العالم يتجه نحو «القرن الأفريقي الآسيوي»

العالم يتجه نحو «القرن الأفريقي الآسيوي»

في الآونة الأخيرة، واصل رئيس أمريكا «إشعال الألعاب النارية» وإثارة المتاعب في أماكن مختلفة من العالم. لكن ما نحتاج إليه هو أن نتعمق في فهم ما التغيّر البنيوي الذي يجري في الخلفية فعلاً. وفي رأيي، فإن مختلف التحولات التي ظهرت خلال هذه الأسابيع تعكس في حقيقتها انعطافاً أطول مدى وأعمق أثراً في اتجاهات العصر. والغاية من فهم هذه الاتجاهات ليست الحكم على المسارات الإخبارية قصيرة الأجل، بل استيعاب الاتجاه العام الذي سيسلكه تطور العالم خلال العقود المقبلة.

جيفري ساكس


لمحة تاريخية


كان القرن التاسع عشر هو القرن الحاسم في إعادة تشكيل توازن القوى العالمي بصورة جذرية. ورغم أن جذور هذا التحول يمكن إرجاعها إلى فترة أقدم، فإن أوروبا هي التي بدأت في القرن التاسع عشر بفرض هيمنتها على آسيا بأكملها. ومع نهاية ذلك القرن، كانت القارتان الآسيوية والأفريقية، في معظم مناطقهما تقريباً، خاضعتين بأشكال مختلفة لسيطرة الإمبريالية الأوروبية.
ويرتبط هذا التحول الجذري في بنية القوة العالمية في أساسه بعملية التصنيع الأوروبية. فقد بدأت الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، وظهرت آنذاك ثورة ميكانيكية في مجالات متعددة، وكان الاختراق الجوهري فيها هو استخدام المحرك البخاري. وبفضل أسبقية التصنيع، حققت بريطانيا في القرن التاسع عشر أول قفزة كبرى في الإنتاجية، ثم لحقت بها بقية الدول الأوروبية، وفي القرن العشرين أكملت أمريكا هذه القفزة بدورها. ومنذ ذلك الحين، أخذت هذه الدول تسيطر على العالم، إما عبر الاستعمار المباشر، أو عبر التحكم غير المباشر، حتى كادت تمسك بالعالم كله.
وقدّر المؤرخ الاقتصادي الكلي الهولندي أنغوس ماديسون، باستخدام معيار تعادل القوة الشرائية، حصة المناطق المختلفة من الناتج العالمي. ووفقاً لتقديراته، كانت آسيا في عام 1820 تنتج نحو 60 % من الناتج العالمي، وكان سكانها يشكلون أيضاً نحو 60 % من سكان العالم. وهذا يعني أن الفروق في متوسط الدخل بين مناطق العالم آنذاك لم تكن كبيرة، وأن حصة السكان كانت متقاربة على نحو أساسي مع حصة الإنتاج الاقتصادي. في ذلك الوقت، كانت الصين والهند أكبر اقتصادين في العالم، وكان حجمهما الاقتصادي يفوق أوروبا بكثير، بينما كانت أمريكا لا تزال في مرحلة البدايات.

لكن بين عامي 1820 و1950 تراجعت حصة آسيا من الناتج العالمي بصورة حادة، وهي المرحلة التي تسميها الصين «قرن الإذلال». وخلال أكثر من مئة عام، ترسخت الهيمنة الغربية على العالم بصورة شاملة. تحولت الهند إلى مستعمرة بريطانية، أما الصين فبعد حربَي الأفيون أصبحت تدريجياً خاضعة لسيطرة القوى الغربية وهيمنتها، ومرت أيضاً بحرب تايبينغ الأهلية، التي تسببت في سقوط عشرات الملايين من الضحايا.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، واجهت الصين أيضاً الصدمة العسكرية والاقتصادية القادمة من اليابان، التي كانت الدولة الصناعية الوحيدة في شرق آسيا آنذاك. وخلال هذه المرحلة مرت الصين بعدة ثورات، وصراعات أمراء الحرب، وحرب الغزو الياباني الشاملة، ثم الحرب الأهلية بين القوميين والشيوعيين. وعندما استقلت الهند عام 1947، وأُعلنت جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كانت آسيا كلها قد غرقت في فقر شديد، كما انخفضت حصتها من الناتج الاقتصادي العالمي من 60 % تقريباً إلى نحو 18 % فقط.
في رأيي، كانت إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ العالم هي تلك التي ظهرت قرابة عام 1950، حين بدأت حصة آسيا من الناتج العالمي بالارتفاع السريع من جديد. وأنا أعزو هذا التغير أساساً إلى أن آسيا، ولا سيما الصين والهند، تخلصتا من السيطرة الاستعمارية الإمبريالية، وحققتا الاستقلال السياسي. وبالطبع، فإن دولاً ومناطق أخرى في آسيا مرت أيضاً بتحولات مماثلة في الاستقلال الوطني. فقد تحررت كوريا بعد الحرب العالمية الثانية من الاستعمار الياباني، أما منطقة الهند الصينية فخاضت كفاحاً استمر نحو 25 عاماً قبل أن تتخلص تباعاً من الاستعمار الفرنسي ثم الأمريكي.

وخلاصتي هنا واضحة جداً: في ظل الاستعمار الإمبريالي، لا يستطيع أي بلد أن يتطور. لا تصبح التنمية ممكنة فعلاً إلا بعد تحقيق الاستقلال الوطني. ولهذا كانت عملية إنهاء الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية شديدة الأهمية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت أمريكا إمبراطورية بالفعل، لكنها تختلف في طبيعتها اختلافاً جوهرياً عن الإمبراطوريات التقليدية. ولهذا السبب تحديداً افتقر نموذجها التنموي إلى الابتكار الحقيقي وإلى الاستدامة، وسأتحدث عن هذه النقطة بالتفصيل بعد قليل.
ولو نظرنا إلى الخط الذي يمثل أمريكا في الرسم البياني، لوجدنا أن حصتها من الاقتصاد العالمي كانت تقارب الصفر في عام 1820. وبين عام 1850 ونهاية الحرب العالمية الثانية، بقيت أوروبا الغربية هي القوة المهيمنة في العالم. لكن بحلول عام 1950 تقريباً، صار حجم الاقتصاد الأمريكي يفوق كامل اقتصاد أوروبا الغربية. فقدت أوروبا الهيمنة العالمية إلى حدٍّ كبير بسبب استنزافها الذاتي في الحربين العالميتين. فمن 1914 إلى 1918، ومن 1939 إلى 1945، خاضت أوروبا في جوهر الأمر حربين أهليتين واسعتين. منذ ذلك الحين، شكّلت أمريكا وأوروبا معاً كتلتين اقتصاديتين شديدتي الثراء، إلا أن كلتيهما كانتا، على المستوى العام، داخل نظام جيوسياسي عالمي تقوده أمريكا. ولهذا بلغت القوة الشاملة الأمريكية، ذروتها في منتصف القرن العشرين.
غير أن تعافي الاقتصاد الآسيوي، واستمرار نموه منذ ذلك الحين أصبح القوة الأساسية التي دفعت تحولات الجغرافيا السياسية العالمية. كما أن مركز الثقل الاقتصادي العالمي، بدأ يعود مجدداً إلى حالة تتوافق مع التوزع السكاني العالمي. واليوم يعيش نحو 60 % من سكان العالم في آسيا، كما أن أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي بات يُنتج فيها مرة أخرى.


منطقة مفعمة بالحيوية


قبل 28 عاماً، في ربيع عام 1997، تعاونتُ مع البنك الآسيوي للتنمية في إصدار كتاب يتبنى نظرة متفائلة جداً بشأن آفاق تطور آسيا. لكن هذا الكتاب لم يعرفه كثيرون، والمفارقة الساخرة أن الأزمة المالية الآسيوية اندلعت بعد أسابيع قليلة فقط من صدوره. لذلك خمنت أن هذا الكتاب ربما سبّب بعض الحرج للبنك الآسيوي للتنمية، لأنه كان يتنبأ بمستقبل آسيوي ديناميكي ومشرق، ثم ما لبثت أن انفجرت تلك الأزمة الضخمة بعد أسابيع قليلة.
وبعد اندلاع الأزمة، انعطفت السردية الغربية السائدة سريعاً، واعتبرت أن هذه الأزمة تكفي لإثبات أن النمو الاقتصادي الآسيوي لم يكن سوى ظاهرة عابرة، وأن ما يسمى «المعجزة الآسيوية» ليس إلا أسطورة زائفة. وفي ذلك الوقت ذهب عدد من الاقتصاديين الغربيين إلى القول: إن آسيا ستسير على خطى الاتحاد السوفييتي، فتنهار بعد فترة من النمو السريع. حتى بول كروغمان قال يوماً: إن الاقتصاد الآسيوي سيصبح بحلول عام 2010 شبيهاً بحال الاتحاد السوفييتي قبل انهياره. وكان هذا النوع من الأحكام شائعاً جداً في حينه، لكنني كنت دائماً أرى أنه استنتاج خاطئ تماماً.

توقعتُ في ذلك الكتاب أن ترتفع حصة آسيا من الناتج العالمي بمقدار 20 نقطة مئوية بين 1995 و2025. وكنت قد اعتمدت آنذاك على قاعدة بيانات ماديسون، التي كانت بياناتها تتوقف عند عام 2008. ولكي أتحقق من دقة توقعي، رجعت إلى بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة باحتساب تعادل القوة الشرائية. ووفقاً لبيانات الصندوق، رغم وجود اختلاف طفيف في الأساس الإحصائي، فإن حصة آسيا من الناتج العالمي ارتفعت فعلاً بمقدار 20 نقطة مئوية بين 1995 و2025.
استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي، ارتفعت حصة آسيا من الناتج الاقتصادي العالمي من نحو 30% عام 1995 إلى 50% عام 2025. وهذا يعني أن تقديرنا آنذاك كان دقيقاً حتى على مستوى الكسور. والمهم، ليس هذا الرقم في حد ذاته فقط، بل إن ما يكشفه هو أن آسيا كانت قبل 30 عاماً منطقة مفعمة بالحيوية، وكانت بالفعل في حالة نمو اقتصادي سريع.
هناك عوامل كامنة كثيرة وراء ذلك. فمن منظور المنطق الاقتصادي الأساسي، فإن الفجوة الاقتصادية بين آسيا والدول المتقدمة ستستمر في التضاؤل، كما أن مستويات التنمية الاقتصادية ستتجه تدريجياً نحو التقارب. وهذا يعني أن سرعة نمو آسيا ستكون أعلى من سرعة نمو الدول الغربية، وأن الفجوة بينها وبين أمريكا وأوروبا ستستمر في الانكماش، وأن الفارق في الحصة داخل الاقتصاد العالمي سيضيق أيضاً، ولهذا سترتفع حصة آسيا طبيعياً في الاقتصاد العالمي. والواقع أثبت أن الأمور تسير بالفعل في هذا الاتجاه.
تُظهر بيانات تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي، أن حصة آسيا من الاقتصاد العالمي ارتفعت من نحو 30 % في أوائل تسعينيات القرن العشرين إلى نحو 50 % عام 2025. وفي الوقت نفسه، تراجعت حصة أوروبا وأمريكا الشمالية، بما في ذلك أمريكا وكندا، من الاقتصاد العالمي.

وباحتساب تعادل القوة الشرائية، تجاوزت الصين أمريكا تقريباً في حدود عام 2018 لتصبح أكبر اقتصاد في العالم، وحالياً يزيد حجم الاقتصاد الصيني على الاقتصاد الأمريكي بنحو 30 % وفق هذا المعيار. أما إذا احتُسب بالأسعار الاسمية للدولار، فإن الاقتصاد الصيني يعادل تقريباً ثلثي الاقتصاد الأمريكي. وأنا أرى أن معيار تعادل القوة الشرائية أكثر معقولية في معظم المقارنات الاقتصادية، ولهذا أرى أن الصين أصبحت اقتصاداً يتجاوز أمريكا بوضوح من حيث الحجم.
وفي رأيي، فقد أصبح مستوى التطور الصيني في معظم المجالات الصناعية معادلاً للمستوى الأمريكي، بل متقدماً عليه في عدد غير قليل من القطاعات. وبالطبع ليس الأمر كذلك في كل المجالات. لكن القول: إن «أمريكا ما تزال متقدمة تقنياً على الصين بصورة شاملة» لم يعد صحيحاً منذ زمن في أغلب القطاعات.
أما على مستوى المعيشة الفعلي، فما يزال نصيب الفرد في الصين أدنى من أمريكا، وذلك يعود إلى أسباب متعددة. لكن من حيث القدرة الإنتاجية، ولا سيما القدرة الصناعية، فإن الصين ليست متأخرة عن أمريكا. ومن هذه الزاوية، فإن الاتجاه الذي توقعتُه قبل 30 عاماً أصبح اليوم واقعاً.

--_result

هذا ليس في مصلحة الصين وحدها، بل له دلالة إيجابية بالنسبة إلى أمريكا وسائر مناطق العالم أيضاً. فهو يبيّن أن مكاسب التقدم التكنولوجي قابلة للمشاركة. لو كان لدى أمريكا نظام سياسي قادر على إعادة توزيع المنافع بصورة فعّالة، بحيث تُنقل مكاسب «الرابحين» إلى «الخاسرين» بصورة عادلة، لكان بمقدور كل فرد في المجتمع أن يحقق وضعاً أفضل. لكن الواقع أن النظام السياسي الأمريكي لم يفعل ذلك، لأن أمريكا تتبع دائماً منطق «الفائز» يأخذ كل شيء، وغالباً لا يحصل «الخاسرون» على أي تعويض. وهذا ما صنع كثيراً من مشكلات أمريكا. لكنه ليس مشكلة الصين، بل مشكلة السياسة الداخلية الأمريكية نفسها.
في الواقع، لا تمثل أمريكا سوى نحو 14 % من الاقتصاد العالمي، ونحو 12 % من التجارة العالمية. وأنا لا أرى أن أمريكا تمتلك سيطرة مطلقة «خانقة» في أي مجال تكنولوجي أساسي، سواء في أشباه الموصلات، أو الذكاء الاصطناعي، أو التكنولوجيا الحيوية، أو غيرها من المجالات. نعم، تملك أمريكا كثيراً من التقنيات المتقدمة، لكنها لا تحتكر هذه التقنيات.


معدل الخصوبة كمعيار


أبرز اتجاهين سكانيين في العالم اليوم، هما في الحقيقة اتجاهات تطور السكان في أفريقيا وآسيا، ولا سيما في الصين. فسكان أفريقيا سيرتفع عددهم بصورة كبيرة خلال الـ75 سنة المقبلة. ورغم أنني أعتقد أن معدلات الخصوبة في أفريقيا ستنخفض سريعاً في المستقبل، فإنها ما تزال مرتفعة حالياً. ومع وجود بنية عمرية شابة ومعدلات خصوبة مرتفعة، فإن هذا يعني أن سكان أفريقيا سيزدادون زيادة كبيرة خلال العقود المقبلة. وسيكون لهذا الاتجاه أثر عميق في الاقتصاد العالمي، وفي الجغرافيا السياسية العالمية.
في المقابل، فإن معدل الخصوبة في الصين منخفض جداً. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن معدل المواليد سينخفض بشدة، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع كبير في عدد سكان الصين. ورغم أن الحكومة الصينية تتخذ حالياً إجراءات متعددة لرفع معدلات المواليد والخصوبة، فإن قدرة الحكومات على رفع الخصوبة محدودة جداً في الحقيقة. يمكن للحكومات أن توجه السياسات، لكن لا توجد حتى الآن أي دولة في العالم نجحت عبر السياسات وحدها في تحقيق ارتفاع كبير وفعّال في الخصوبة.
في المجتمع الحضري الحديث، تبقى كلفة تربية الأطفال مرتفعة جداً، ولهذا تكون معدلات الخصوبة عادة أدنى من مستوى الإحلال السكاني. ويبلغ معدل الخصوبة الكلي في الصين حالياً نحو 1.4، وربما أقل من ذلك، وهو غير كافٍ لضمان الإحلال بين الأجيال. ومن الناحية الإحصائية، فهذا يعني أن حجم كل جيل سيتراجع بنحو 30 %. وتبلغ الدورة الجيلية للسكان نحو 30 عاماً، ما يعني أن عدد سكان الصين قد ينخفض بنحو 30 % كل 30 إلى 40 عاماً.

إذا أجرينا استنتاجاً ميكانيكياً على هذا الأساس، وأؤكد هنا: أن هذا ليس توقعاً رسمياً، بل مجرد استقراء للبيانات، فإن النتيجة ستكون صادمة. فبحسب السيناريو الوسيط الحالي الصادر عن شعبة السكان في الأمم المتحدة، قد يصبح عدد سكان الصين في عام 2100 نحو 640 مليون نسمة فقط، بدلاً من 1.4 مليار اليوم. وبالطبع، لا ينبغي اعتبار ذلك نتيجة حتمية، بل مجرد استنتاج وسيط مبني على معدل الخصوبة المنخفض جداً في الوقت الراهن.
في المقابل، يبلغ معدل الخصوبة في أفريقيا نحو 4. وهذا يعني أن كل امرأة تنجب في المتوسط أربعة أطفال، منهم ابنتان تقريباً. وبعبارة أخرى، فإن عدد النساء في كل جيل أفريقي سيتضاعف. ونظراً إلى أن سن الزواج والإنجاب في أفريقيا أقل عادة مما هو عليه في الصين، فإن الدورة الجيلية هناك أقصر أيضاً، وتبلغ نحو 28 عاماً. وإذا انطلقنا من هذا الأساس، فإن عدد سكان أفريقيا سيرتفع من 1.4 مليار تقريباً اليوم، وهو رقم قريب من عدد سكان الصين الحالي، إلى نحو 3.7 مليارات مع نهاية هذا القرن.
وهذا يعني أنه بحلول عام 2100، ووفقاً للتقدير الوسيط للأمم المتحدة، سيصبح عدد سكان أفريقيا أكبر بست مرات من عدد سكان الصين. وأنا لا أتعامل مع هذا باعتباره توقعاً دقيقاً بالمعنى الصارم، لكن ما يمكن قوله بوضوح، هو أن هذا الاتجاه يمثل المسار الغالب في التحولات السكانية العالمية.

إذا نظرنا إلى هذا الاتجاه من خلال بيانات الأمم المتحدة وحدها، فإن آسيا تمثل حالياً نحو 60 % من سكان العالم، لكن هذه الحصة ستنخفض إلى أقل من 50 % بحلول عام 2100. وفي المقابل، سترتفع حصة إفريقيا من السكان من 18 % حالياً إلى نحو 37 %. والأهم من ذلك، أن القارتين الآسيوية والأفريقية معاً ستشكلان أكثر من 80 % من سكان العالم بحلول عام 2100، أي نحو 82 %. وهذا يعني أن البنية السكانية العالمية ستكتسب سمة «آسيوية-أفريقية» شديدة الوضوح.
وعند ذلك قد لا تمثل أمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، سوى نحو 5 % لكل منها من سكان العالم. أي إن الجزء الذي كان يهيمن على العالم في السابق لن يمثل بحلول نهاية هذا القرن سوى عُشر سكان العالم. وسيكون هذا تحولاً شديد الدلالة على روح العصر. وبالطبع، فإن الهجرات الواسعة وأنماط الاستيطان المختلفة تماماً قد تجلب معها تغيرات ضخمة للعالم أيضاً. لكن لا شك في أن ذلك سيكون تحولاً عظيماً في بنية العالم.
أعتقد أن الاقتصاد العالمي اليوم ما يزال يتجه نحو مزيد من التقارب في التطور. وأكبر خطر يواجه العالم اليوم هو أن تؤدي اضطرابات الأوضاع الإقليمية إلى صدام بين القوى الكبرى. وفي العصر النووي، تكون قدرة هذا الصدام على التدمير كارثية. إن أكبر خطر يواجه البشرية لم يكن يوماً نقص الموارد، بل الحروب التي يصنعها الغباء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273