الجدال بين شركتي تكييف أشعل الصراع على الموارد...
بدأت القصة بأن شركتي «غري Gree» و«هايسنس Hisense» دخلتا في مواجهة مباشرة. إحداهما: رفعت شعار «نحاس حقيقي بمواد أصلية»، والأخرى: ردّت بصورة مضادة تحمل اتهاماً بـ«الازدواجية». في الظاهر، يبدو هذا جزءاً من جولة جديدة من الاشتباك التسويقي في سوق أجهزة التكييف حول سؤال بسيط: هل الأنابيب النحاسية أفضل أم الألمنيوم؟ تعامل المتابعون مع المشهد كأنه شجار تجاري اعتيادي في قطاع الأجهزة المنزلية. لكن إذا توقفت عند هذا الحد، فأنت تفوّت القصة الحقيقية.
بقلم: مراقبة العقل
ما يجري خلف هذا السجال هو إعادة تعريف لأحد أهم المعادن في العالم: «النحاس». لم يعد مجرد مادة داخل أنبوب في جهاز تكييف، بل يتحول تدريجياً إلى عنصر في لعبة القوة بين الدول، وإلى «نفط جديد» في عصر الذكاء الاصطناعي. أما الجدل داخل قطاع التكييف حول «استبدال النحاس بالألمنيوم»، فليس سوى جزء صغير من هذه الصورة الأكبر.
مورد استراتيجي
لنبدأ بالأرقام. في عام 2025، بلغ إنتاج الصين من النحاس المكرر 14.72 مليون طن، أي نحو 47 ٪ من الإنتاج العالمي. أما الاستهلاك، فبلغ تقريباً نصف الاستهلاك العالمي. يظهر النحاس في كل مكان: من الشبكات الكهربائية في المنازل الذكية، إلى البنية الأساسية لمحطات الطاقة الجديدة، إلى «أعصاب» السيارات الكهربائية، إلى مراكز الحوسبة.
بمعنى آخر، انتقل النحاس من كونه «معدناً صناعياً» إلى كونه مورداً استراتيجياً للتحول الطاقي والثورة الرقمية. لكن المفارقة أن الصين، رغم هذا الحجم، تعاني من نقص فيه. احتياطيات النحاس المؤكدة في الصين لا تتجاوز 5 ٪ من الإجمالي العالمي، وأكثر من80٪ من مركزات النحاس تعتمد على الاستيراد. جودة الخام أقل من المتوسط العالمي، ومعظم المناجم صغيرة ومتوسطة، ما يرفع التكلفة ويصعّب الاستخراج. في عام 2025، بلغت واردات النحاس الخام والمركزات 30.31 مليون طن، بزيادة 7.9 ٪.
تشير تقديرات المؤسسات المالية إلى أن النحاس يدخل تدريجياً ضمن منظومة الاحتياطي الاستراتيجي للدولة، في ظل اعتماد يتجاوز 75 % على الخارج. في المقابل، أدرجت أمريكا النحاس ضمن «المعادن الحرجة»، وأطلقت برنامجاً احتياطياً بقيمة 12 مليار دولار. هذا يعني أن التنافس على النحاس بدأ يتحول إلى مستوى استراتيجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
ضمن هذا السياق، لا يعود النقاش حول «استبدال النحاس بالألمنيوم» قرار شركة تبحث عن تقليل التكلفة، بل يصبح جزءاً من سياسة عامة. في آذار 2025، أصدرت عشر جهات حكومية خطة لتطوير صناعة الألمنيوم، ووضعت «استبدال النحاس بالألمنيوم في أجهزة التكييف» ضمن الاتجاهات الأساسية. كما تم إدخال المواد المركبة نحاس- ألمنيوم في شبكات الكهرباء.
بالتالي، عندما تقول «غري»: إن «المادة لا تكذب»، فهي محقة من زاوية الجودة. لكن مسألة الاعتماد العالي على الاستيراد، والمخاطر الجيوسياسية، وضعف الاكتفاء الذاتي، ليست مسائل يمكن لشركة واحدة حلها. إذا أصبح قطاع كامل معتمداً على مورد نادر، فإن ارتفاع الأسعار، أو انقطاع الإمداد، سيتحول إلى تكلفة يتحملها الجميع.
الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة
إذا كان النقص في النحاس مشكلة على مستوى الدولة، فإن الضغط الحقيقي يأتي من الطلب الصناعي الجديد. قد يمثل عام 2026 نقطة تحول: معدل نمو الطلب على النحاس المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يتجاوز لأول مرة قطاع السيارات الكهربائية.
السيارات الكهربائية تستهلك كمية من النحاس تعادل 3 إلى 5 أضعاف السيارات التقليدية. لكن مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت مستهلكاً جديداً ضخماً. كل ميغاواط من القدرة يحتاج بين 27 و33 طناً من النحاس. قد يستهلك مركز بيانات بقدرة 100 ميغاواط آلاف الأطنان. تشير تقديرات المؤسسات المالية إلى أن استهلاك مراكز البيانات للنحاس سيتضاعف خلال سنوات قليلة. وعلى المدى الأبعد، قد يصل الطلب العالمي إلى 42 مليون طن بحلول 2040.
في المقابل، العرض لا يواكب هذا النمو. جودة الخام العالمي انخفضت إلى النصف خلال عقدين. تكاليف الاستخراج ارتفعت بنحو 40 ٪. تطوير المناجم يحتاج إلى 7–10 سنوات، في حين أن الاكتشافات الجديدة تراجعت بشكل كبير. النتيجة: فجوة متزايدة بين العرض والطلب، وارتفاع مستمر في الأسعار.
في عام 2025، سجل النحاس أعلى متوسط سعر تاريخي. وفي 2026، وصل السعر إلى مستويات قياسية جديدة. التوقعات تشير إلى استمرار هذا الاتجاه. في هذا السياق، تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل: شركات السيارات الكهربائية والحوسبة، إلى السوق العالمي لشراء النحاس بكميات ضخمة. وهذا يعني أن شركات الأجهزة المنزلية لم تعد وحدها في السوق، بل أصبحت تنافس قطاعات أعلى قيمة، وأكثر قدرة على الدفع. بالتالي، كل ارتفاع في سعر النحاس ينعكس مباشرة على تكلفة المنتج. ومع استمرار هذا الاتجاه، تتحول المسألة من تكلفة قابلة للإدارة إلى خطر هيكلي على القطاع.
خياران صحيحان في اتجاهين مختلفين
الجدل هنا ليس بين «شركة جيدة» و«شركة سيئة». تدافع «غري» عن النحاس انطلاقاً من منطق الجودة والموثوقية. عمر النحاس أطول، وتقنيته أكثر استقراراً. من هذا المنطلق، ترفض المخاطرة بتجربة غير مؤكدة على حساب المستهلك. في المقابل، تمثّل «هايسنس» منطق التكيف مع
المستقبل. إذا أصبح النحاس مورداً نادراً ومكلفاً، فلا بد من إيجاد بدائل.
يستهلك قطاع التكييف أكثر من 10 ٪ من إجمالي النحاس في الصين. تقليل هذا الاستهلاك يحرر كميات كبيرة يمكن توجيهها لقطاعات استراتيجية، مثل: الطاقة والذكاء الاصطناعي. الفارق السعري بين النحاس والألمنيوم يصل إلى أربعة أضعاف. لكن المسألة ليست مجرد خفض تكلفة، بل تعتمد على تطوير تقنيات تعوض الفجوة في الأداء. المواد المركبة مثال على ذلك، إذ تجمع بين خصائص المعدنين. بالتالي، المسألة ليست «تقليل جودة»، بل «استبدال مورد بآخر عبر الابتكار». وهنا تظهر المفارقة: كلا الطرفين على حق.
من يدفع ثمن المستقبل؟
في النهاية، ما الذي تتنازع عليه «غري» و«هايسنس»؟ في الظاهر، هو نقاش حول «النحاس الحقيقي». في العمق، هو تعبير عن توتر داخل قطاع صناعي يواجه ضغطاً من ثلاثة اتجاهات: ندرة الموارد، والتحول التكنولوجي، وأزمة الثقة. «غري» تحمي نموذجاً قائماً على الجودة والاستقرار. «هايسنس» تدفع نحو نموذج يعتمد على التكيف والابتكار. لكن المسألة الأهم تبقى خارج هذا الصراع: كيف ستتمكن القطاعات الصناعية المختلفة من التكيف مع ندرة النحاس؟
من هنا، وعلى مستوى أوسع، المسألة تتجاوز السوق. النحاس أصبح مورداً استراتيجياً تتنافس عليه قطاعات متعددة. تقليل الاعتماد عليه في بعض الصناعات ليس مجرد قرار اقتصادي، بل جزء من إعادة توزيع الموارد.
لكن هذا التحول يفترض شرطين واضحين: تطوير تقني حقيقي، وشفافية كاملة للمستهلك. لا يوجد جواب واحد يناسب الجميع. لكن تبسيط القضية إلى صراع أخلاقي بين «جيد» و«سيئ» لا يعكس الواقع. أما السجال بين الشركتين فيمكن تركه للسوق.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274