ثائر ديب ثائر ديب

بين قوسين «جسد»: ذاكرةٌ للنسيان

لم تعد رائجةً هذه الأيام، ولعلّها نُسِيَت، تلك العادة الديالكتيكية في التفكير التي تجد التناقض في الظاهرة الواحدة ذاتها.

وما حلَّ محلَّها هو ضروب فقيرة من التقابلات الثنائية الصارمة  النور/الظلام، الثبات/التحول، الخصوصية/ الكونية، الشرق/ الغرب، التراث/ الحداثة، الوحدة/ الاختلاف، التدين/ العلمانية....الخ ـ حيث تُضْفَى قيمة إيجابية مطلقة على هذا الطرف أو ذاك من كلِّ ثنائيةٍ ويُشَيْطَن الطرف الآخر.

أذكر ذلك في سياق الإشارة إلى الاهتمام الذي برز في الثقافة العربية مؤخَّراً بالجسد وقضاياه، حتى باتت له مجلته الخاصة به، بعد تأخّرٍ يناهز نصف القرن عن الاهتمام العالمي بهذا الموضوع.

كان الاهتمام بالجسد والتأكيد على الجنس، بوصفهما موضوعين مشروعين للبحث والدراسة وأمرين يتّسمان بأهمية سياسية دائمة، قد برزا منذ ستينيات القرن العشرين عبر مدّ السياسة اليسارية يدها إلى مناطق سبق لها أن أَهْمَلَتْهَا ذلك الإهمال المؤسف وغير المبرَّر. فالوجود الإنساني يشتمل على الكبت والرغبة والاستيهام واللاوعي والموت كما يشتمل على العقل والحقّ والرُّشد والحياة. وتحرّر الإنسان إنما يعني تحرّره من كلِّ القيود التي يرسف فيها، وهي قيود لا تقتصر على الظلم الاجتماعي الطبقي وإن كانت تتحدد به.

ذلك هو المناخ الذي ظهرت فيه أعمال ميشيل فوكو حول تاريخ الجنس، وإعلاء الممثلة الأمريكية جين فوندا من شأن البدن والجسمانيات، وافتتاح الـ Body Shop وتحوله إلى سلسلة دولية من المتاجر التي تبيع كلّ ما يتعلق بمسائل العناية بالجسد من مواد تجميل وأغذية، ومعاودة الاهتمام بفرويد وفيلهلم رايش، الخ.

بيد أنَّ تلك الفترة ذاتها هي الفترة التي بدأت فيها طاقات اليسار الثورية (في أوروبا ثم لاحقاً في أرجاء الدنيا) بالتراجع شيئاً فشيئاً. وبات الاهتمام بالجسد بديلاً عن تلك الطاقات راح يحتلّ مكانها رويداً رويداً. وبهذا المعنى، فإن الجسد الذي تجلّى كتعميق للسياسات الراديكالية التي كرسته بقوةٍ كواحدٍ من أركان الثقافة الإنسانية، في نوعٍ من التقدم العلمي والتاريخي، كان في الوقت ذاته إزاحةً لتلك السياسات الراديكالية واستبدالاً لها، مرتبطاً بالشلل السياسي الذي راح يدبُّ في أوصال اليسار، فضلاً عن ارتباطه بما عرف عن اليمين من اهتمام وسواسي بالجنس، حيث يُعْنَى هذا اليمين بوضع حدٍّ للحب وليس للجوع أو الفساد، وبوقف الزنا وليس تلوث البيئة أو القمع أو التسلح.

وأوضح دليل على تناقض ظاهرة الاهتمام بالجسد، وعلى كونها نوعاً من الاستبدال، هو أن الجسد الذي يجري الاهتمام به هو الجسد الإيروسي دون الجسد الجائع، والأجساد المتجامعة دون الأجساد التي هدّها التعب، وتاريخ المؤخّرة وشعر العانة دون تاريخ افتقار ما يزيد على نصف سكان العالم إلى ما يكفي من الصرف الصحي وعيش أجسادهم وعقولهم على أقل من دولارين في اليوم.

لنرحب، نحن إذاً، بـ «جسد» في كلِّ هذا التأخّر، وكلِّ هذا النسيان.

آخر تعديل على الخميس, 18 آب/أغسطس 2016 21:24