وهم الإسمنت: التطوير العقاري يختطف سورية من فقرائها مجدداً

وهم الإسمنت: التطوير العقاري يختطف سورية من فقرائها مجدداً

لم يكد ينقشع غبار السلطة السابقة تماماً حتى بدأت الكاميرات تلتقط مشاهد مغايرة: مستثمرون ومسؤولون بوجوه جديدة، وخرائط مضاءة بألوان المشاريع العقارية فوق أراضٍ لا يزال بعضها يحمل آثار التدمير والاحتراق. ففي غضون أشهر قليلة من سقوط السلطة السابقة، باتت مشاريع التطوير العقاري تحتل صدارة الملفات التي تُقدم بها سورية الجديدة للعالم: برج سكني هنا، ومنطقة حرة هناك، وحديث عن «مدن ذكية» في بلدٍ لا تزال مدنه وقراه تفتقر إلى أبسط البنى التحتية الضرورية. بطبيعة الحال، فإن هذه الصورة ليست مستغربة، فالعقار دائماً ما يكون أول من يطل برأسه حين تفتح أبواب الاستثمار، ذلك لأنه من القطاعات الاقتصادية الأسرع ربحاً. لكن هذه الصورة مقلقة للغاية حين تقرأ في ضوء ما تعانيه الغالبية العظمى من الشعب السوري من فقر متجذر وبطالة متنامية وإنتاج زراعي وصناعي مدمر، وملايين النازحين الذين يحتاجون إلى فرص عمل حقيقية، لا إلى شقق لا يملكون ثمن إيجارها حتى. والمسألة هنا ليست رفضاً للبناء والتعمير، بل هي سؤال جوهري عن التسلسل والأولويات: من يبني لمن، وعلى حساب من؟

ثمة فرق جوهري بين اقتصادين: اقتصاد ينمو لأن أغلب سكانه يعملون وينتجون ويستهلكون في دورة متكاملة، واقتصاد تتضخم فيه ثروات قلة من المتعاملين بالأصول الثابتة بينما تظل أسواق العمل الحقيقية راكدة. تقف سورية اليوم على مفترق هذين الطريقين. والتوجه نحو قطاع التطوير العقاري كقاطرة للاقتصاد الوطني ليس قراراً اقتصادياً بحتاً، بل هو قرار سياسي يحمل في طياته اختياراً طبقياً شديد الوضوح، لأنه يقدم مصالح رأس المال الخارجي والأثرياء القادرين على الشراء على حساب عموم السوريين الذين يحتاجون إلى مصانع توظف طاقاتهم وأراض يزرعونها.
تقدم دراسات الاقتصاد السياسي لما بعد الصراع دروساً قاسية ومتكررة مفادها أن البلدان التي جعلت من الاستثمار في التطوير العقاري قاطرتها الأولى انتهت عملياً إلى ثروات متمركزة في أيدي قلة قليلة، وإلى أغلبية ظلت تعاني التهميش، بل وباتت أكثر هشاشة مما كانت عليه سابقاً. مرة أخرى، نحن لا نعادي الاستثمار ولا نرفض إعادة الإعمار، لكننا نصر على طرح السؤال الذي يتحاشاه كثيرون: إعمار لمصلحة من؟


وهم القاطرة العقارية والإغراء السهل


حين يطرح سؤال كيف نحرك اقتصاد ما بعد الحرب؟، تبدو الإجابة العقارية سهلة ومغرية. فالعقار لا يحتاج إلى تقنية معقدة، ولا إلى عمالة ماهرة بالضرورة، ولا إلى تحول جذري وطويل الأمد في النموذج الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، فهو نشاط يمس قطاعات عديدة دفعة واحدة: الإسمنت والحديد والزجاج والكهرباء والتشطيب والنقل وغيرها. وفي ظل الحاجة الماسة إلى أرقام نمو تطمئن الرأي العام وتقنعه أن البلاد قد تحسنت فعلاً، يبدو العقار المخرج السحري. غير أن هذا الإغراء ينطوي على مخادعة منهجية ينبغي تشريحها بعناية. أولاً، حجم الثروة التي يولدها العقار لا يعني بالضرورة توزيعها. فقطاع البناء يميل بطبيعته إلى تمركز الأرباح في يد المطورين العقاريين والمستثمرين، في حين أن العمالة التي يستقطبها غالباً ما تكون عمالة غير رسمية مؤقتة وهشة وبأجور متدنية. ثانياً، يميل العقار في دول ما بعد النزاعات إلى استقطاب رأس المال من الخارج لتمويل مشاريع تستهدف شريحة ضيقة من الطلب مثل أثرياء الحرب، والمغتربين الراغبين في الاستثمار والمستثمرين الباحثون عن أرباح سريعة. وهذا الطلب محدود بطبيعته، وحين يُشبع، تنهار الفقاعة فعلياً.
هنا ينبغي التمييز بين الاقتصاد الحقيقي - الذي يشمل الزراعة والصناعة والخدمات المنتجة - وبين ما يُسمى بـ«اقتصاد الأصول» الذي يشمل العقارات والأسواق المالية والمضاربات. الفارق الجوهري هو أن الأول يخلق ثروة يصنعها العمل البشري عبر تحويل المواد الخام إلى سلع ذات قيمة، بينما الثاني - في جوهره - يعيد توزيع ثروة موجودة أو يضخمها ورقياً دون خلق قيمة مضافة حقيقية في كثير من الأحيان.
الاقتصاد الحقيقي في سورية مدمر بشكلٍ شبه كامل، وبدلاً من ضخ الاستثمارات لإعادة بناء هذه القاعدة الإنتاجية، يفضل أصحاب القرار الاقتصادي جذب الاستثمارات الأجنبية نحو مشاريع الترف العقاري سريعة الربح التي لا تنتشل السوريين من بؤسهم.
الخطير في هذا التوجه أنه يرسخ بنية اقتصادية هشة ريعية الطابع، تعتمد على تدفق الرساميل الخارجية لا على الإنتاج الداخلي. وحين تجف هذه الرساميل - على فرض اجتذابها أصلاً - يجد الاقتصاد نفسه أمام فراغ لا يمكن سده بسرعة، لأن القاعدة الصناعية والزراعية لم يجر بناؤها في غضون ذلك. وهذا بالضبط ما حدث في أكثر من تجربة معاصرة، وهو ما تحذر منه بشدة دراسات إعادة الإعمار الأكثر رصانة، التي تجمع على أن التعافي المستدام يمر حتماً عبر إعادة بناء القاعدة الإنتاجية أولاً.


التاريخ يعلمنا الكثير عن تجارب فشل النموذج العقاري


لا توجد تجربة أقرب إلى الذاكرة السورية ولا أشد تحذيراً من تجربة لبنان في مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب الأهلية الممتدة من 1975 إلى 1990. فحين وضعت الحرب أوزارها، كانت بيروت مدمرة بشكلٍ شبه كلي. والحل الذي اختارته نخبة رأس المال آنذاك كان نموذجاً عقارياً خالصاً، حيث أعيد بناء وسط بيروت عبر شركة «سوليدير» التي تحولت إلى نموذج فريد في قسوته في تاريخ إعادة الإعمار، حيث اشترت «سوليدير» الوسط التجاري بأسعار بخسة من أصحابه الأصليين وعبر طرق احتيالية عدة، ثم طورته بما يخدم أثرياء الحرب والسياحة الفارهة، في حين تم إهمال الاقتصاد المنتج كلياً.
والنتيجة معروفة اليوم، أنه حين انفجرت أزمة لبنان عام 2019 لم يكن لديه أي قاعدة صناعية أو زراعية تستطيع أن تمثل خط الدفاع الأخير. حيث كان اقتصاده خدماتياً بامتياز، يعتمد على القطاع المالي والسياحة والعقار، وحين انهارت هذه القطاعات الثلاثة دفعة واحدة، لم يجد البلد شيئاً يتكئ عليه. فانهارت الليرة اللبنانية بشكلٍ غير مسبوق، وتحول لبنان - الذي بُني ليكون «باريس الشرق» عقارياً - إلى دولة منكوبة فعلياً.

download_result

وتقدم التجربة الليبية مثالاً مغايراً بعض الشيء لكن بالنتيجة ذاتها. بعد سقوط القذافي عام 2011، كانت ليبيا تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تجعلها نظرياً في موقع مريح. غير أن ما حدث هو أن الأموال النفطية توجهت بصورة رئيسية نحو تمويل الاستيراد ومشاريع التطوير العقاري، في ظل غياب تام لأي استراتيجية لبناء اقتصاد منتج. وجد فقراء ليبيا - وهم كثر بالمناسبة رغم الثروة النفطية - أنفسهم أمام مشاريع عقارية لا تقدم لهم فرص عمل حقيقية، ولا تبنى من أجلهم أساساً، ولا تجيب عن سؤالهم الجوهري: كيف نطعم أنفسنا في غياب مصانع ومزارع ومؤسسات إنتاجية؟ واليوم، يعيش الليبيون أزمة اقتصادية حادة رغم كل تلك الثروات الوطنية، وذلك بعد أن حلت منظومة الريع محل الاقتصاد الحقيقي.
وكذلك الحال، في أعقاب انتهاء الصراع الطويل في كمبوديا في التسعينيات، تدفقت الاستثمارات الأجنبية بشكل لافت نحو التطوير العقاري والسياحة في مراكز المدن، بينما ظلت المناطق الريفية - حيث يعيش غالبية الكمبوديين - مهملة تماماً. وتحولت الفجوة التي خلقها هذا التوجه بين النمو الإجمالي المعلن والتنمية الحقيقية في حياة الملايين إلى مادة دسمة لدراسات عديدة حول إعادة الإعمار، حيث ارتفعت أسعار الأراضي بشكل صاروخي في العاصمة ومراكز المدن، مما أدى إلى عمليات تهجير قسري للسكان منها، لتحل محلهم مجمعات سكنية لا يستطيع الكمبوديون العاديون الاقتراب منها. وصاحب هذا التمركز العقاري انعدامُ في العدالة الاجتماعية أدى إلى موجات من الاحتجاجات الشعبية والوصول إلى عتبات أعلى من انعدام الاستقرار السياسي والأمني.
كما يقدم العراق ما بعد عام 2003 الدرس الأكثر قسوة وبلاغة في هذا السياق: بلد يسبح فوق ثروات نفطية هائلة، ومع ذلك أضاع ثلاثة عقود دون أن يستطيع بناء اقتصاد حقيقي. وما حدث عوضاً عن ذلك هو تضخم القطاع الريعي، وازدهار التطوير العقاري، في حين أن الصناعة العراقية التي كانت تحتضنها مدن كالموصل وبغداد وكركوك انهارت تدريجياً تحت ضغط الاستيراد المفتوح والإهمال السياسي. اليوم، يعيش فقراء العراق واقعاً بائساً لا يعكس بحال من الأحوال حجم الثروة الموجودة في البلاد.


الاقتصاد الحقيقي قاطرة للعدالة الاجتماعية والنمو المستدام


نملك في سورية أراضٍ زراعية من بين الأكثر خصوبةً في المنطقة، وتنوع مناخي يتيح زراعة محاصيل متنوعة، ومياه جوفية وأنهار تاريخية. هذه الثروة الزراعية التي تراجعت بشدة بسبب سنوات الجفاف والحرب والتهجير، هي ما ينبغي أن يكون محور استراتيجية الانطلاق الاقتصادي. فتوظيف الاستثمارات في تقنيات الري الحديثة وشبكات الصرف وتوريد المعدات الزراعية الحديثة وبناء مرافق التبريد والتخزين، يعني إعادة ملايين المهجرين إلى أراضيهم، وتوليد دخل لأسرٍ تعاني الفقر المدقع. وهنا يجدر التذكير أن الزراعة السورية كانت تشغل نحو 20% من قوى العمل وتساهم بنحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه أرقام يمكن استعادتها بل وتجاوزها بسياسات استثمار صحيحة.
كما تمتلك سورية نسيجاً صناعياً متنوعاً يشمل الغزل والنسيج والصناعات الغذائية وصناعة الإسمنت والبناء وصناعات الكيماويات والأدوية وغيرها الكثير، فضلاً عن الحرف اليدوية ذات القيمة التصديرية العالية. معظم هذا النسيج تضرر أو تعرض للتدمير. وإعادة بنائه اليوم تمثل حاجة ماسة لخلق فرص عمل لائقة لملايين الشباب السوري.

لإنجاز ذلك، لا بد على أصحاب القرار الاقتصادي أن يدركوا أن المسار الصحيح لا يرتبط برضا المستثمرين، بل بقدرة الاقتصاد على توفير الحياة الكريمة للمواطن السوري المنهك. وإذا كان لا بد من مشاريع بناء، فيجب أن تقودها الدولة لحل مشكلة السكن جذرياً، وإعادة بناء البنى التحتية الأساسية (مدارس، مستشفيات، شبكات مياه وكهرباء) كأدوات لدعم الإنتاج الحقيقي، وليس كفرص استثمارية لنهب جيوب السوريين. البناء على أوهام الإسمنت والمضاربات، هو تأسيس لانهيار قادم، وتنكر لتضحيات ملايين السوريين الذين حلموا بوطن يتسع للجميع، لا بوطن يباع لمن يدفع أكثر.

-------7--2026--_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1277