عن أبنائها.. حتى أن بعض همسات الشكوك أصابت مسمعي بسبب دفاعي عنك .. حتى يبيَن فيك يا بغل! بالمناسبة، ما هذه الكرش التي تحملها.. ألا تخشى من أن تفضح في يوم من الأيام عمَا تحتويه من سرقات ورشاوى وخلافه ...

●● طالما حضرتكم معنا، لا تهمَني لومة لائم.. الله يحميك ويخلَيك تاج راسْنا .. بس مولانا عندي استيضاح بهذه المناسبة، أرجو من سيادتكم تطميني بشأنه؛ فمنذ مدة بدأت بعض الصحف الجديدة بكشف المستور... الله يجيرنا..

■ (مبتسماً باطمئنان ) لا تخف ! متى كان حكي الجرائد يقلقنا ؟ !.. دعْهم يكتبون وينفَسون .. ها هي جارتنا لبنان خير مثال على ذلك .. اهتمامك يجب أن ينصبَ على كبائر الأمور لا على صغائرها..

والآن انصرفْ من هنا.. لديَ اجتماع هام من أجل التحضير للمهرجان المركزي الضخم احتفالاً بعيد العمال العالمي.. يالله!  هيَا انقلع وْبلا ولْدنة من اليوم ورايح .. مفهوم؟؟

●● خرتوش فردك أنا سيدْنا .. باي ... 

■ ضيا اسكندر - اللاذقية 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.