حتى بعد الزيادة: يجب أن ترتفع الأجور500% لتغطي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة!

حتى بعد الزيادة: يجب أن ترتفع الأجور500% لتغطي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة!

في 20 آذار 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 67 القاضي برفع الأجور والرواتب بنسبة 50%، في خطوة جرى ترويجها رسمياً على أنها جزء من مسار إصلاحي يستهدف تحسين القدرة الشرائية للمواطنين السوريين. كما رفع المرسوم الحد الأدنى الرسمي للأجور من 750 ألف ليرة سورية إلى 1,256,000 ليرة (أي ما يعادل نحو 114 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي). ظاهرياً، يبدو القرار استجابة مباشرة للضغوط المعيشية المتزايدة، ومحاولة لإعادة التوازن بين الأجور والأسعار بعد سنوات من التدهور المستمر في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنسبة الزيادة بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة السوريين. حيث إن تجربة السوريين المرة مع السياسات الاقتصادية خلال العقود الماضية تظهر أن زيادات الأجور غالباً ما كانت شكلية، سرعان ما تلتهمها موجات التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي، فإن تقييم هذه الزيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، ولا عن المؤشرات الواقعية لتكاليف المعيشة. حيث إن الأجر في الجوهر هو ضمانة العيش الكريم، وإذا فقد هذه الوظيفة، يصبح مجرد قيمة اسمية لا تعكس أي تحسن حقيقي في مستوى المعيشة.

رغم ترحيب السوريين نسبياً بأي زيادة في الدخل، إلا أن التجربة السابقة تدفع إلى مقاربة أكثر حذراً. فرفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 114 دولاراً شهرياً يطرح تساؤلات عميقة حول مدى كفايته لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة، وارتفاعات حادة في أسعار الغذاء والطاقة والخدمات. لهذا، فإن تصوير هذه الزيادة كحل فعلي للأزمة المعيشية يتجاهل الفجوة الهائلة بين الدخل وتكاليف الحياة، وهي فجوة لم تعد قابلة للردم عبر إجراءات جزئية أو ترقيعية.
تشير الأرقام المتوفرة إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة يتجاوز بأضعاف الحد الأدنى للأجور، ما يعني أن العامل السوري، حتى بعد الزيادة، لا يزال عاجزاً عن تأمين أساسيات الحياة. تفرض هذه الحقيقة إعادة طرح السؤال الضروري: هل الهدف من سياسات الأجور هو مجرد مراضاة الناس مؤقتاً، أم بناء نظام اقتصادي يضمن العدالة والاستقرار على المدى الطويل؟ تحدد الإجابة عن هذا السؤال ما إذا كانت هذه الزيادة خطوة أولى في مسار إصلاح حقيقي، أم مجرد تكرار لنمط اقتصادي أثبت فشله أكثر من مرة.


الفجوة الصادمة بين الأجور وتكاليف المعيشة


لفهم الأثر الحقيقي للزيادة الأخيرة في الأجور، لا بد من مقارنتها بمؤشرات تكاليف المعيشة الفعلية. وفق تقديرات «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» في بداية عام 2026، بلغ الحد الأدنى لتكاليف المعيشة في سورية نحو 7.26 مليون ليرة شهرياً، أي ما يعادل نحو 660 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي، بينما بلغ وسطي التكاليف أكثر من 11.6 مليون ليرة، أي نحو 1,055 دولاراً (علماً أن تكاليف المعيشة قد ارتفعت خلال الشهور الثلاث الأولى من هذا العام بنسبٍ كبيرة، وسننشر تفاصيلها في العدد القادم). وبالمقارنة مع الحد الأدنى الجديد للأجور (1.256 مليون ليرة)، يتضح أن الأجر لا يغطي أكثر من 17% من الحد الأدنى لتكاليف المعيشة للمعيشة و10% من وسطي هذه التكاليف.
تكشف هذه الأرقام عن فجوة هائلة في الأجور، فحتى لتغطية الحد الأدنى لتكاليف المعيشة فقط، يحتاج الحد الأدنى الرسمي للأجور - بعد الزيادة الأخيرة - إلى الارتفاع بنحو 500%. أما لتغطية وسطي تكاليف المعيشة، فإن الفجوة تتسع أكثر لتتطلب زيادة بأكثر من 820%.
يأتي ذلك في حين تشهد أسعار الغذاء، التي تشكل العمود الفقري لتكاليف المعيشة، ارتفاعات متواصلة، في حين بقيت الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والسكن خارج متناول شريحة واسعة من السكان. كما أن تكاليف الطاقة، وخاصة الكهرباء، شهدت قفزات هائلة، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 7000% (مثل حالة العائلات التي تستهلك 400 كيلوواط كل شهرين)، ما يضيف عبئاً إضافياً على الأسر. وهو ما يعني في العمق أن ما دفعته الحكومة لبعض السوريين اليوم على شكل زيادة في الأجور، كانت قد قبضته أضعافاً مضاعفة من جميع السوريين مسبقاً.

إلى جانب ذلك، لا تأخذ الحسابات الرسمية بعين الاعتبار التغيرات في بنية الأسرة السورية، حيث تعتمد العديد من الأسر على مصدر دخل واحد فقط، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل. كما أن عمليات «التطفيش» والتسريح المباشر وغير المباشر التي شهدها القطاع العام خلال السنوات الماضية، أدت إلى تقليص عدد المستفيدين من الأجور أساساً.
بمعنى آخر، فإن المشكلة ليست فقط في انخفاض الأجور، بل في انهيار العلاقة بين الأجر وتكاليف المعيشة. وهذا الانهيار يعكس خللاً أعمق في بنية الاقتصاد، حيث لم يعد العمل المنتج قادراً على تأمين الحد الأدنى من العيش. وبالتالي، فإن أي نقاش حول الأجور يجب أن يبدأ من هذه الحقيقة، لا من نسب الزيادة الاسمية.


لماذا تفشل زيادات الأجور دائماً في سورية؟


يعود السبب الرئيسي لفشل زيادات الأجور في تحقيق أثر ملموس على حياة الناس إلى غياب الربط بين الأجور والأسعار. ففي اقتصاد يعاني من تضخم مرتفع وغير مستقر، تصبح أي زيادة نقدية عرضة للتآكل السريع. وهذا ما حدث مراراً في سورية، حيث كانت الزيادات تترافق غالباً مع موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، ما يلغي أثرها خلال أشهر قليلة.
وفوق ذلك، فإن تمويل زيادات الأجور غالباً ما يتم بطرق غير مستدامة، مثل تقليص الدعم ورفع أسعار السلع الأساسية وزيادة الضرائب على الفقراء. وهذا يعني أن المواطن يدفع ثمن الزيادة بشكل غير مباشر، من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة. وبالتالي، تتحول الزيادة إلى عبء إضافي بدل أن تكون تحسناً حقيقياً.

 

6858eb1c800566f0ba3ed717_result
كما أن غياب الإنتاج الحقيقي يشكل عائقاً أساسياً. فالأجور لا يمكن أن ترتفع بشكل مستدام دون زيادة في الإنتاج. وفي ظل تراجع قطاعات الإنتاج الحقيقي، مثل الزراعة والصناعة، يصبح تمويل الأجور معتمداً على مصادر غير مستقرة، مثل المساعدات أو طباعة العملة، ما يؤدي إلى تضخم إضافي.
وعامل آخر وهو الأهم يتمثل في غياب العدالة في توزيع الثروة. حيث إن نسبة صغيرة من السكان لا تتجاوز 10% تستحوذ على أكثر من 90%، بينما تعاني الأكثرية الساحقة من السوريين من التهميش. في هذا السياق، تصبح زيادات الأجور غير كافية لمعالجة الفجوة الاجتماعية، ما لم تترافق مع سياسات إعادة توزيع حقيقية للثروة.
كذلك، فإن غياب آليات دورية لتحديث الأجور يجعلها متأخرة دائماً عن الواقع. فحتى إذا تم رفع الأجور إلى مستوى معين، فإن عدم تعديلها بشكل دوري يؤدي إلى تآكل قيمتها مع مرور الوقت. وهذا يخلق حالة من «الركض خلف الأسعار» دون القدرة على اللحاق بها.
بالتالي، فإن المشكلة ليست في مبدأ زيادة الأجور، بل في الطريقة التي يتم بها تنفيذها. فدون إصلاحات عميقة تشمل دعم الإنتاج، وإعادة توزيع الثروة، وضبط السياسات المالية، ستبقى أي زيادة مجرد إجراء مؤقت لا يغير الواقع بشكل جوهري.


نحو سياسة أجور عادلة تخدم السوريين


إذا كان الهدف الحقيقي هو تحسين مستوى معيشة السوريين، فإن سياسة الأجور يجب أن تعاد صياغتها بالكامل، انطلاقاً من مبدأ أساسي: الأجر يجب أن يضمن حياة كريمة، لا مجرد البقاء على قيد الحياة. وهذا يتطلب تبني مقاربة شاملة تتجاوز الزيادات الشكلية.
أولاً: يجب ربط الأجور بشكل مباشر بتكاليف المعيشة الفعلية. وهذا يعني اعتماد سلة استهلاك واقعية تشمل جميع الاحتياجات الأساسية، وليس فقط الغذاء. كما يجب أن يكون الهدف هو الوصول إلى مستوى معيشي كريم، وليس مجرد تغطية الحد الأدنى لتكاليف المعيشة.

ثانياً: يجب إنشاء آلية دورية (ربع أو نصف سنوية) لتحديث الأجور، بحيث يتم تعديلها بشكل منتظم وفق تغيرات الأسعار. ويجب أن تكون هذه الآلية شفافة ومبنية على مؤشرات واضحة، وأن تعتبر حقاً للعاملين، وليست «مكرمات» استثنائية.

ثالثاً: يجب أن يأتي تمويل زيادات الأجور من مصادر حقيقية ومستدامة وغير تضخمية. حيث أن أي زيادة في الأجور تصبح غير مجدية إذا كان تمويلها يعتمد على تحميل المواطنين أعباء إضافية، كما يحدث عند إلغاء الدعم أو رفع الضرائب بطريقة غير عادلة. لهذا، يجب أن يأتي التمويل الحقيقي لزيادة الأجور من مصادر اقتصادية غير تضخمية، أهمها: تعزيز الإنتاج الوطني، عبر رفع كفاءة القطاعات الإنتاجية الحقيقية كالزراعة والصناعة، مما يساهم في زيادة الإيرادات الحكومية من مصادر حقيقية وليس عبر الاستدانة والمساعدات الخارجية أو التضييق على المواطنين. واستهداف كبار الناهبين للثروات الوطنية الذين يستحوذون على النصيب الأكبر من موارد البلاد، بينما يعاني 90% من السكان من التهميش الاقتصادي. واجتثاث الفساد الكبير بشكل فعلي يمكننا من تحرير موارد ضخمة لدعم الأجور وتحقيق العدالة على الصعيد الاقتصادي.

رابعاً: فرض ضرائب تصاعدية عادلة تستهدف الثروات الكبيرة والأرباح غير المنتجة، بدلاً من تحميل العمال والمنتجين عبء الضرائب غير المباشرة.
وأخيراً، يجب النظر إلى الأجور كجزء من منظومة أوسع تشمل الخدمات العامة. فحتى لو ارتفعت الأجور، فإن غياب التعليم والصحة والسكن اللائق يجعل الحياة الكريمة غير ممكنة. وبالتالي، فإن تحسين مستوى المعيشة يتطلب استثماراً في هذه القطاعات، إلى جانب إصلاح الأجور.

في المحصلة، فإن رفع الأجور بنسبة 50% هو خطوة إيجابية لكنه لا يقترب بشكلٍ جدي من معالجة المشكلة الحقيقية. حيث أن ردم الفجوة بين الحد الأدنى الرسمي للأجور والحد الأدنى لتكاليف المعيشة يتطلب زيادات جذرية تصل إلى 500% على الأقل، ضمن إطار إصلاحي شامل. ودون ذلك، ستبقى الأجور في سورية عاجزة عن أداء دورها الأساسي، وسيبقى المواطن السوري يدفع ثمن اختلالات اقتصادية لم يكن مسؤولاً عنها.

298783_0_jpeg_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270