الركود القادم: كيف تُسرّع حرب الشرق الأوسط انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية؟

الركود القادم: كيف تُسرّع حرب الشرق الأوسط انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية؟

حتى قبل بداية الحرب الحالية في الشرق الأوسط، كان الخبراء يقولون: إن الغيوم تتجمع في الأفق، منذرةً بعاصفة أزمة اقتصادية عالمية. وكان الجدل يدور فقط حول الدولة التي قد تبدأ منها، وكذلك حول توقيت بدء الأزمة. كان معظم الخبراء يحدّدون التاريخ عند عام 2027. أما إذا أخذنا بتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن هذا العام كان ينبغي أن يكون أكثر أو أقل استقراراً. فقد قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي «بالقيمة الحقيقية، أي مع أخذ التضخم في الحسبان» في عام 2026 بنسبة 3.8%، بينما قدّره البنك الدولي بنسبة 2.6%. وقد تم الإعلان عن هذه التقديرات في بداية هذا العام. أما الآن، فمن الواضح أنه يجب إعادة كتابتها، مع الأخذ في الاعتبار الحرب التي بدأت. لكن حتى الآن لا تزال الأرقام القديمة موجودة على مواقع تلك المؤسسات، وذلك لأن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لا يملكان منجّمين يعرفون متى وكيف ستنتهي الحرب، أو حتى ما إذا كانت ستنتهي هذا العام أصلاً.

فالنتاين كاتسانوف


الأزمة هي الركود، أو بلغة أبسط: الانخفاض. أي انخفاض الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالعام السابق. وقد حدث ذلك بالفعل مرتين في القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2009، انخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.2%. أما في عام 2020، فقد بلغ الانخفاض 3.25%.
أما الانخفاض الأول المذكور في الناتج العالمي، فقد كان سببه أزمة الرهن العقاري في أمريكا التي بدأت في عام 2007، والتي تحولت في عام 2008 إلى أزمة مالية عالمية، وفي عام 2009 أصبحت ركوداً اقتصادياً عالمياً.
أما ركود الاقتصاد العالمي في عام 2020، فقد بدا للوهلة الأولى أنه ناتج عمّا سُمّي «جائحة كوفيد»، التي أدت إلى عمليات إغلاق جماعية في جميع أنحاء العالم. لكن بعض الخبراء المتعمقين يؤكدون أن «جائحة كوفيد» لم تكن سوى ستار دخاني يخفي الاختلالات المتراكمة في اقتصادات الدول، وفي الاقتصاد العالمي. وبالتالي، ولأول مرة في تاريخ الرأسمالية، لم تُنسب أسباب الأزمة الاقتصادية إلى جشع الرأسماليين، بل إلى فيروس غير مرئي.

أما الآن، فإن الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول المختلفة، فقد تراكمت فيها أيضاً أنواع مختلفة من الاختلالات، التي قد تتحول إلى ركود واسع النطاق. وأهم هذه الاختلالات، هو التفاوت بين الإنتاج «العرض» من السلع والخدمات، وبين الطلب القادر على الدفع بالمجتمع. وهذا هو التناقض الكلاسيكي في الرأسمالية، الذي كتب عنه كارل ماركس قبل أكثر من قرن ونصف في كتابه «رأس المال». يُضاف إلى ذلك اختلالات في موازين المدفوعات والتجارة، وكذلك اختلالات في الميزانيات العامة. أما الاختلالات المزمنة في الميزانيات، أي العجز في ميزانيات الدول، فإنها تظهر بشكل واضح في نمو الديون الحكومية.

أما بالنسبة للحروب، والأوبئة، والقرارات الذاتية للسياسيين «مثل: أوامر ترامب بفرض رسوم حمائية»، فهي لا تعمل إلا كعوامل، تزيد من حدة الاختلالات والتناقضات في الاقتصادات الوطنية والعالمية.
حتى لو لم تكن هناك حرب في الشرق الأوسط، فإن الركود العالمي كان سيبدأ على أي حال. لكن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط لم تفعل سوى تسريع اقترابه. وقد قام العديد من الخبراء بنقل تاريخ بدايته من عام 2027 إلى عام 2026. ولم يتغير فقط تاريخ البداية، بل أصبح من المعترف به أيضاً أن الحرب ستجعل الركود أكثر طولاً وعمقاً.

وبالطبع، فإن العامل الرئيسي «المحفّز» أو «الزناد» الذي يمكن أن يطلق الأزمة، والذي يجمع عليه جميع الخبراء دون استثناء، هو ارتفاع أسعار مصادر الطاقة. ويرجع هذا الارتفاع إلى قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. قبل الحرب، في نهاية شهر شباط، كان سعر نفط «برنت» يقارب 70 دولاراً للبرميل. أما في منتصف شهر آذار، فقد وصل إلى مستوى 100–105 دولارات. أي أنه خلال أسبوعين فقط ارتفع السعر بمقدار 50 بالمئة. وهذا ارتفاع أكثر حدة حتى من ذلك الذي حدث في عام 2022، عندما كانت الأسعار في شهر آب أعلى بحوالي 35% مما كانت عليه في بداية العام. ولم تحدث في تاريخ سوق النفط سوى حالة واحدة، كان فيها الارتفاع أكثر حدة. وقد حدث ذلك في عام 1973، عندما كان الارتفاع أيضاً نتيجة حرب في الشرق الأوسط «حرب تشرين/أكتوبر». فقد ارتفع السعر من 3 دولارات للبرميل في شهر تشرين الأول إلى 13 دولاراً بحلول بداية شهر كانون الأول، أي زيادة بمقدار أربعة أضعاف. وبعد ذلك تم «تصحيح» السعر قليلاً، لكنه لم يعد حتى قريباً من مستواه الأصلي.
ولا أحد يعرف إلى متى ستستمر عرقلة الملاحة في مضيق هرمز. وغالباً ما يقول الخبراء بشكل غير محدد: حتى صيف هذا العام. ولكن حتى لو انتهت الحرب بشكل «سعيد» وأُعيد فتح المضيق أمام جميع الناقلات، فإن الأسعار لن تعود إلى مستوياتها الأصلية. والسبب الرئيسي في ذلك، هو أن إنتاج النفط في ممالك الخليج قد تضرر بشدة بسبب الحرب، ومن غير المرجح أن يعود إلى مستواه السابق حتى نهاية هذا العام.
ويجب أن نضيف إلى ذلك، أن عرض النفط في السوق العالمية قد يتقيّد أيضاً بسبب احتمال حدوث تعطيل جزئي للإمدادات عبر «عنق زجاجة» آخر، وهو مضيق باب المندب، الذي يقع عند مدخل البحر الأحمر من جهة بحر العرب. ويمر عبره، بحسب التقديرات، نحو 12% من تدفقات النفط العالمية. وقد بدأت جماعة الحوثي في اليمن، التي تقف بحزم إلى جانب إيران، بالفعل في تقييد مرور السفن عبر «عنق الزجاجة» هذا.
إن التعطيل الكامل أو الجزئي لهذه المضائق لا يؤثر فقط على أسعار النفط. بل ترتفع أيضاً أسعار سلع، مثل: الألمنيوم، والأسمدة الآزوتية، والمنتجات النفطية، والغاز المسال. وبسبب الارتفاع الحاد في تكاليف النقل البحري، كأجور الشحن وتأمين البضائع، وترتفع أسعار كل ما يمر عبر «عنقي الزجاجة» في الخليج العربي والبحر الأحمر. وأنا أتحدث عن ذلك بالتفصيل، لأن العديد من الاقتصاديين يعتقدون أن «عامل مضيق هرمز» سيؤدي إلى موجة تضخم في معظم دول العالم. ففي عام 2022، وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ التضخم العالمي 8.8%. أما هذا العام، فإذا استمر إغلاق مضيق هرمز، فمن المتوقع أن نشهد تضخماً سنوياً من رقمين، أي أكثر من 10%.
كيف ستتفاعل الدول مع هذا التسارع في التضخم؟ على الأرجح، من خلال تشديد السياسة النقدية للبنوك المركزية. أي أن السلطات النقدية ستضطر إلى رفع سعر الفائدة الأساسي. ومثل هذا الرفع قد يصبح «الزناد» المباشر الذي يطلق الركود.
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض، يسعى إلى خفض سعر الفائدة الأساسي إلى أدنى مستوى ممكن. وهو في ولايته الثانية يواصل السعي إلى تحقيق سعر فائدة منخفض أو حتى صفري. وهو يحتاج إلى ذلك من أجل تقليل نفقات الميزانية على خدمة الدين العام، وكذلك من أجل منع ارتفاع سعر الدولار الأمريكي مقابل العملات الاحتياطية الأخرى، كوسيلة للحفاظ على القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.

لكن، على ما يبدو، فإن كيفن وورش، الذي من المتوقع أن يتولى قريباً «في أيار–حزيران» منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خلفاً لجيروم باول، سيتصرف بشكل معاكس تماماً. فهو سيرفع سعر الفائدة. ذلك لأن الرئيس الأمريكي، مع خططه ومشاريعه الطموحة، يحتاج ليس إلى مليارات، بل إلى تريليونات الدولارات. وهذه التريليونات لا يمكن جذبها إلى خزينة الدولة إلا من خلال رفع سعر الفائدة، لأن سعر الفائدة الأساسي للاحتياطي الفيدرالي هو المرجع لأسعار الفائدة على سندات الخزانة التي تغطي عجز الميزانية الأمريكية.

 

-----------2_result
وفي المستقبل القريب، سنشهد في الاقتصاد الأمريكي عمليتين متوازيتين ناتجتين عن رفع سعر الفائدة. فمن جهة، ستؤدي الأموال مرتفعة التكلفة إلى إبطاء الاقتصاد، مما سيدفعه أولاً إلى حالة من الركود الجزئي «الجمود»، ثم إلى الركود الكامل «الانكماش». ومن جهة أخرى، ومن أجل منع انزلاق الاقتصاد إلى الركود، ستضخ السلطات النقدية كميات هائلة من الأموال الحكومية لدعمه وإنقاذه، كما حدث خلال ما يسمى جائحة كوفيد. سيتم الحصول على جزء متزايد من هذه الأموال ليس من الضرائب أو الرسوم، بل من خلال إصدار المزيد من سندات الخزانة. وسيتم الحفاظ على الطلب عليها، كما ذُكر، بفضل ارتفاع سعر الفائدة.

كان دونالد ترامب قد صرّح في عام 2016، خلال حملته الانتخابية، بأنه قلق جداً بشأن الدين العام الأمريكي. ففي خريف عام 2016، كان الدين العام يبلغ 19.5 تريليون دولار، أي ما يعادل 106% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد وعد آنذاك ليس فقط بوقف نمو الدين، بل وحتى بخفضه، سواء بالقيمة المطلقة أو النسبية. لكن بحلول نهاية عام 2020، أي عند انتهاء ولايته الأولى، ارتفع الدين إلى 27 تريليون دولار.

أما ولايته الثانية، فقد بدأها والدين العام يبلغ 36 تريليون دولار «120% من الناتج». وفي 18 آذار، وردت أخبار بأن الدين العام الأمريكي وصل إلى 39 تريليون دولار «130% من الناتج». وهذا يعني أنه خلال سنة واحدة وشهرين تقريباً من وجود ترامب في منصب الرئيس، زاد الدين بمقدار 3 تريليونات دولار. وهذه وتيرة ارتفاع لم يشهدها الدين العام في عهد أي رئيس أمريكي آخر. وإذا استندنا إلى معدل النمو في السنة الأولى، فإن الدين قد يرتفع حتى نهاية ولايته بحوالي 8 تريليونات دولار إضافية. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار الحاجة المتزايدة للإنفاق الحكومي على السياسة الخارجية الإمبريالية، وكذلك على دعم الاقتصاد الأمريكي المتباطئ، فمن الممكن أن يزيد الدين حتى نهاية عام 2028 أو بداية 2029 بنحو 10 تريليونات دولار، وقد يصل إلى مستوى 50 تريليون دولار. ومع ذلك، يمكن اعتبار هذه الحسابات افتراضية بحتة، لأن الاقتصاد الأمريكي قد يدخل في الركود في وقت أبكر بكثير.
نتحدث الآن عن الاقتصاد الأمريكي، لكن وضع الدين العام مشابه في دول أخرى. فمن حيث النسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، تتصدر اليابان القائمة «نحو 240%». وفي أوروبا تبرز اليونان «أكثر من 150 %» وإيطاليا «نحو 140 %». أما في الاتحاد الأوروبي ككل، فتتجاوز النسبة 80%. وبالنسبة للصين، تتراوح التقديرات بين 90 و100 % من الناتج المحلي الإجمالي.

إن معدلات النمو الاقتصادي ومستوى الدين العام مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. فلكي تتمكن الدولة من خدمة ديونها «أي دفع الفوائد»، يجب أن ينمو اقتصادها. وإلا فإن الاقتصاد سيتعرض للاستنزاف، أو سيتم تمويل خدمة الدين من خلال اقتراض جديد، مما يؤدي إلى تضخم «هرم الديون». فإذا افترضنا أن الدين يعادل 100% من الناتج المحلي، وأن سعر الفائدة يبلغ 5% سنوياً، فإن الدولة تحتاج إلى نمو اقتصادي لا يقل عن 5 % سنوياً لخدمة هذا الدين. ومثل هذا النمو لا تستطيع تحقيقه اليوم لا أمريكا ولا أوروبا، وربما بصعوبة تستطيع الصين فقط تحقيقه.
لكن الوضع في الاقتصاد العالمي أكثر خطورة، لأن هناك أيضاً ديوناً غير حكومية، مثل: ديون الشركات، والبنوك، والمؤسسات المالية، وديون الأسر «أي الأفراد». وإذا جمعنا كل هذه الديون، فإن نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي في المراكز الثلاثة الرئيسية للاقتصاد العالمي– أمريكا والاتحاد الأوروبي والصين– تصل إلى نحو 300%. وهذا يعني أن خدمة هذه الديون تتطلب نمواً اقتصادياً سنوياً بنحو 15 %، وهو أمر غير واقعي. وبالتالي، فإن هذه الاقتصادات قد وقعت في «فخ الديون»، الذي يصعب الخروج منه.
نظرياً، هناك ثلاث طرق للخروج من هذا الفخ.
الطريقة الأولى: أن تعلن الدولة عجزها عن السداد «الإفلاس»، ويتم شطب بعض الديون، وسداد بعضها الآخر من خلال الأصول الوطنية، «مثل: الموارد الطبيعية والممتلكات الحكومية». لكن هذا الخيار يؤدي إلى فقدان السيادة الوطنية، حيث تخضع الدولة لرقابة الدائنين.
الطريقة الثانية: تقليص قيمة الديون من خلال التضخم المرتفع، عبر تشغيل «المطبعة» النقدية للبنك المركزي بأقصى طاقتها.
الطريقة الثالثة: الدخول في حرب كبرى ضد الدول الدائنة، بحيث يتم إلغاء الديون في حال الانتصار، وقد تحصل الدولة المنتصرة أيضاً على تعويضات من الدول المهزومة.
ويرى الكاتب، أن ترامب قد يسعى إلى حل مشكلة الدين العام «وربما الديون بشكل عام» من خلال الطريقة الثالثة. فكيف يمكن تفسير أن ترامب، الذي يُقدَّم كـ «صانع سلام»، قرر الدخول في حرب في الشرق الأوسط؟ لكن هذه مجرد ملاحظة، على سبيل التلميح للرئيس السابع والأربعين، الذي لا يستطيع أن يقدّم تفسيراً واضحاً لسبب إدخاله أمريكا في مغامرة عسكرية في الشرق الأوسط.
وبالطبع، لن يتمكن ترامب من إلغاء، أو حتى تقليص الدين العام الأمريكي من خلال هذه الحرب. بل على العكس، فإن النفقات العسكرية ستؤدي إلى زيادة هذا الدين بشكل كبير. لكن هذه الحرب ستؤدي حتماً إلى تفجير أزمة في الاقتصاد الأمريكي، ثم في الاقتصاد العالمي. وعلى الأرجح، قد يحدث ذلك بالفعل خلال هذا العام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270