عبلة عزاوي.. «رحلة بين الطين والروح..»

عبلة عزاوي.. «رحلة بين الطين والروح..»

رحلت الفنانة التشكيلية عبلة العزاوي (1935- 2016) رائدة الخزف العراقي ومن أوائل المشتغلين بالسيراميك عن عمر ناهز 80 عاماً، ، إنها واحدة من الخزافات اللائي عملن على صياغة أسلوبها بفطرة وثقافة شعبية، استمدتها من الأجواء المحيطة بها والتي تتخللها العقد، والشناشيل والأزقة الضيقة والأبواب الضخمة.

ركزت الفنانة على الجداريات والنحت الفخاري وحرصت على التعبير عن الموروث والخصائص العراقية وبقيت محافظة عليها في أعمالها، وكرست أغلب أعمالها لبغداد، معبرة بذلك عن غنى هذه المدينة وحبها لها، فقامت بتسجيل موضوعات مهمة ومتميزة، استمدتها من تاريخ بغداد، وحضارة وادي الرافدين.

ولدت في بغداد وقضت سنوات تعليمها الأولي فيها. أصيبت بمرض عضال فبقيت طريحة الفراش، ولم تستطع إكمال تعليمها، فوجدت في القراءة عزاءها الوحيد والبديل. قرأت كل ما وقع في متناول يدها من الكتب والمجلات، وجربت كتابة القصة والشعر في محاولة محمومة للانتصار على المرض، ثم التحقت بشقيقها في فرنسا لإكمال علاجها، وهناك بدأت حياة جديدة ودرست فن السيراميك في بعض القاعات الفنية الخاصة. عادت إلى بغداد، ولم يمنعها عدم حصولها على الشهادة الدراسية  من القبول في معهد الفنون الجميلة (كمستمع) فأمضت ثلاثة أعوام في المعهد بشكل غير رسمي إلى أن حصلت على الشهادة المتوسطة التي تؤهلها-رسمياً- للقبول في المعهد، وحصلت على شهادة معهد الفنون أيضاً، وسافرت إلى فرنسا، لتكمل دراستها في قسم السيراميك.
وبدل أن تختار فرنسا، بعد أن أكملت دراستها، عادت إلى مدينتها بغداد، ولم تغادرها، وقامت عند عودتها إلى بغداد بزيارات مستمرة للمتحف العراقي ومحال صاغة الفضة، للتمعن في الأبواب والشبابيك والأعمال الخشبية المزخرفة في السقوف، وفي تيجان الأعمدة، وفي الشناشيل والزخارف الآجرية والمزججة، وما تزخر به جدران المآذن والقباب من زخارف وخطوط وتشكيلات. وتقول عن تجربتها هذه: «أثرت زياراتي الكثيرة إلى المتحف العراقي بي وجذبتني نحو الفن القديم الذي كنت قد بدأت أعمالي الأولى به.. وبعد الأعمال والتجارب العفوية والبدائية، بدأت بالتراث وبدأت أبحث في الشوارع القديمة والأسواق الشعبية والقرى عن التراث لتأمله ودراسته».
«بغداد المدورة»
ورغم صعوبة فن السيراميك، وتدخل تقنيات ووسائل معينة في التعامل معه، وصعوبة توضيح وإبراز التفاصيل والشواهد الكبيرة في الأعمال السيراميكية إلا أن إبداعها لم يقف عند حدود القطع السيراميكية ذات الأحجام الصغيرة والمتوسطة من الجداريات والمعلقات والمسلات والمنمنمات والقلائد والتمائم والتعاويذ والأواني فقط، فقد أنجزت جدارية ضخمة عام 1982 ترمز لمدينة بغداد وتتألف من ثلاث مئة وخمسين قطعة متلاصقة ومترابطة في إطار التعبير عن صورة بغداد المدورة كما هو حالها عند إنشائها، أبرزت من خلالها أحياء ومؤسسات ومساجد بغداد وسورها وأبراجها، وطرقها وحدائقها، والرموز الدالة على حضارتها. وعندما سألت الفنانة نفسها عن مصدرها أجابت قائلة: «الخيال، كان مصدري الأول، فقد تصورت بغداد، قصورها، بيوتها.. حدائقها.. أسوارها، ولكنني اعتمدت كتب التاريخ مصدراً للدراسة». كما أنجزت جداريات أخرى عن بغداد.
يصف الدكتور عماد عبد السلام رؤوف المتخصص في التاريخ، الذي دوّن سيرتها الشخصية في كتابه «عبلة العزاوي رحلة بين الطين والروح: سيرة شخصية وفنية»، الجدارية قائلاً: «إن الفنانة اختارت أن تصور لنا بغداد المدورة وكأنها تنظر إليها محلقة من فوق، جاعلة ثمة مسافة زمنية، لامكانية، لتمنح المشهد بعداً أسطورياً هائلاً، على أننا كلما تفحصنا معالمها الداخلية، صرنا في قلب المدينة، وفي أسرارها».
أعمال ومعارض..!
أقامت الفنانة عبلة العزاوي خلال مسيرتها الفنية أربعة عشر معرضاً شخصياً، فضلاً عن مساهمتها في الكثير من المعارض الجماعية، حيث تواصلت معارضها في العراق وخارجه فانتقلت أعمالها بين كاركاس وفيينا ولندن وأمريكا وإيطاليا وغيرها من البلدان، وكانت تحرص على جعل كل معرض مختلفاً عما سبق، مركزة على تسجيل تاريخ وحياة بغداد في أدق تفاصيلها ورموزها ومناسباتها.
وفي العام 1986 أنشأت قاعة كبيرة للفنون في حي الغزالية سمتها (قاعة عبلة للفنون) أقامت فيها معرضها الشخصي الثامن. أما معرضها الشخصي الرابع عشر فقد أقامته في قاعة المركز الثقافي في باريس.
مفارقة!
والمفارقة أن وزارة الثقافة والسياحة والآثار في العراق كانت قد نعت الفنانة مؤكدة «إنّ العزاوي التي تعد أول خزافة عراقية، نهلت من تاريخ العراق وتراثه واستطاعت الحفاظ على روح المدینة العراقیة، ولم تتأثر بالتجارب العالمية، إذ كانت بحق وريثة الفن السومري وفنون العالم القدیم». وأضافت:« إنّ العزاوي خلال رحلتها مع الطين تركت للأجيال إرثاً كبيراً من الخزفيات، وفتحت لهذا الفن الجميل أبواب العالم.. »، ومع ذلك فقد تركت الفنانة في أواخر أيام  حياتها للمرض والإهمال والشيخوخة دون مساعدة بعد أن عاشت وحيدة طوال السنوات الماضية.