الذكورية استفحلت في الدراما السورية
وسام كنعان وسام كنعان

الذكورية استفحلت في الدراما السورية

عانس، أرملة، كيد النساء... مفردات تخيّم على المشهد الدرامي السوري في 2015، مختزلةً المرأة إلى جملة من الكليشيهات والصور النمطية السطحية التي تعزّز كل الظلم اللاحق أصلاً بها.

تستيقظ ورد (سلافة معمار) في مسلسل «قلم حمرة» (2014) ليم مشهدي وحاتم علي وهي تغرق بدمائها لتكتشف أنها الدورة الشهرية. تسأل نفسها كيف ستتصرف وهي مرمية وحيدة في عتمة زنزانة المعتقل قبل أن توافي ذاتها بسؤال آخر. ورغم ما يبدو عليه من سذاجة، إلا أنه يمثل محوراً جوهرياً في حياة أي أنثى تقول: «إذا ما إجتنا ما بيعجبنا، وإذا إجتنا ما بيعجبنا».

وسط هذه المعمعة، تعرف كم لبثت في السجن، مستثمرة إشارتها الفيزيولوجية الوحيدة التي مكنتها من معرفة الزمن. المشهد بدا من أكثر مشاهد الدراما السورية ذكاءً لتوغله في عالم المرأة بطريقة مباشرة وبجرأة موظفة وأسلوب موفق أنصف فيه بطلة العمل كمعادل موضوعي للمرأة السورية. وهذا ما لم تتوان عنه الكثير من المسلسلات مثل «أشواك ناعمة» لرانيا البيطار ورشا شربتجي و«جلسات نسائية» لأمل حنا والمثنى صبح، و«ليس سراباً» لفادي قوشجقي وصبح. لكنها تبقى نسبة لا تقارن بحجم الإساءة التي توجهها بعض المسلسلات السورية إلى النساء بقصد أو بدونه. يكفي مثلاً أن نستعرض أسماء عشرات الأعمال الشامية التي اختصرت المرأة بكليشيهات وعبارات مثل «أمرك ابن عمي» أو «طلعت عن شورو»، بمعنى أن المرأة خالفت أوامر الرجل أو «ما عنا حريم تطلع صواتها ع الشارع». مصطلحات سوّقت للسيدة الدمشقية على أنها مجرد سلعة لا تعرف سوى تنفيذ تعليمات الرجل، وتسهر على خدمته وراحته، وكل ما فيها عبارة عن عورة يمنع ظهورها على عكس التاريخ الذي يشهد على تحرر «عاصمة الأمويين» ومساهمة المرأة بقوة آنذاك في الحراك الثقافي والفكري والسياسي. المشكلة أن القصة لم تقتصر على الأعمال الشامية التي شوّهت كل ما يتعلّق بدمشق وليس فقط المرأة، بل تعدى ذلك إلى الأعمال الاجتماعية المعاصرة.

مثلاً، سبق أن شاهدنا أجزاء متلاحقة من «صبايا» تصوّر لنا المرأة عبارة عن «موديل» تغرق في «البوتوكس» وعمليات التجميل وتنكب طيلة وقتها على التسوق دون أن تعنيها هذه الحياة سوى القبض على شريك مناسب ينفق عليها. أما في «صرخة روح»، فجسدت لنا المرأة على أنها رمز للخيانة يسكنها هاجس الجنس طوال الوقت، وهو ما يعاد اجتراره في جزء جديد نتابعه في الموسم المقبل، إلى جانب العديد من المسلسلات السورية التي سنشاهدها في الموسم الرمضاني، لكنّ عناوينها تكفي فقط لاستدلال حجم الإهانة والصور النمطية والتسطيح والذكورية في مقاربة المرأة وعالمها. هكذا، سنشاهد في رمضان 2015 مسلسل «فارس وخمس عوانس» (تأليف أحمد سلامة، وإخراج فادي سليم). وفق شركة abc المنتجة، فالمسلسل «حكاية تسلط الضوء على صعوبات يعانيها الشباب في اختيار أزواجهم، جرّاء تدخل الأهل الدائم في قراراتهم وحياتهم الخاصة ضمن إطارٍ كوميدي، يحقق التسلية والمتعة للمشاهد» (الأخبار31/1/2015). تسمية تكتنف حطّاً من قدر المرأة في الثقافة الشعبية، ولو أنّ هذه الكلمة تستخدم للرجال والنساء على السواء، إلا أنّ المجتمع بات يلصقها بالمرأة دون الرجل، ممرراً فيها كل الحمولات السلبية تجاه المرأة. في السياق ذاته، لم تكتف شركة «قبنض» بمساهمتها في تشويه تاريخ دمشق من خلال أعمال لا تمت للشام بصلة مثل «زمن البرغوث1-2» و«طوق البنات» الذي سنشاهد منه جزءاً جديداً هذا الموسم وواحداً ثالثاً في الموسم المقبل. وسيضاف إلى «طوق البنات2» الذي يصدّر المرأة بصورة متخلفة، عنوانٌ فرعيٌ هو «كيد النساء» ليرسّخ الصورة النمطية المتخلفة عن المرأة كأن صناع العمل يسوقون مبررات واهية من خلال هذه القصص لشرعنة معاملة المرأة بالصورة البشعة التي يعاملها بها الرجل في مسلسلات مماثلة. في السياق ذاته، سربّت تصريحات عن «الآغا» بسام الملا أتحفنا فيها ببشرى سارة عن تحضيره لعمل جديد بعد انتهائه من الاشراف على الجزء السابع من «باب الحارة». سيحمل المسلسل عنواناً مبدئياً أبى أن يكون إلا خطوة جديدة في درب الإساءة إلى المرأة من خلال ما قدمه من دراما شامية، وهو «حارة الأرامل». كأن المرأة التي توفي زوجها صارت دون المستوى حتى تلاحقها هذه التسمية ثم يأتي صناع الدراما لتعميمها وتكرسيها. ولعلّ الحظّ ساعدنا كمشاهدين في تعرقل مشروع المخرج فيصل بني المرجة الذي كان سيحمل عنوان «مطلقات ولكن»! لو رأى هذا العمل النور، لكانت اكتملت حلقة التمييز ضد المرأة من خلال الدراما. وفي المجمل، يبدو أنّ المزاج الذكوري استحكم بعناوين بعض المسلسلات السورية التي سنشاهدها في رمضان.

 

المصدر: الأخبار