سناء عون سناء عون

حين صارت «قصيدة نثر» مقهى

«كتب الجغرافيا هي أكثر الكتب الجدية، فهي لا تبلى. من النادر أن يغير جبل مكانه، أو أن يجف محيط من مائه، إننا ندون الأشياء الأبدية».

 

ستطالعك هذه العبارة وهي من قصة «الأمير الصغير»، على جدران ذلك المقهى القابع في أحد أزقة الشيخ ضاهر، والذي حمل منذ ولادته في 24/11/2007 شهادة ميلاد تعرّفه باسم «مقهى قصيدة نثر». 

العبارات المنتقاة بعناية فائقة، والموضوعة ببراويز أنيقة على جدران ذلك المقهى، هي أول المؤكدين أننا أمام مؤسسة ثقافية اكتست حلّة مقهى. تلك العبارات التي يستبدلها بريء خليل ورامي غدير كل أسبوعين، هي ضيافة على شرف، الماغوط، أنسي الحاج، أدونيس، محمود درويش،  زياد الرحباني، أمجد ناصر، لوركا، سركون.. شعر، نثر، سرد وكلمات، هي ضيافة تجعلك مضطراً  لشرب البيرة دافئة والقهوة باردة، دونما امتعاض.

هكذا يأخذك المقهى إلى أجوائه، بابتسامة، وتأمل طويل. ذلك المقهى الذي ولد مثل غلطة أم، بمولد جديد. لم تكن ولادته إلا مزحة كما يؤكد بريء خليل: «مشروع قصيدة نثر كان مزحة بيني وبين صديقي رامي، وربما طعماً لمدينتنا. كان من المفترض أن يكون المشروع مؤسسة ثقافية صغيرة لكن لصعوبة العمل في سورية  تحول شكل المشروع لمقهى قصيدة نثر، حاولنا أن نعمل بنفس مؤسسة ثقافية غير ربحية».

الداخل إلى المقهى، حتى وإن لم يسمع به من قبل، سيكتشف على الفور خصوصية المكان  من خلال:

1 ـ الملف المعلق على الجدار الأول.

2 ـ الجدار الثاني الذي خصص لصور شعراء قصيدة النثر والتفعيلة، وكبار الكتاب في العالم

3 ـ هذه العبارة وما يليها: «لطالما تخيَّلتُ أن الفردوس سيكون مكتبة، على نحو ما».. (بورخيس)..

هذه العبارة كُتبت فوق مكتبة تضم نحو ألفي كتاب، والتي تعتبر وجبة دسمة لرواد المقهى ممن يعشقون النهل من هذه الفردوس. هذا العاشق سيترك الكتاب وحيداً على الطاولة، تنفيذاً لورقة صغيرة علقت بجوار المكتبة «الرجاء إبقاء الكتاب وحيداً على الطاولة... نحن نعيده  لمغارته السحرية».

أنشطة المقهى بدأت بإحياء عدد من الأمسيات الشعرية لشعراء من مختلف الأجيال منهم: مرام المصري، منذر المصري، لقمان ديركي، محمد مظلوم، سامر إسماعيل، ندى منزلجي، حسام جيفي، إيلي عبدو... وأحيت «القصيدة» عدداً  من الأمسيات القصصية لكتاب من جيل الشباب. لم تغفل عن إقامة حفلات توقيع الكتب كان آخرها توقيع رواية «إلى الأبد ويوم» للشاعر عادل محمود.

 كذلك استضاف المقهى جزءاً من أنشطة مهرجان «في رحاب المتوسط» بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي، الذي تضمن معرضاً للتصوير الضوئي لمصورين فرنسيين وسوريين، وأمسيات شعرية.

أما الضيف الكبير المقيم دائماً في القصيدة، كان محمود درويش، حيث أقيم في الذكرى السنوية الأولى لرحيله حفل بعنوان «لقد مات فقط» استمر ليومين تضمن: غناء بعض القصائد للشاعر بصوت رشا بلال وإلقاء قصائد أخرى، ألقاها كل من تمام تلاوي، آلاء أبو الشملات، عيسى حيدر، وبيسان أبو زيد ومن القصائد التي ألقيت «على هذه الأرض»، «يطير الحمام»، «حالة حصار»، «شتاء ريتا الطويل»، ورافق الشعر والغناء العازف مجد بلال على آلة القانون.

 أقام المقهى أيضا عدداً من المعارض، كان للأطفال نصيبهم الواسع فيها. حيث أقيم معرض رسوم توضيحية للأطفال، ومعرض تحريك دمى.

مهلاً هناك إعلان مهم: «التدخين خطر مميت يحتوي على9100 مادة مسرطنة ومخرشّة رغم ذلك ما زلت أدخن»، هذا الإعلان الصغير الملصق على الجدار لم يكن الإعلان الوحيد في المقهى، فبعد تعليقه بأشهر ضمت تلك الجدران معرضاً لبوستر إعلاني للفنان مياد خليلي بعنوان «إذا بحكي بتسمعني» يتناول حقوق المرأة.

مقهى يعطيك كل شيء تحتاجه من أفكار ومعنى، ويولد نوعاً من دينامية النقاش، والانسيابية في التعامل والطرح.. أدت إلى ولادة حقيقية لمؤسسة ثقافية أهلية غير ربحية هدفها الأول إشاعة القراءة، ورعاية التجارب الجديدة، وخلق جيلٍ من الشعراء الجدد، وأخيراً جعل الحياة أجمل، والناس أكثر فرحاً.

أقام المقهى مؤخراً مجموعة من ورشات العمل، منها ورشة ترجمة استمرت شهراً، أشرف عليها المترجم السوري ثائر ديب. ورشة لكتابة السيناريو بإشراف السيناريست والروائي السوريّ خالد خليفة. كما أقام المقهى دورات لغوية مجانية لتعليم الإنكليزية والفرنسية.

ولأن لقصيدة النثر تاريخاً إشكالياً وطبيعة مشاكسة لم تسلم من تدخل «زوّار اللّيل» الحريصين على الأمن والأمان من شر الثقافة المستطير. المفاجأة الأولى تهمة اليسار، تلتها خطيئة تجمع ثقافي غير مرخص أو تجمع ماركسيين جدد.. كانت الأسئلة الأمنية تثير الضحك والكثير من السخرية.. التهمة الحقيقية هي مشروع أهلي هدفه الأول نشر الثقافة، ودعم القراءة، وإشاعة حبها، وجعل الحياة تبدو أجمل..  نعم تفاجأ أبناء المدينة بخلوها من نفس البحارة بأسى يهمس بريء: هذه المشكلة الأولى التي واجهتنا.. وجود رجل يرتدي بنطالاً رمادياً  وحذاء أسود، وهو بكل تأكيد ليس بحاراً، ولا يستحق أكثر من هذا السطر.

ويضيف: «الذاكرة مع (القصيدة) وحدها تعوض عن عدم اكتمال المشروع الذي في مزحتنا حتى الآن»...

المقهى الذي حاول منذ انطلاقته تحريك الجو الراكد في مدينة اللاذقية، علّ أوغاريت  التي صدرت الأبجدية الأولى إلى العالم، تستعيد بريقها الثقافي، قرر تعليق أنشطته إلى إشعار آخر، فسوريتنا تنزف.. 

الآن وقد توقفت الأنشطة تقدمت الذاكرة، ذاكرة «قصيدة نثر» مكاناً، حيث يكر الشريط بالأبيض والأسود إلى مرور الشاعر «دُمَّر» وعروسه بفستانها الأبيض ليلة الزفاف ليحتسيا كأس بيرة في المقهى لتمتلئ القصيدة  بالزغاريد.

ويكر الشريط إلى العاشق المتيم الذي جاء حاملاً خاتماً لفتاة صنعت بالوناً من علكتها، ومع انفجار البالون فجّرته بكلمة: لا أحبك.. الفتاة ذاتها فاجأت رفاق المكان باستبدال وشمها المشاغب على الظهر المكشوف بحجاب أسود.

قبل أن نغادر المقهى سنعيد بكل تأكيد قراءة العبارة المعلقة في الذاكرة وفي جدران المقهى: «لنتفقد أغراضنا ثم نخرج إلى البحر»،  ولا بأس حينها إن تفقدنا أغراضنا أو نسيناها تغرق في بحر القصيد.