تراث دروب إخوان الصفا

دخل المشروع الفلسفي الإسلامي مرحلة جديدة من تاريخه مع ظهور جماعة «إخوان الصفا»، التي سعت إلى صياغة مشروع تنويري ذي طابع جماهيري، يساهم في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي التي كانت تشكل الهاجس الأكبر للكثير من مثقفي ذلك العصر.

فعلى الرغم من الطابع الذهني التأملي للفلسفة، ومن أن الاستقبال الأول للفكر الفلسفي في العالم الإسلامي  تم في أروقة قصور السلطات الحاكمة، ووسط مجتمعات النخبة، فإن ذلك لم يمنع أعلام جماعة إخوان الصفا من تقديم فهمهم الخاص لضرورة الفكر الفلسفي، فقد شهد القرن الرابع الهجري الذي ظهرت فيه تلك الجماعة تدهوراً عاماً في الأوضاع السياسية والاقتصادية، وانحلالاً كبيراً في عوامل ومقومات الاستقرار الاجتماعي، دون أن يحول ذلك من تطور عملية التماذج والتلاقح الحضاري التي عرفها العالم الإسلامي، هكذا وفي الوقت الذي كان فيه الغليان الاجتماعي والسياسي يزداد حدةً، كان الأفق المعرفي والفكري للمثقف يزداد اتساعاً وتطوراً، مما دفع إخوان الصفا إلى الاعتقاد بأن سفينة المعرفة هي وحدها القادرة على انقاذ المجتمع من طوفان الانحلال والانحدار العام، وإيصاله إلى شاطئ الأمان.

من هذا المنطلق قام عدد من الفلاسفة المتجمعين في مدينة البصرة، التي كانت إحدى أهم حواضر الثقافة الإسلامية، بتأسيس جمعية سرية، كانت مهمتها الأساسية نشر الفكر الفلسفي وتبسيطه وإيصاله إلى أكبر شريحة ممكنة من المتلقين، واستقطاب أكبر عدد من المؤيدين والأتباع، وهكذا قام «الإخوان» بتأليف رسائلهم الفلسفية الشهيرة، التي يمكن أن تعد أول موسوعة علمية شاملة في التاريخ، حيث لم تترك ميداناً فلسفياً أو فكرياً أو ثقافياً إلا وتطرقت إليه بأسلوب حوى الكثير من التبسيط، دون الإخلال بمتانة وعمق المادة المعرفية التي حواها، كما تم وضع أسس تنظيمية مبتكرة للجماعة، شبيهة بالبنى التنظيمية للأحزاب السياسية المعاصرة، كانت الغاية منها تنظيم الأتباع، وضمان تلقيهم لمبادئ وافكار الجماعة بأفضل وجه، مع الحفاظ على سريتها، خوفاً من بطش السلطات السياسية والدينية الحاكمة. 

وكان الأساس الذي قامت عليه دعوة  إخوان الصفا لاجتذاب المؤيدين، هو نقد الأسس الفكرية والاجتماعية التي تقوم عليها «دولة الشر» حسب تعبيرهم، الذي يشير إلى الدول القائمة التي عاصروها، والدعوة إلى اقامة دولة «أهل الخير» ، التي لايمكن أن تنشأ إلا بوجود عدد كبير من الأفراد الواعين المتسلحين بالحكمة، والمستعدين للنضال والتضحية في سبيل إقامتها، هكذا قدم إخوان الصفا فهمهم الخاص لحركة التاريخ، حيث تتعاقب فيه الدول وانماط الحكم، وتكون المعرفة هي السبيل الوحيد لإيجاد المدينة الفاضلة من قلب تلك التناقضات التي تحكم حركة المجتمع البشري عبر العصور.

لانعرف بالضبط مدى النجاح الذي حققه إخوان الصفا في اجتذاب المناصرين لحركتهم، بسبب الغموض الذي أحاط بتاريخ تلك الجماعة، ولكن المؤكد أن فلسفتهم قد لاقت نجاحاً ورواجاً كبيراً في أوساط المثقفين في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، حيث كانوا بنزعتهم الفكرية الشاملة، وانفتاحهم على مختلف التيارات الفلسفية والثقافية، وابتعادهم عن التعصب والانغلاق في الدفاع عن أفكارهم، قادرين على ترك بصماتهم على الحياة الفكرية الإسلامية، فبقي تأثيرهم واضحاً وفعالاً على معظم الفلاسفة المسلمين الذين جاؤوا بعدهم. 

هكذا كان الدرب الذي إختاره اخوان الصفا لأنفسهم، يقوم في نقطة التقاء الفعل الفلسفي التنويري مع الهم الاجتماعي العام، فسبقوا عصرهم بإدراكهم للقوة المادية للأفكار، ودور الوعي في عملية التغيير، وعلى الرغم من أنهم لم يقوموا بصياغة خطة للعمل السياسي تمكِّنهم من تحقيق أحلامهم على ارض الواقع، إلا أنهم نجحوا في تأدية دورهم التنويري، وترك أثرهم الذي لا يمحى في التراث الإسلامي. 

   ■ محمد سامي الكيال

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قد يهمك قراءة إحدى المقالات التالية