«موازنة المواطن 2026»: هندسة الأرقامالمتفائلة في مواجهة بؤس السوريين

«موازنة المواطن 2026»: هندسة الأرقامالمتفائلة في مواجهة بؤس السوريين

نشرت وزارة المالية السورية، يوم الخميس الماضي 9 نيسان 2026، ما أسمته «موازنة المواطن» لعام 2026 (وهي وثيقة مالية تلخص وتشرح المعلومات الأساسية الخاصة بالموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026. أي أنها ليست الموازنة ذاتها، بل نسخة مختصرة موجهة للمواطنين، علماً أن الموازنة ذاتها لم يتم نشرها بعد). وبطبيعة الحال، بدت «موازنة المواطن» سريالية بالنظر إلى واقع الخراب البنيوي الذي أصاب الدولة والاقتصاد والمجتمع، حيث تروج هذه الموازنة لعام 2026 بوصفه «عام الانفراج الكبير». وبناءً عليه، ارتفعت الموازنة بنسب كبيرة، وتنبأت بنمو اقتصادي لا يبشر به الأداء الاقتصادي الحالي. ما يعني أننا بصدد موازنة لا تخاطب المواطن المسحوق في لقمة عيشه، بقدر ما تحاول تقديم صورة براقة عن الاقتصاد السوري خلافاً لما هو عليه فعلياً.

ترتكز الموازنة في فلسفتها على مبدأ «الانتقال من الإغاثة إلى التنمية»، وهو شعار جميل في ظاهره، لكنه ملغم بالتحديات في بلد لا يزال يعاني من تجزئة جغرافية وسياسية، وتدن كبير في مستوى الخدمات الأساسية. وتعتمد الحكومة في تقديراتها على سيناريوهات تفترض أن العوامل الخارجية والداخلية ستعمل بانسجام تام لمصلحة الخزينة العامة. فبينما تتحدث الموازنة عن نمو ناتج محلي إجمالي يصل إلى 10%، تتجاهل أن محركات النمو الفعلي المستدام - قطاعات الإنتاج الحقيقي بما فيها الزراعة والصناعة - لا تزال في أدنى مستوياتها.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن أرقام الموازنة بالأساس لا تتعدى كونها «إعلان نوايا» لا تعكس بالضرورة ما سيتم إنفاقه وجبايته خلال العام المقبل، فإن أكثر ما يعيب هذه الموازنة هو الغياب التام للعدالة التوزيعية، فالموازنة التي تحتفي بزيادة الإيرادات الضريبية لا توضح كيف ستحمي المستهلك النهائي من جشع السوق، ولا كيف ستحول هذه الأموال إلى شبكة أمان اجتماعي حقيقية. وعليه، فإن «الانضباط المالي» الذي تنشده الحكومة قد يتحول إلى سكين يقطع ما تبقى من حبال النجاة للفقراء، خاصة عندما تبنى التوقعات على أسس غير علمية تستدعي الماضي لترميم حاضر شديد الهشاشة.


فخ ما قبل 2010... والمراهنة على الوهم


تطرح موازنة 2026 فرضية مثيرة للجدل، حيث تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بأسعار ثابتة بنسبة تتراوح بين 8 و10%، مستندة في هذا التقدير إلى معدلات النمو التي كانت سائدة في سورية قبل عام 2010.
يمثل هذا الاستناد عملياً سقطة منهجية كبيرة، فمن غير العلمي ولا الواقعي قياس اقتصاد ما بعد الحرب باقتصاد ما قبلها. في عام 2010، كانت البنية التحتية لم تتعرض بعد إلى الدمار الكبير الذي تعرضت إليه لاحقاً، وكان الجهاز الإنتاجي يعمل بأضعاف مما يعمل اليوم، وكانت العقوبات في حدودها الدنيا بعد. أما اليوم، فنحن نتحدث عن اقتصاد فقد أكثر من ثلثي طاقته الإنتاجية (وفقاً لتقديرات الحكومة)، ونزيف حاد في العمالة. لهذا، فإن استدعاء نسب نمو ما قبل 2010 هو نوع من التلاعب الذي لا يصمد فعلياً أمام الواقع، لأن قاعدة الإنتاج الحالية ضئيلة جداً، وأي نمو رقمي لن يكون إلا نمواً افتراضياً لن يترجم إلى تحسن في مستوى معيشة الفقراء ما لم يكن هناك برنامج اقتصادي واضح يهدف إلى تحسين حياة السوريين فعلياً.

فوق ذلك، تبني الموازنة تفاؤلها المطلق على «تخفيف القيود والعقوبات»، وهو افتراض يفتقر إلى الواقعية. حيث أنه اتضح بالتجربة أن إعلان رفع العقوبات ليس قراراً ينعكس مباشرة على حياة السوريين، بل هو مسار معقد يواجه عقبات دولية وقانونية وإجرائية كبيرة غالباً ما يكون التخلص منها تماماً عملية بطيئة بشكلٍ كبير. وكذلك فإن حديث الموازنة عن «انتهاء التجزئة» في سورية يتجاهل الواقع على الأرض حيث أن انتهاء التجزئة في سورية لا يقتصر على بعض الاتفاقات الثنائية هنا وهناك، رغم أهميتها، بل يرتبط بالأساس في إنجاز عملية توحيد السوريين كمدخل لاستعادة السوق السورية الواحدة. أما الأمر المثير للصدمة، فهو مراهنة الحكومة على عودة مليون سوري من الخارج خلال عام 2026 لزيادة الاستهلاك والاستثمار. حيث يتجاهل هذا الافتراض أن العودة تتطلب بيئة مستقرة وبنية تحتية (سكن، ومدارس، ومستشفيات... إلخ) وهي مرافق تعترف الموازنة ذاتها بأنها تحت ضغط شديد. فكيف يمكن لمليون شخص أن يعودوا ليحركوا عجلة الاقتصاد والوضع الاقتصادي شديد الهشاشة؟ وعليه، فإن المراهنة على زيادة الطلب عبر عودة المزيد من السوريين هي مراهنة على سراب، لأن البيئة الاستثمارية لن تجذب لا العائدين ولا المستثمرين الأجانب في ظل عدم استقرار أمني واجتماعي واضح للعيان.


جباية من جيوب الجياع وارتهان للهيدروكربونات


عند النظر في جانب الإيرادات المقدرة بـ8.7 مليار دولار، نجد أن 50% منها ستأتي من الضرائب والرسوم والجمارك. من منظور العدالة الاجتماعية، تعدُّ الضريبة أداة للعدالة، لكن في السياق السوري الحالي، ومع غياب نظام ضريبي تصاعدي حقيقي وفعال، فإن هذه الجباية ستتحول إلى عبء إضافي على كاهل الفقراء، حيث أن الاعتماد الكبير على الضرائب غير المباشرة يعني أن المستهلك الفقير يدفع النسبة الأكبر من دخله الضئيل كضريبة عند شراء أبسط السلع، بينما يفلت كبار التجار وأصحاب الأرباح الضخمة عبر ثغرات النظام الضريبي أو عبر الامتيازات الممنوحة تحت مسمى «تحفيز الاستثمار». وهذا الانحياز لرأس المال على حساب المستهلك النهائي هو عيب بنيوي يجعل الموازنة أداة لإفقار المفقرين بدلاً من دعمهم.
من جهة أخرى، يبرز التناقض في اعتماد الموازنة بنسبة 28% على إيرادات النفط والغاز. ويمثل هذا التوجه عودة صريحة للاقتصاد الريعي والارتهان المفرط لقطاع الهيدروكربونات، وهو قطاع شديد الحساسية للتقلبات السعرية العالمية وللوضع الأمني الميداني. وبدلاً من تنويع القاعدة الإنتاجية ودعم الزراعة والصناعة التي تخدم الفقراء، تعود الدولة للاعتماد على إنتاج النفط والغاز كحل سهل لتمويل نفقاتها. وعند مقارنة توزيع هذه النفقات، تتحدث الأرقام بصراحة: حيث أن 60% منها هي نفقات جارية (نفقات الإدارة بشكلٍ أساسي، ورواتب وأجور بالكاد تسد الرمق)، و27% للنفقات استثمارية، بينما خصص 13% فقط منها للدعم والضمان الاجتماعي (نحو 1.3 مليار دولار) وهو بند فضفاض لم تحدد الحكومة بدقة كيف ستصرفه وما هي آليات الدعم بالضبط.

pexels-khaled-10350378-large_result


لغز الناتج المحلي وفاتورة العجز المجهولة


تزعم الحكومة أن الناتج المحلي الإجمالي سيصل إلى نحو 33.7 مليار دولار، وهو رقم يثير الكثير من التساؤلات العلمية حول طريقة تقديره. حيث لا تصرح الموازنة عن المنهجية المتبعة في هذا التقدير، ولا تفصح عن تفاصيل المساهمات القطاعية الحقيقية في ظل تعطل سلاسل التوريد والإنتاج. ويفتح هذا الغموض الباب للتشكيك في دقة الأرقام، فالمبالغة في تقدير الناتج المحلي تهدف بالدرجة الأولى إلى إظهار نسبة العجز (5.3%) بمظهر «المقبول». ولكن، حتى مع هذا العجز المقدر بنحو 1.7 مليار دولار، يبقى السؤال الجوهري الذي يتهرب الجميع من إجابته: من سيدفع الفاتورة؟

تصر الحكومة في خطابها على أنها لن تلجأ للتمويل بالعجز (أي طبع العملة) لتجنب التضخم. إذاً، كيف ستسدد 1.7 مليار دولار؟ هل ستكون عبر مزيد من الجباية الضريبية من الفقراء؟ أم عبر تقليص إضافي في الدعم الاجتماعي في منتصف السنة المالية؟ أم عبر الاقتراض الذي سيحمل الأجيال القادمة أعباءً لا قبل لهم بها؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن فاتورة العجز في سورية دائماً ما يدفعها المواطن الفقير، إما عبر رفع أسعار الخدمات الأساسية (الكهرباء، والماء، والخبز) أو عبر تآكل القوة الشرائية لليرة.
وكذلك لا بد من التوقف عند ما ذكرته موازنة المواطن ذاتها، حين أقرت بأن هذه التوقعات «تواجه درجة من عدم اليقين»، واصفة افتراضاتها بأنها «متحفظة بشكل معتدل». لعل هذا هو الاعتراف الوحيد الصادق في الوثيقة، فعدم اليقين هو الحقيقة الوحيدة التي يعيشها السوريون اليوم، وما سوى ذلك من أرقام ومعدلات نمو ليس سوى محاولة لبيع الوهم لفقراء لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى قيود بؤسهم. وعليه، فإن الموازنة التي لا تضع مكافحة الجوع والفقر كأولوية مطلقة تتجاوز باقي الأولويات، هي موازنة قد تنجح حسابياً وافتراضياً، لكنها ستسقط حتماً في اختبار العدالة الاجتماعية.
غير أن المعضلة الأعمق في هذه الموازنة لا تكمن فقط في تفاؤلها المفرط أو في افتراضاتها الاقتصادية غير المتماسكة، بل في التصور الكامن خلفها لدور الدولة نفسه. فالموازنة، كما تقدم هنا، تبدو وكأنها تنظر إلى الدولة بوصفها جهازاً مالياً يسعى إلى تعظيم الإيرادات وضبط العجز، أكثر مما تنظر إليها كسلطة عامة مسؤولة عن حماية المجتمع من الانهيار المعيشي. وهذه ليست ملاحظة نظرية، بل جوهر الخلل في أي سياسة مالية تطبق في بلد خرجت فيه الغالبية العظمى من السكان من دائرة الأمان الاقتصادي، وصار فيها الفقر حالة كاسحة.

لهذا، فإن السؤال الحاسم ليس فقط كم ستجبي الدولة؟ بل من سيدفع هذه الجباية، ولصالح من؟ ففي اقتصاد هش، حيث تتآكل الأجور الحقيقية وتغيب الشفافية في إدارة الاقتصاد الوطني، تتحول الضرائب غير المباشرة والرسوم الإدارية وارتفاع كلفة الخدمات إلى أدوات غير معلنة لإعادة توزيع العبء نحو الأسفل. أي إن المواطن الفقير، الذي لا يملك قدرة على التهرب الضريبي ولا هامشاً للادخار أو المناورة، هو الذي يتحمل في النهاية الكلفة الأكبر، بينما تبقى الفئات الأكثر قدرة أقدر على حماية نفسها من أثر الموازنة عبر الامتيازات، والقدرة على نقل العبء، والتموضع في قطاعات أقل تعرضاً للخسارة.
ومن هنا، فإن العيب الأساسي في هذه الوثيقة ليس فقط أنها تبالغ في تقدير النمو أو في رهاناتها الخارجية، بل أنها لا تنجح في تقديم تصور اجتماعي مقنع لكيفية حماية الاستهلاك الضروري، ولا لكيفية صون القدرة الشرائية، ولا لكيفية تحويل أي زيادة في الإيرادات إلى منفعة عامة ملموسة. فالموازنة التي لا تضع الخبز والدواء والنقل والتعليم والطاقة المنزلية في صلب أولوياتها، هي موازنة قد تبدو متماسكة في لغة الأرقام، لكنها تظل منفصمة عن الواقع الاجتماعي الذي يفترض أنها تنظمه.
وعليه، فإن الحكم النهائي على موازنة المواطن 2026 لا ينبغي أن يبنى على حجمها أو على نسب النمو التي تعد بها، بل على ما إذا كانت ستقلص الفقر فعلاً أم ستعيد إنتاجه بلغة أكثر أناقة. وحتى الآن، لا تشير مؤشرات الوثيقة إلى أنها تميل بوضوح إلى الخيار الأول، بل إلى العكس: إلى إدارة الأزمة بأدوات مالية تسعى إلى حفظ التوازن في الخزينة، ولو كان ذلك على حساب التوازن في حياة الناس.

12f2ede080b61bf3ec762a64d2e419f3_xl_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273